مخالفة العادة
سلسلة البيت المسلم
(مخالفة العادة)
ومن آيات الزواج أنك ترى الزوجة تخالف عادتَها وما جرت عليه منذ نشأتها من أجل زواجها وزوجها.
فكم من غنية عاشت في ترف، ونعيم من العيش، ورغد من الرزق فلما تزوجت تحملت المشاق من أجل ظروف زوجها.
قابلتني مدرسة ضعيفة البنيان، تكاد تقع على الأرض من الضعف، وكلمتني عن ظروفها، فهي من أسرة كريمة وعائلة معروفة، كان لها من الخادمات خادمة خاصة، ومن بيت أبيها غرفة أوسع من شقة الزوجية، وبإيجاز شديد تزوجته تحت وهم الحب، وآثرت زوجها على جميع مَنْ تقدموا لخطبتها، ولما كانت ظروفه الاقتصادية صعبة، نزلت، وعملت مدرسة بمدرسة خاصة، وشاركته مسئولية البيت، ولها منه ولد وبنت، ومع ذلك يعاملها معاملة سيئة، فلم يشكر لها مشاركة، ولم يحمد لها مواساة، بل وصل به الأمرُ إلى أن ضربها، وآذاها في بدنها وفي مشاعرها، وغاظها، فكان يتحدث إلى بنات ويخاطبهن عن طريق الشات، وحين ذكّرته بالذي كان من غرام بها وافتتان قال: إنه كان مجنونًا يوم أحبها، وأشد جنونًا يوم فكر في الارتباط بها.
قالت والدمع يسبق قولها:
- وطبعًا لا أستطيع أن أقول لأهلي كلمة من هذا؛ لأنهم اشترطوا علي يوم أن وافقوا عليه ألا أرفع إليهم شكوى منه، فالاختيار اختياري، وعليَّ أن أتحمل تبعته، فلا أجد سبيلا إلى الشكوى إلا سبيل الله، أدعو الله في كل صلاة أن يريحني منه بموت.
وتتوالى القصص التي على هذا النحو، والتي تأتي ضرورة في أماكنها من هذا العمل، والتي تبين مدى الجحود الذي يكون من بعض الذكور، ولا أقول الرجال؛ لأن للرجال خلقا كريما ومنهاجا مستقيما، لا يعرف هذا الانحراف وأقول إنه انحراف؛ لأن صاحبه -وهو الذكر- لم يستثمر هذا المعنى الذي نتناوله -وهو استعداد الزوجة للتنازل عن عاداتها وعرف حياتها- فالتي كانت تسكن مع والديها في قصر وهي مخدومة رضيت بأن تعيش مع زوجها في شق، أي في شقة
[1] فقد أطلق مجمع اللغة العربية على الشقة الشق، وذلك حتى لا يظن القارئ أنني أسخر بهذا التعبير،والشقة مهما اتسعت مساحتها شق بالنسبة إلى القصر، وبدل أن تكون مخدومة صارت خادمة له، ولأهله، ولولده، وتلك آية من آيات الزواج تكشف عنها كلمات حفظناها عن امرأة جاهلية أوصت ابنتها بها قبل زواجها، فكان مما قالته «لو أن امرأة استغنت عن الزواج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها كُنْتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال»
[2].
فهذه الكلمات معناها أن الزوجة لا تتزوج لحاجة مادية إلى الزوج، وإنما هي سنة الحياة، أن تكون المرأة للرجل، وأن يكون الرجل للمرأة، وهذه آية بلا شك، فمن ينكرها إذا كان الواقع من قديم يشهد بذلك؟
وفي البخاري باب عنوانه (زواج الرجل لمصلحته) وفيه قصة زواج جابر - رضي الله عنه - من ثيِّب، تزوجت قبله، لما كانت أنسب لظروفه، وأصلح لأحوال أخواته السبع اللاتي تركهن له أبوهم، ووصاه بهن، ومع أن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال له: هلا تزوجت بكرًا تلاعبها وتلاعبك، إلا أنه لما علم بظروفه بارك له زواجه.
وقد بين لنا جابر - رضي الله عنه - سر زواجه من امرأة تزوجت قبلُ في أنها تقوم بشئون الفتيات الصغيرات وتحل محل أمهن، أو أختهن الكبرى؛ تطعم الصغيرة، وترحم الضعيفة، وتواسي المريضة، وتعين الكبيرة، فهي تقوم مقام المصلحة حتى تتحقق المصلحة.
وقد شكر لها جابر صنعها، وما أساء إليها عمره، بل إنه دعا النبي –صلى الله عليه وسلم– إلى طعامه، وقد أوصاها ألا تزعجه بشيء، وقبل أن يودع النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما قالت في نفسها: كيف يكون رسول الله –صلى الله عليه وسلم– عندنا، ولا أسأله شيئا، فقالت:
- يا رسول الله، صلِّ على زوجي.
فقال عليه الصلاة والسلام: صلى الله عليه وسلم الله عليك وعلى زوجك.
لقد سألته أن يدعو لزوجها بالرحمة، فالصلاة بمعنى الرحمة، وتلك آية أخرى من آيات الزواج؛ كيف كانت المرأة المسلمة حريصة على الدعاء لزوجها بالرحمة، ألا يدل ذلك على يقين منها بأن الله عز وجل –إذا رحمه وعفا عنه- أغدق عليه من سحائب جوده بما يعود عليها بالخير وعلى أولادها!.
وأن في رحمة الله تعالى به رحمة بها وبأولادها؛ فهو راعي البيت وكاسبه، ومن يقود سفينة الحياة رُبانا يبحر بها في بحار الخيرات، وينأى بها عن مواضع الزلات والمهلكات!
إن شكر الزوجة على تخليها عما اعتادت من نعيم الحياة في ظلال أبويها يعوّضها عن ذلك خيرًا، بل إنه يحدو بها إلى مزيد من العطاء، ونظرةُ الامتنان في عيني زوجها بما يراه من صبرها عليه وعلى ظروفه ألذُّ طعمًا من ثمارٍ تركتها وفاكهةٍ أحبتها، بل إنه يسكب في رُوعها معنى العرفان الذي يجب أن يصير عنده عملا متواصلا من أجل إسعادها، وهي لا ترجو هذا الإسعاد عاجلا كالبرق، وإنما ترجوه أملا يتحقق شيئا فشيئا حتى يبلغ منتهاه، وإن كان منتهاه لا يصل إلى هذا القدر الذي كانت عليه!.
[1] مجلة مجمع اللغة العربية صـ 39 ط 1 الأميرية سنة 1935 الجزء الأول.
[2] الأدب العربي صـ 73 ط الأميرية سنة 1990 للمؤلف وآخرين.