الشِّعْرُ سِحْرٌ صِيغَ بِالْكَلِمَاتِ وَرَسُولُ حُبٍّ يَنْشُرُ الرَّحَمَاتِ
وَالشِّعْرُ مِيزَانُ الْحَيَاةِ وَسِحْرُهَا وَمَعِينُهَا الدَّفَّاقُ بِالْخَيْرَاتِ
وَالشِّعْرُ مَمْلَكَةٌ بِهَا تَحْلُو الْحَيَا ةُ وَرَوْضَةٌ غَنَّاءُ بِالثَّمَرَاتِ
وَالشِّعْرُ إِلْهَامٌ وَفِكْرٌ ثَاقِبٌ وَرُؤًى تَلُوحُ فَتَبْعَثُ الْخَطَرَاتِ
وَالشِّعْرُ أُسْلُوبٌ يُعَبِّرُ صَادِقًا عَنْ فَيْضِ إِحْسَاسٍ وَعَنْ خَلَجَاتِ
فِبِهِ يَرِقُّ الْقَلْبُ مِنْ جَفْوٍ بِهِ وَبِهِ تَثُورُ النَّفْسُ ثَوْرَةَ عَاتِ
وَالشِّعْرُ إِذْ يَقْسُو فَمَوْجٌ هَادِرٌ وَإِذَا هَدَا فَيَكُونُ كَالنَّسَمَاتِ
وَالشَّاعِرُ الْحَقُّ الَّذِي بِبَيَانِهِ يَسْبِي النُّفُوسَ بِأَعْذَبِ الْأَبْيَاتِ
وَرَسُولُ صِدْقٍ لِلْحَيَاةِ مُنَادِيًا وَمُبَشِّرًا بِبِزُوغِ فَجْرٍ آتِ
يَحْيَا مَعَ الْمَعْنَى الْجَمِيلِ مُعَبِّرًا وَمُنَسِّقًا بِيَرَاعِهِ الْكَلِمَاتِ
حَسْبُ الْقَصِيدَةِ أَنْ تُثِيرَ مَشَاعِرًا تَسْتَنْفِرُ الْوُجْدَانَ وَالْعَزَمَاتِ
تَسْرِي وَتَخْتَرِقُ النُّفُوسَ بِسِحْرِهَا تُحْيِي الشُّعُورَ وَتَرْفَعُ الْهَامَاتِ
وَلَكَمْ عَلَتْ أُمَمٌ بِسِحْرِ قَصَائِدٍ وَلَكَمْ هَوَتْ أُخْرَى بِنَفْثِ بُغَاةِ
وَتَجُوبُ آفَاقَ الْحَيَاةِ وَتَمْتَطِي صَهْوَ الْجِمَالِ تَجُولُ فِي السَّاحَاتِ
تَشْدُو مَعَ الْعُصْفُورِ فِي أَنْغَامِهِ وَتُصَاحِبُ الْعُبَّادَ فِي الْخَلَوَاتِ
وَتُؤَانِسُ السُّمَّارَ فِي أَسْمَارِهِمْ وَتُشَارِكُ الْبُؤَسَاءَ فِي الْأَزَمَاتِ
وَتَكُونُ لِلصَّبِّ الْمُعَنَّى سَلْوَةً وَتَكُونُ لِلْعُشَّاقِ خَيْرَ أَدَاةِ
وَتَكُونُ فِي أَيْدِي الْهُدَاةِ مَشَاعِلاً تَهْدِي النُّفُوسَ وَتُرْسِلُ الرَّحَمَاتِ
وَتَكُونُ فِي سَاحِ الْجِهَادِ مُدَافِعًا تُرْدِي الْعَدُوَّ وَتُرْسِلُ الطَّلَقَاتِ
وَتَكُونُ فِي وَقْتِ السَّلاَمِ حَمَامَةً بَيْضَاءَ تَرْفَعُ لِلذُّرَا الرَّايَاتِ
يَا رَبَّةَ الشِّعْرِ الْأَصِيلِ تَحَدَّثِي عَنْ عَالَمٍ مُتَنَاسِقِ الْقَسَمَاتِ
عَنْ عَالَمٍ يَسَعُ الْحَيَاةَ بِأَسْرِهَا ثَرِّ الْمَشَاعِرِ طَيِّبِ الثَّمَرَاتِ
وَارْوِي قَصَائِدَنَا الَّتِي كَمْ سَطَّرَتْ بِأَرِيجِهَا فِي مَجْدِنَا الصَّفَحَاتِ
تَبْكِي عُيُونُ الشِّعْرِ قَوْمًا بَدَّلُوا شَكْلَ الْقَصِيدَةِ نَثَّرُوا الْكَلِمَاتِ
هَجَرُوا أُصُولَ الشِّعْرِ ثُمَّ تَمَرَّدُوا وَسَعَوْا وَرَاءَ الْوَهْمِ وَالشَّطَحَاتِ
ظَلَمُوا الْقَصِيدَةَ عِنْدَمَا فَتَحُوا لَهَا بَابًا مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتُّرَهَاتِ
فَالشِّعْرُ لاَ يَرْضَى الْجُمُودَ فَإِنَّمَا سِمَةُ التَّطَوُّرِ سُنَّةٌ لِحَيَاةِ
لَكِنَّهُ لاَ.. لَنْ يُغَيِّرَ جِلْدَهُ وَيَسِيرُ خَلْفَ مَذَاهِبٍ وَشَتَاتِ
فَالشِّعْرُ إِنْ تَرَكَ الْأَصَالَةَ مَنْهَجًا مِثْلُ الْغَرِيبِ يَضِلُّ فِي الطُّرُقَاتِ
وَالشِّعْرُ إِذْ يَجْرِي وَرَاءَ رَذِيلَةٍ فَقَدَ الْحَيَاءَ وَلاَذَ بِالْحَانَاتِ
أَنَا أَيُّهَا الشُّعَرَاءُ شَكْلٌ بَاهِتٌ وَقَصِيدَةٌ صَارَتْ بِغَيْرِ حَيَاةِ
لِمَ تَجْعَلُونِي دُمْيَةً مَمْسُوخَةً لِمَ تَقْتُلُونَ الْحُلْمَ فِي أَبْيَاتِي
لِمَ تُهْمِلُونِي فِي مَنَابِرِ قَوْلِكُمْ وَتُشَيِّعُونَ إِلَى الْفَنَاءِ رُفَاتِي
لِمَ تَجْعَلُونِي فِي نَوَافِلِ قَوْلِكُمْ وَتُقَدِّمُونَ عَلَيَّ كُلَّ فُتَاتِ
أَنَا لَنْ أَشِيخَ وَلَنْ أَمُوتَ وَإِنَّمَا سَأَظَلُّ أُرْسِلُ فِي الْمَدَى نَغَمَاتِي
قَدْ كَانَ لِلشِّعْرِ الْأَصِيلِ حِكَايَةٌ خَضْرَاءُ تُزْهِرُ فِي رُبَا الْفَلَوَاتِ
تَحْكِي لَنَا الصَّحْرَاءُ سِحْرَ قَصَائِدٍ مَلَأَتْ طِبَاقَ الْأَرْضِ بِالنَّفَحَاتِ
بَقِيَتْ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ فَرَائِدًا مَلَكَتْ نُفُوسَ الْكَوْنِ بِالْكَلِمَاتِ
حَسْبِي وَحَسْبُ الشِّعْرِ أَنِّي صُغْتُهُ مِنْ نَبْضِ قَلْبٍ فَاضَ بِالْعَبَرَاتِ
فَالشِّعْرُ فِي قَلْبِي وَكُلِّ جَوَانِحِي حُلْمٌ يُحَرِّكُ بِالْمُنَى خَطَرَاتِي
فَأَقُولُ شِعْرِي عَازِفًا لَحْنَ الْهَوَى حُبًّا فَتَحْلُو عِنْدَهُ أَوْقَاتِي
وَأَقُولُ شِعْرِي رَافِعًا عَلَمَ الْهُدَى فِي عَالَمٍ قَدْ غُصَّ بِالرَّايَاتِ
وَأَقُولُ شِعْرِي دَافِعًا ظُلْمَ الْعِدَا مُسْتَنْفِرًا بِبَيَانِهِ الْعَزَمَاتِ
وَالشِّعْرُ إِحْسَاسِي وَفَيْضُ مَشَاعِرِي وَطَرِيقُ أَحْلاَمِي وَنَبْضُ شَكَاتِي
وَالشِّعْرُ مَمْلَكَتِي الَّتِي أَحْيَا بِهَا فِي عَالَمِ الْأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ
وَالشِّعْرُ أَوْتَارِي الَّتِي أَشْدُو بِهَا فَتَجِيشُ فِي نَفْسِي مَشَاعِرُ ذَاتِي
فَهُوَ السَّمِيرُ بِعَالَمٍ مُسْتَوْحِشٍ وَهُوَ الصَّدِيقُ بِعَالَمِ الْعَثَرَاتِ
سَأَظَلُّ أَشْدُو فِي رُبَاهُ وَأَرْتَقِي الصِّدْقُ زَادِي وَالْبَيَانُ أَدَاتِي
وَأَظَلُّ أَحْلُمُ أَنْ تَكُونَ قَصِيدَتِي فِي عَالَمِ الْأَشْعَارِ خَيْرَ نَوَاةِ |