رسول السلام (قصيدة)
دعْ مَديحَ الأنامِ؛ فهْو هَبَاءُ... وامْدحَنْ مَنْ عبيدُهُ الأمَراءُ!
سيدَ الرسْلِ، هل لمدحِي مجَالٌ فيكَ، بعد الذي جَلاَ الشعراءُ
كُلُّ مَدْحٍ يُقالُ فيكَ ضئيلٌ عنكَ، مَهْمَا أُطِيلَ فيهِ الثَّنَاءُ
هل يُطيق اللسانُ حَصْرَ مزايا أثبتتْها الأعْداءُ والأصْدِقَاءُ؟
جئتَ بالحقِّ والوَرَى في ضلالٍ تُنكِرُ الأرضُ سعيَهُمْ والسماءُ
عشَّش الجهلُ في العقولِ؛ فأمسَى يَنْعَقُ الزيْغُ فوقها والمِراءُ
قد تعامتْ عن الرشادِ وضلَّتْ فاستوى عندها الدُّجَى والضِّيَاءُ
بل تهاوت إلى الحضيض فأضحى ربَّها الصخْرُ والدُّمَى العجْمَاءُ!
واحتذَتْ في الحياة شِرعةَ غَابٍ فالأناسِيُّ والضَّوارِي سواءُ
بينما هُمْ في ليْلِهِمْ آذَنَ اللهُ بصُبْحٍ يُزاحُ عنه الغِطاءُ
أشرقَتْ شمسُك المنيرةُ في الكَوْ ن؛ فضَمَّتْ أذيالَها الظَّلْماءُ
كالخَيَالات للسُّكَارى إذا ما أشرَقَ العقْلُ، واستُعيدَ الصَّفَاءُ
أو كغَمٍّ على فُؤادٍ ويَأْسٍ بَدَّدَتْهُ انتِبَاهَةٌ أو رجَاءُ
فاستفاق الوَرَى على خيرِ صَوْتٍ ردَّدَتْه الأقْطارُ والأرْجَاءُ
حين ناديتَهم: كفاكُم ضلالاً ما لِهَذا الإيجَادُ والإنماءُ
انظروا الكونَ هل أتَى صُدْفَةً؟ أمْ أبدعَتْهُ هذِي الدُّمَى الخَرْساءُ؟
أم لها قُدرةٌ بها يُجلَبُ الخَيْ رُ، وتُجْلَى الكُروبُ والأدواءُ؟
محضُ وهْمٍ على عقولٍ ضعافٍ نَسَجَتْهُ العواطِفُ العمياءُ
إنَّما اللهُ ربُّكُم، فإليهِ يُرفَعُ النُّسْكُ، منه يُرجَى العَطَاءُ
حقُّه في الوجودِ أنْ يُستَمَدَّ ال نَّهْجُ من شرعِهِ، ويُرسَى القَضَاءُ
لم يُرِدْ للعباد عيشَ مَطايا تَمْتَطِيها الأوهَامُ والأهواءُ
أو لصوقاً بالقاعِ والكونُ رحْبٌ ناضِراتٌ آفَاقُهُ الْعَلْياءُ
حينها عاشتِ الخليقةُ عيداً فِيهِ مِنكَ تَألُّقٌ وضِيَاءُ
واستظَلَّ الورى بواحَةِ عَدْلٍ مِنكَ مُدَّتْ أغصانُها الفيحاءُ
حيث أعلنتَ قبلَ ثورة باري سَ: الجميعُ أمامَ شرعِي سواءُ
يستوي الكُلُّ عند ميزانِ حَقٍّ لم يَشُبْهُ تَصَنُّعٌ أو رِيَاءُ
هكذا استنشقَ الأنامُ عبيراً مِن رِيَاضِ الْهُدَى لَهُ إزكاءُ
ذاق طعمَ الحَيَاةِ بالقِيَمِ العُل يا، وقد خَيَّم الضَّنا والشقَاءُ
واستشَفَّ المعنى العميقَ لهذا ال كَونِ؛ فانجابَ شكُّهُ والغِشَاءُ
كُنتَ ميلادَه، وكُنتَ حياةً أنعشَتْهُ، كَأنها الكَهْرُباءُ
خَصَّك الله أن تكُونَ إماماً تقتفيك الهُداةُ والأصفِياءُ
خائضاً لُجَّةَ الحياة بفُلْكٍ حَصَّنَتْهُ العِنَاية العَلياءُ
أنت ربَّانُه، وهَيْكَلُهُ القُرْآنُ وهْوَ المَحَجَّةُ البيْضَاءُ
يا رحيماً بالمُؤمنين يُنادِي: "أمَّتِي، أمَّتِي".. وإن هُمْ أساؤوا!
إنني زهْرةٌ بهَدْيِكَ فاحَتْ يُنعِشُ النفسَ نفحُها المِعْطاءُ
إنني بُلْبُلٌ بروضِكَ يشْدو من تَرانيمِهِ الدُّعَاْ والثَّناءُ
قد سبَتْنِي آفاقُ عالَمِك الزَّا كِي؛ فحلَّقْتُ حيث يبدو البهاءُ
ثُم هَدَّتْ قُوَايَ أغْلالُ أرضٍ أرجعَتْنِي حيثُ الرُّؤَى السَّوداءُ
أرسِلُ الطرفَ راجِياً ثُم يرْتَدُّ كئيباً، دمُوعُهُ سَحَّاءُ
لم يجدْ من سِماتِ أمتك المُثْ لَى سوى صُورةٍ بها إنضاءُ
كُلَّما هَبَّ ناعقٌ بادِّعاءٍ هُمْ دُعَاةٌ لِزَيْفِهِ أوفِياءُ
ضَيَّعُوا قاربَ النجاة ببحْرٍ هُمْ هَشِيمٌ لمَوْجِهِ، أو غُثَاءُ!
فاحْتواهُمْ قاعُ الحَياة مَلاذاً واعتلَتهم أدناسُهُ والجفاءُ
واستطابوا مُستنقعَ الذُّلِّ كالدُّو د؛ لَهُمْ فِيهِ مَرْتَعٌ وارتِواءُ!
يَفْتَدون العِداةَ بالنفس.. والأق صَى أسيرٌ، تغلِي له الأحشاءُ
يرتَجِي نصرةً، وكيف يُرَجَّى من غُثاءٍ إغَاثةٌ، أو فِداءُ؟!
ما لهُ عندهمْ سوى عَبَراتٍ بَيْدَ أنْ لَيْسَ في التَّبَاكِي غَنَاءُ
لو قفوْا شرعَك المنيرَ لعادوا أمَّةً يحْتَمِي بِهَا الضعفاءُ
وأعادوا مَجْداً لهم قد تَوَلَّى زانَهُ العَدلُ والندى والإخَاءُ
حين كانوا أعزَّةً يخْتشيهِمْ قَيْصَرُ الرومِ، هُم لَهُ رُؤَساءُ
حين كانت نتائجُ السُّحبِ تُجبَى لهُمُ، حيث تُمطِرُ الدَّيْماءُ[1]
تلك أمجادُهم، وربي كفيلٌ بالفتوحات حين يصْفُو النِّداءُ
هكذا قلتَ، وهْو وَعْدٌ وصِدقٌ ومِنَ اللهِ سَوْفَ يَأْتِي الوَفَاءُ
فصَلاةٌ عليكَ مِن عندِ رَبِّي وسَلامٌ بِهِ يطِيبُ انتِهَاءُ |
ــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] إشارة إلى المقولة الشهيرة التي قالها أحد خلفاء المسلمين في عهد عزة الإسلام، وقد رأى سحابة: "أمطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتيني".