• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
 
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع الاستشارات
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
  • موقع المكتبة الناطقة
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تحقيق حديث: " إن ما تكرهونه في الجماعة خير مما تحبونه في ...
    ساعد عمر غازي
  •  
    أسس الارتقاء بالخطاب الدعوي، والعوامل المؤثرة فيه
    د. عطية عدلان
  •  
    الحث على تربية الأولاد
    الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن بن عبدالعزيز الدهيشي
  •  
    المسجد الأقصى في عقيدة المسلمين
    الشيخ محمد صفوت نور الدين
  •  
    تفسير القرآن الحكيم .. سورة الحجر (الآيات 57: 60)
    الشيخ محمد حامد الفقي
  •  
    الماء المتغير بطاهر غير ممازج
    الشيخ دبيان محمد الدبيان
  •  
    تمام المنة - الجنائز (8/ 12)
    الشيخ عادل يوسف العزازي
  •  
    القاعدة العامة للحكم على الحديث بصحة أو ضعف
    إدريس أبو الحسن
  •  
    د: مزروعة يواصل تحذيراته من التنظيمات السرطانية في جسد ...
    جمال سالم
  •  
    للموت وقت وأجل محدد
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون
    أ. د. زيد العيص
  •  
    وبشر الصابرين (PDF)
    ابتهاج حجازي بدوي سالم غبور
  •  
    رصيد الخطيب
    مرشد الحيالي
  •  
    كلمات الله الخالدة
    عبدالرحمن محمد أحمد الحطامي
  •  
    وصف الخلان في وصف سيد ولد عدنان - صلى الله عليه وسلم
    شادي راضي
  •  
    نفحات قرآنية (38)
    بخاري أحمد عبده
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / دراسات شرعية / أخلاق ودعوة
علامة باركود

حب الوطن: معنى ومبنى

محمود سفور
مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/3/2009 ميلادي - 19/3/1430 هجري
زيارة: 17532

 نسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

النص الكامل تكبير الخطالحجم الأصليتصغير الخط
شارك وانشر
((ما أطيبَك من بلدٍ! وما أحبَّك إليَّ! ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنتُ غيرَك))؛ رواه الترمذي.

ما أروعَكِ من كلمات!
كلمات قالها الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وهو يودِّع وطنه، إنها تكشف عن حبٍّ عميق، وتعلُّق كبير بالوطن، بمكة المكرمة، بحلِّها وحَرَمها، بجبالها ووديانها، برملها وصخورها، بمائها وهوائها، هواؤها عليل ولو كان محمَّلًا بالغبار، وماؤها زلال ولو خالطه الأكدار، وتربتُها دواء ولو كانت قفارًا.

ولقد ثبت في الحديث الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في الرقية: ((باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا))؛ رواه البخاري ومسلم.

والشفاء في شم المحبوب، ومن ألوان الدواء لقاءُ المحبِّ محبوبَه أو أثرًا من آثاره؛ ألم يُشفَ يعقوبُ ويعود إليه بصره عندما ألقَوْا عليه قميصَ يوسفَ؟!

قال الجاحظ: "كانت العرب إذا غزَتْ، أو سافرتْ، حملتْ معها من تربة بلدها رملًا وعفرًا تستنشقه".

إنها الأرض التي ولد فيها، ونشأ فيها، وشبَّ فيها، وتزوَّج فيها، فيها ذكرياتٌ لا تُنسى، فالوطن ذاكرة الإنسان، فيها الأحباب والأصحاب، فيها الآباء والأجداد.

قال الغزالي: "والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص".

إنه يحب وطنه، وهذا من طبيعة الإنسان، فقد فَطَرَه الله على حبِّ الأرض والديار.

قال الحافظ الذهبي - وهو من العلماء المدقِّقين - مُعَدِّدًا طائفةً من محبوبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وكان يحبُّ عائشةَ، ويحبُّ أَبَاهَا، ويحبُّ أسامةَ، ويحب سبطَيْه، ويحب الحلواء والعسل، ويحب جبل أُحُدٍ، ويحب وطنه".

إنه يحب مكةَ، ويكره الخروجَ منها، والرسول - صلى الله عليه وسلم - ما خرج من بلده مكة المكرمة، إلا بعد أن لاقى من المشركين   أصنافَ العذاب والأذى، فصَبَر؛ لعله يلقى من قومه رقةً واستجابة، وأقام ورحل، وذهب وعاد، يريد من بلده أن يَحتضن دعوتَه، ولكن يريد الله - لحكمة عظيمة - أن يَخرُج، فما كان منه إلا أنْ خرج استجابةً لأمر الله، فدِينُ الله أغلى وأعلى.

ولكن عندما حانتْ ساعةُ الرَّحيل، فاض القلبُ بكلمات الوداع، وسَكبتِ العينُ دموعَ الحبِّ، وعبَّر اللسانُ عن الحزن.

أُخرج من وطنه، أَخرجه قومُه؛ كما قال - تعالى -: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، وعندما هاجر إلى المدينة، كان يدعو اللهَ أن يرزقه حبَّها، فمكة وطنه، وحبُّها يملك قلبَه، وهواها فطرة فُطر عليها، كما هو الحال عند الناس؛ لذلك لا يمكن أن يكرهها، وإن أصابه فيها ما أصابه.

بِلاَدِي وَإِنْ جَارَتْ عَلَيَّ عَزِيزَةٌ        وَأَهْلِي وَإِنْ  ضَنُّوا  عَلَيَّ  كِرَامُ

أما المدينة، فهي بلد جديد استوطنه، وشاء الله أن يكون عاصمةَ دولةِ الإسلام الناشئة؛ لذلك كان يدعو الله أن يحبِّبَها إليه؛ كما في "الصحيحين": ((اللهم حبِّبْ إلينا المدينةَ كحُبِّنا مكةَ أو أشدَّ))؛ رواه البخاري ومسلم.

إنه يدعو الله أن يحبِّب إليه المدينةَ أكثرَ من حبِّه لمكة؛ فحبُّ مكة فطرةٌ؛ لأنها وطنه، أما حبُّ المدينة فمنحةٌ وهِبة، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ربَّه أن يحبِّبها إليه حبًّا يفوق حبَّه لمكة؛ لما لها من الفضل في احتضان الدعوة، ونشر الرسالة.

وقد استجاب الله دعاءه، فكان يحبُّ المدينة حبًّا عظيمًا، وكان يُسرُّ عندما يرى معالِمَها التي تدلُّ على قرب وصوله إليها؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: "كان رسول الله إذا قدم من سفرٍ، فأبصر درجات المدينة، أوضع ناقتَه – أي: أسرع بها - وإن كانت دابة حرَّكَها"، قال أبو عبدالله: زاد الحارث بن عمير عن حميد: "حركها من حبِّها"؛ أخرجه البخاري.

ولقد أحبَّ الصحابةُ ديارَهم، ولكنهم آثروا دين الله - عز وجل - فقد أُخرجوا - رضي الله عنهم - من مكة، فهاجَرَ مَن هاجر منهم إلى الحبشة، وهاجروا إلى المدينة، خرجوا حمايةً لدينهم، ورغبةً في نشر دين الإسلام.

وما أقساه من خروج وما أشدَّه! لذلك وصف الله الصحابةَ الذين أُخرجوا من ديارهم بالمهاجرين، وجعل هذا الوصفَ مدحًا لهم على مدى الأيام، يُعلي قدرَهم، ويبيِّن فضلَهم؛ قال – تعالى -: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8].

ولما كان الخروج من الوطن يبعث على كل هذا الحزن، ويُسبِّب كلَّ هذا الألم، قرن الله - عز وجل - حبَّ الأرض في القرآن الكريم بحبِّ النفس؛ قال – تعالى -: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66].

بل قرنه في موضعٍ آخرَ بالدِّين، والدين أغلى من النفس، ومقدَّمٌ عليها لمن يفقه؛ قال – تعالى -: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8].

وجعل النفيَ والتغريبَ عن الوطن عقوبةً لمن عصى، وأتى من الفواحش ما يَستحق به أن يُعذَّب ويُغرَّب.

تجليات الحب:
والحبُّ للوطن لا يقتصر على المشاعر والأحاسيس؛ بل يتجلَّى في الأقوال والأفعال، وأجمل ما يتجلى به حبُّ الوطن الدعاء.

الدعاءُ تعبيرٌ صادق عن مكنون الفؤاد، ولا يخالطه كذبٌ، أو مبالغة، أو نفاق؛ لأنه علاقة مباشرة مع الله.

لقد دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - للمدينة، كما في "الصحيحين": ((اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلتَ بمكة من البركة))؛ رواه البخاري ومسلم.

وفي مسلم: ((اللهم باركْ لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعِنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلُك ونبيُّك، وإني عبدُك ونبيُّك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعا لمكة، ومثله معه))؛ رواه مسلم.

وقد حكى الله - سبحانه وتعالى - عن نبيِّه إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - أنه دعا لمكة المكرمة بهذا الدعاء، قال الله - تعالى -: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].

ودعاء إبراهيمَ - عليه الصلاة والسلام - يُظهِر ما يفيض به قلبُه، مِن حبٍّ لمستقر عبادته، وموطن أهله.

ولقد دعا لمكة بالأمن والرِّزق، وهما أهم عوامل البقاء، وإذا فُقِد أحدُهما أو كلاهما فُقِدت مقوماتُ السعادة، فتُهجَر الأوطانُ، وتَعُود الديارُ خاليةً من مظاهر الحياة؛ ولهذا نرى أن الله - سبحانه وتعالى - شدَّد في عقوبة مَن يُفسِد على الديارِ أمنَها؛ بل جعل عقوبتَه أشدَّ عقوبةً على الإطلاق؛ قال - تعالى -: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، فهل بعد هذه العقوبة من عقوبة؟!

وقد دعا الإسلامُ إلى فِعل كلِّ ما يُقوِّي الروابطَ والصلات بين أبناء الوطن الواحد، ثم بين أبناء الأُمَّة، ثم بين بني الإنسان.

ومما يتجلى فيه حبُّ الأوطان: صلة الأرحام، فهم عترة الإنسان وخاصَّتُه، وهم قرابته وأنسه، وبهم تطيب الإقامة في الديار؛ لذلك جعل الله صلةَ الأرحام من أعظم القُرُبات، وقطيعتَهم قرينَ الإفساد في الأرض.

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله خَلَقَ الخلْقَ، حتى إذا فرغ منهم، قامَتِ الرَّحمُ فقالت: هذا مقامُ العائذ من القطيعة، قال: نعم، أمَا ترضَيْنَ أن أصلَ مَن وصَلَك، وأقطع مَن قطَعَك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لكِ))، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 22 - 24])).

وينتقل الإحسانُ إلى دائرة أخرى من الدوائر التي تحيط بالإنسان، وهي دائرة الجوار، وهل تطيب الإقامةُ في الدار إن عدا عليك فيها جارٌ؟

لذا جعل الإسلام الإحسانَ إلى الجوار مِن كمال الإيمان، كما جعل الإساءة إلى الجوار من أسباب دخول النار؛ عن أبي هريرةَ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)).

وتتَّسع الدائرة لتشمل الإحسان إلى كل مسلم؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّه لنفسه)).

وتتسع الدائرة لتشمل الإحسانَ إلى أهل الأديان الأخرى، وهم شركاؤنا في الوطن، وجاء عن رسول الله - ‏‏صلى الله عليه وسلم - ‏أنه ‏قال: ((ألا ‏مَن ظَلَمَ ‏ ‏مُعَاهدًا، ‏أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ   طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ - فَأَنَا ‏حَجِيجُهُ ‏‏يَوْمَ القِيَامَةِ)).

وتبلغ دائرة الإحسان مداها، لتشمل الحيوان، والنبات، والحجر، وكلَّ شيء؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله كَتَبَ الإحسان على كل شيء)).
فإذا تحقَّق الترابط بين أبناء الوطن الواحد، كان الجو مهيَّأً للبناء، وأول خطوة في طريق التقدم هو التعليم، فإذا انتشر العلم النافع بين أبناء الوطن، وتربَّى النشءُ تربيةً صحيحة، يتحقق أول وأهم مقوِّم من مقومات الحضارة، وهل الحضارة إلا مكوَّن يتركب من الإنسان، والتراب، والزمان؟

وقد حرص الإسلام على نشر العلم بين أبناء الأمة، فكانت أول آيات القرآن الكريم نزولاً: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]، وأول أداة وآلة ذُكِرتْ في القرآن هي القلم، قال – تعالى -: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} [القلم: 1].

ولما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وبدأ بتأسيس حضارة إسلامية، بدأ بنشر التعليم بين أبناء المدينة المنورة، فجعل فديةَ مَن يعرف القراءةَ مِن أسارى بدرٍ أن يُعلِّم عشرةً مِن أبناء المسلمين.

وكان يعلِّم وفود البلاد التي تَقدَم عليه، ويأمرُهم بالرجوع إلى بلادهم؛ حتى يعلِّموا مَن خلفهم؛ عن مالك بن الحويرث قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة، فأقمنا عنده نحوًا من عشرين ليلةً، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا، فقال لنا : ((لو رجَعتُم إلى بلدكم فعلَّمتموهم - أو قال: أمرتموهم - صلوا صلاة كذا وكذا، في حين كذا وكذا، فإذا حضرَتِ الصلاةُ، فليؤذِّن لكم أحدُكم، وليؤمكم أكبرُكم)).

وأما تربة الأرض، فهي المقوم الثاني من مقومات الحضارة، وتربة الأرض تشمل سطحَها، وتشمل ما في باطنها، فهي تعني زراعتَها، واستثمار ما في جوفها من خيرات.

وقد عُنِيَ الإسلامُ بزراعة الأرض أيَّما عناية؛ لأنها مصدر قُوتِ الإنسان، وهي ضمان لاستقلاله وقوَّته، وأيما أمة لا تَزرع أرضَها، ولا تَملك قُوتَها، أمةٌ لا تملك قرارَها، ولا حرِّيتَها، ولا سيادتها؛ لذلك نظَّم الإسلام امتلاكَ الأرض، ووضع أحكامًا تُعنى بالحفاظ على هذا المقوِّم من مقومات الحضارة والتقدم.

وأكتفي بهذه الإشارة التي تُفهم من هذا الحديث؛ عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلاَّ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَفْعَلْ)).

وحب الوطن الذي لا يعارض الشرع يعني الإتقان، الإتقان في كل الأعمال، في التعليم، وفي الزراعة، وفي الصناعة، الإتقان في أمر الدنيا وأمر الآخرة، فكل منتَج في بلاد المسلمين يجب أن يحمل علامةَ الجودة الفائقة.

عن عائشة، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - يحبُّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)).

ولكن الأمر في الواقع على خلاف هذا القول!

وحب الوطن يعني: الحفاظ على الحق العام، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الناس شركاءُ في أمورٍ، لا يجوز لأحد الاستئثارُ بها، أو الاعتداء عليها.
قال - صلى الله عليه وسلم -:((الناس شركاء في ثلاثة: في الكلأ، والماء، والنار))؛ رواه أحمد وأبو داود، ورجاله ثقات.

وقال: ((وإماطة الأذى عن الطرق صدقة)).

وقال: ((أعطوا الطريق حقه)).

وقال: ((اتَّقوا اللاعِنَينِ؛ الذي يتخلَّى في طريق الناس أو ظلِّهم)).

حب الوطن في الإسلام: هو محبة الفرد لوطنه وبلده، وتقوية الرابطة بين أبناء الوطن الواحد، وقيامه بحقوق وطنه المشروعة في الإسلام، ووفاؤه بها.

وحب الوطن في الإسلام: لا يعني: العصبيةَ، التي يُراد بها تقسيمُ الأمة إلى طوائفَ متناحرةٍ، متباغضة، متنافرة، يَكِيد بعضها لبعض، وفي الحديث: ((مَن قُتل تحت راية عُمِّيَّة، ينصر العصبية، ويغضب للعصبية، فقتلتُه جاهليةٌ)).

حب الوطن في الإسلام: لا يعني: اتِّباعَ القومِ أنَّى ساروا، ونصرَهم على كل حال؛ بل يعني: العدلَ والإنصاف.

وعن عبَّاد بن كثير الشامي، عن امرأةٍ منهم يقال لها: فسيلة، قالت سمعت أبي يقول: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، أمِنَ العصبيةِ أن يحب الرجلُ قومَه؟ قال: ((لا، ولكن من العصبية أن يُعِينَ الرجلُ قومَه على الظلم))؛ رواه أحمد وابن ماجه.

وحب الوطن في الإسلام: لا يعني: الانفصال عن جسد الأمة الإسلامية، أو نسيان مبدأ الإنسانية، فلا ننصر مظلومًا، ولا نغيث ملهوفًا، ولا نعين مكروبًا، ما دام أنه ليس في حدود الوطن، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مَثَلُ المؤمنين في تراحمهم وتوادِّهم وتعاطفهم مثلُ الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تَداعَى له سائر الجسد بالسهر والحمى))؛ متفق عليه.

إن حدود الوطن التي تلزم التضحية في سبيل حريته وخيره، لا تقتصر على حدود قطعة الأرض التي يولد عليها المرء؛ بل إن الوطن يشمل القطر الخاص أولاً، ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى.

فَأَيْنَمَا   ذُكِرَ   اسْمُ   اللَّهِ   فِي    بَلَدٍ        عَدَدْتُ ذَاكَ الحِمَى مِنْ صُلْبِ أَوْطَانِي

إن المسلم يحب وطنه، ويعمل كل خير لبلده، ويتفانى في خدمته، ويضحي للدفاع عنه.

وإن المسلم يعمل للأمة، ويحزن لحزنها، ويفرح لفرحها، ويدافع عنها، ويسعى لوحدتها.

وإن المسلم يقدِّم الأقرب فالأقرب، ولا ينسى من هو بعيد.

وكل مسلم على ثغر، فلْيحذر أن يُؤتى وطنُه، أو تؤتى أُمتُه مِن قِبَله.

بِلاَدِي هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي        يُمَجِّدُهَا  قَلْبِي  وَيَدْعُو  لَهَا  فَمِي

اللهم احفظ بلاد المسلمين آمنة مطمئنة، والحمد لله رب العالمين.



 نسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

مقالات ذات صلة

  • الوطنية وتعدد الثقافات في الفكر الإسلامي
  • الدين لله .. والوطن لله .. والجميع عبيد لله .. والأمر والملك كله لله
  • وطن النور والندى
  • خطبة المسجد الحرام 16/8/1430هـ
  • التصور الحقيقي للوطن من خلال الهجرة النبوية
  • بلادي بلادي، لك حبي وفؤادي
  • حق الوطن
  • محـبة الوطن
  • ننتظر وما زلنا!
  • حب الأوطان وواجب الإصلاح

مختارات من الشبكة

  • ويوم ينتهي الحب تطلق النحلة الزهرة(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • معنى الحب الحقيقي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • محبة الله عز وجل(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ملخص بحث: حب الوطن والانتماء إليه من منظور إسلامي(مقالة - الإصدارات والمسابقات)
  • "أبو متعب" قلب الوطن النابض حباً وتضحية لشعبه(مقالة - موقع د. زيد بن محمد الرماني)
  • أردتُ معرفة الحب، فحرمني أبي من الحب(استشارة - الاستشارات)
  • مخطوطة مباني الأخبار في شرح معاني الآثار ج18 ( شرح معاني الآثار )(مخطوط - مكتبة الألوكة)
  • معنى الحب الحقيقي(استشارة - الاستشارات)
  • وطن بلا أحباب(مقالة - حضارة الكلمة)
  • عاشق الوطن (قصة قصيرة)(مقالة - حضارة الكلمة)

 


ترتيب التعليقات
تعليقات الزوار
4- جميل
مالك - السعودية 16-03-2009 07:21 PM
الله يجزاك خير
3- وفقكم الله
ابن الإسلام - مصر 15-03-2009 05:22 PM
حب الوطن بمعانيه ومضامينه العظيمة.. بدلالاته النبيلة وأبعادها العميقة هو ليس أقوالا وثرثرة سياسية وشعارات ترفع في الفراغ لتحقيق أهداف وغايات هي أبعد ما تكون عن السلوك والممارسة العملية الحقة المجسدة لهذا الحب في العقل والقلب.. في الوعي والوجدان بل أن هذا الحب ينشأ مع الإنسان من الصغر ويكبر معه قيماً وأخلاقا
2- ملحق مهم للتنويه
Ibrahim - Egypt 15-03-2009 03:08 PM
والشيء بالشيء يذكر فإن خبير التنمية البشرية والمحاضر العالمي الدكتور إبراهيم الفقي في تدريبه الأخير الذي انتهى أول أمس 13 مارس 2009 الحالي "إعداد الكوادر القيادية" والذي نظمته شركة TRACK قد أعلن أنه سيقوم بعمل حلقات تلفزيونية قريبا جدا عن ثلاثة مواضيع فقط، وهي:

"الانتماء"، لكي نواجه به أعداءنا من الصهاينة.
"التدخين"، مؤكدا أننا في العالم العربي نصرف على السجائر والمخدرات أكثر من الأكل.
"المحجبات المحزقات" على حد تعبيره؛ فإما أن تتحجب حجابا كاملا وإما لا، ولكل حساب عند الله تعالى يوم تجزى كل نفس بما عملت.
1- كلماتٌ
Ibrahim El Shafey - Egypt 15-03-2009 03:01 PM
السلام عليك يا أخي وأستاذي محمد سفور ورحمنة الله وبركاته..
تحية تزكو بها نفوسنا وتنجلي بها أبصارنا..
جزاك الله خيرا على ما قد بسطت الحديث فيه، فإنك قد فصلت في معنى الانتماء تفصيلا جيدا جدا لم أر مثله من قبل.

اللهم، إلا أن عندي بعض الملاحظات التي أعلم أن صدرَكم من الرحابة بحيث يمكنه استيعابُها من تلميذكم إبراهيم صاحب هذه السطور:

قلتم: "وحبُّ الوطن يعني: الحفاظ على الحق العام، وقد بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الناس شركاءُ في أمورٍ، لا يجوز لأحد الاستئثارُ بها، أو الاعتداء عليها"، ونحن نرى الآن الناس - في الغالب الأعم - لا يفعل ذلك، كأن الانفصال حادث وموجود بين النصوصو الشرعية ومواد السريعة وبين ما يقوم به الأفراد من سلوكيات فضلا عما يقوم به أولو الأمور من أمور تنافي ذلك، وهذه يا أخي قضية خطيرة أشار إليها أستاذي وسيدي الدكتور عبدالحميد مدكور في كتابه "الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر" كعامل من عوامل ضعف الأمة الإسلامية التي يجب في وقتنا الحاضر أن نواجه كثيرا مما تواجه، ونعاني كثيرا مما تعاني، اللهم إلا إذا تمسكنا بما يخدم معاني القوة في تلك الأيام وحولنا تلك الكلمات والمعاني إلى أفعال وسلوكيات... وللحديث بقية.

وقلتم: "وحب الوطن في الإسلام: لا يعني: العصبيةَ، التي يُراد بها تقسيمُ الأمة إلى طوائفَ متناحرةٍ، متباغضة، متنافرة، يَكِيد بعضها لبعض، وفي الحديث: ((مَن قُتل تحت راية عُمِّيَّة، ينصر العصبية، ويغضب للعصبية، فقتلتُه جاهليةٌ))"، ووالله كنت أنتظر تلك العبارة أو ما في معناها وأنا أقرأ الكلام السابق عليها؛ لأن الانتماء (أو الوطنية) لا تعني - في رأيي على الأقل وقدوافقتموني إن لم أكن فاهما كما يجب - أن يقوم المرء بالتعصب لمكان بعينه وإغلاق عينه عن قضية يعيشها هذا المكان بكل من فيه وما فيه، بل والأماكن المجاورة له، ويوجد على هذا الموقع الشريف الألوكة دراسة جيدة جدًّا للدكتور أحمد بن عبدالعزيز الحليبي؛ بعنوان: (الوطنية وتعدُّد الثقافات في الفكر الإسلامي) واستشارة بعنوان "وطني 100%"... وللحديث بقية.


وقلتم: "إن حدود الوطن التي تلزم التضحية في سبيل حريته وخيره، لا تقتصر على حدود قطعة الأرض التي يولد عليها المرء؛ بل إن الوطن يشمل القطر الخاص أولاً، ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى"، ولا أخفي عليكم أنني اشتممتُ رائحة حديث خفي عن موقف مصر أثناء حرب غزة الأخيرة من موضوع فتح المعابر، إلا أنني لا أستطيع - وأظن أنك معي في هذا - أن ألوم مصر على كل ما فعلته في هذه القضية بالذات....


أشكرك أخي الفاضل الكريم، وننتظر مقالك القادم الذي تتحفنا به إن شاء الله تعالى.
سبحانك اللهم ويحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك!!
1 

أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
في إخبار صديق
سجل بريدك
كُتَّاب الألوكة
  • أستراليا: قاضية تعنف مسلما لرفضه القيام أثناء دخولها المحكمة
  • ألبانيا: الرئيس ورئيس الوزراء يستقبلان رؤساء المشيخات الإسلامية من دول البلقان
  • اليونان: حزب يهدد المسلمين إذا بنوا مسجدا
  • إيطاليا: تماثيل خنازير لإبعاد المسلمين
  • فرنسا: مظاهرات ضد استبعاد الأمهات المحجبات من الرحلات المدرسية
  • ألمانيا: مطالب إسلامية بحماية المساجد
  • نيجيريا: طلب تعديل موعد حظر التجوال للتمكن من صلاة الجماعة
  • الملحدون الجدد والإسلاموفوبيا


تابعونا على
شبكة الألوكة على Facebook شبكة الألوكة على Twitter شبكة الألوكة على YouTube  
حقوق النشر محفوظة © 1434هـ / 2013م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 15/7/1434هـ - الساعة: 6:36
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب