ادخلوها مِن تل أبيب!
يبدو أنَّ السنواتِ العجافَ تتوالى لتُلاحقَ السَّاسة المصريين القابضة على طهارة فكرها، سنواتٌ خدَّاعاتٌ أكلتْ رصيدَ مصرَ العربيَّ، وتآمرت على الآخر الإسلاميِّ، سنواتٌ كُذِّبَ فيها الصادقُ، وخُوِّنَ فيها الأمينُ، وصار المَنطِقُ السياسيُّ والاقتصاديُّ - وحتَّى الأمنيُّ - معكوسًا، ودارت الأحكامُ القضائيَّةُ مع الأهواء.
وهذا ما حَدَث بالفعل للأستاذ مجدي أحمد حُسين، أمين عام حِزب العمل الإسلاميِّ - المجمد - بعد الحُكم عليه عسكريًّا بالحبس لمدَّة عامَينِ، مع تغريمه خمسةَ آلاف جنيهٍ، بتهمةٍ أساءتْ لسمعة النظام؛ وهى مغادرة البلاد بطريقة غَيرِ شَرعيَّة، والتَّسلُّل إلى قطاع غَزَّة.
وكان مِنَ المفروض - وَفْقَ الرُّؤية الرسميَّة - أنْ يعتمدَ الأستاذ مجدي الطريق الحضاريَّ في الاعتراض على الذبح والإبادة، فيُشعل الشموعَ لتراها الأقمار الأمريكيَّةُ فترتَعِد، ويُلقي باقاتِ الزُّهور عند بوابة المَعْبر المُغلَقة؛ لِتَرصدَها الأقمارُ الصِّهْيَوْنِيَّةُ فتَرتَجِف، ثم يتثاءب عائدًا إلى بيته مُستفسِرًا عن طعام العَشاء!
وثَمَّةَ استفسارٌ يَطرح نفسَه، ولا يَملِك الإجابةَ عليه سوى النظامِ وحدَه، هل لو أردْنَا أن نَتضامنَ ونُغيثَ إخوانَنا في غزَّة، يَتَوجَّب علينا المرورُ إليها عَبْرَ أنفاق مِن قلب تل أبيب؟!
إنَّ حصار قِطاع غزَّة لا يتمتع بأيِّ قانونيَّة؛ ولِذا يُعتبر تعاونُ مصر في تطبيقه، ومنع كسره، والسُّكُوت عليه - مخالفًا لمبادئ القانون الدوليِّ وقواعدِه.
والشرعيَّةُ الدوليَّة، التي تَستمِدُّ قوتَها مِمَّا يسمَّى بالقانون الدوليِّ، والتي صَدَّع النِّظامُ المِصريُّ رُؤوسَنا بذِكرها بمناسبةٍ وبغير مناسبةٍ - تُحَتِّم على الدُّول المُجاوِرة للأراضي المُحتلَّة الإسهامَ في منع انتهاك حقوق السُّكَّان في الأراضي الواقعة تحتَ الاحتلال.
كما تَستوجِبُ علي النِّظام المصريِّ إغاثةَ القِطاع في مُواجهة الإجراءاتِ الصِّهْيَوْنِيَّة، المُتعلِّقة بالحِرمان مِنَ الحقوق الأساسيَّة، والخدمات الحَيويَّة المُتعلِّقة بالحياة، والتي بَلَغَتْ حَدَّ المَجاعةِ، وفُقدانِ الحياة، وانتشارِ الأمراض، وتَفَاقُمِ الأَزماتِ الغِذائيَّة.
وكان مِن المُفترَض - وبِحَسْبِ سقف اتفاقية (كامب ديفيد) المُوقَّعة مع الاحتلال - أنْ تقوم مصرُ بتقديم شكوى ضِدَّ هذا الكِيان؛ لِخَرقه القانونَ الدَّوليَّ، واتفاقيات (جنيف)، باستمرار حِصار غزَّة، ودَعوةِ الأطراف المُوقِّعة على اتفاقيات (جنيف) لمساندة موقفها.
ويُمكن لمصر أنْ تَستند في شكواها إلى أنَّه لا يُمكنها أنْ تراعيَ التزاماتِها تُجاهَ الاتفاقيَّة مع كِيان الاحتلال على حساب التزاماتها تُجاهَ المجتمع الدَّوليِّ، خاصَّةً أنَّ مِصرَ ليست طرفًا في اتفاقيَّة المَعبر؛ بل تُساعد في تشغيله.
ولا زال أمامَ مصرَ خيارُ فتح المعبر، وإتاحة حُرِّية الانتقال للمحاصَرِين، وَفْقَ المعايير الدَّوليَّةِ، وتَحمُّل الأعباء السياسيَّةِ لهذه الخُطوة؛ الَّتي لو حدثت لأعادت مصرَ إلى خارطة الكرامةِ العَربيَّة، وفى هذه الحالة سيتوفر للنِّظام المصريِّ مِظلَّةٌ تَدْعَمُه مِنَ المُنظَّمات الأهليَّة، والرأيِ العام، والدول الرافضة للهَيمَنة الأمريكيَّة؛ كلُّ ذلك يُمكن تحقيقُه فقط في حالِ أرادت مصرُ ذلك.
وأَمامَها أيضا تَبَنِّي خِيار الحَلِّ الإنسانيِّ، وفتح المعبر للغايات الإنسانيَّة، ولحماية مصالحها، وتثبيط انفجار الأوضاع في القِطاع، وهو ما يمكن أنْ يَتَبلْورَ في الاتِّصالات مع حركة حماس، بعيدًا عن المواقف السياسيَّة المُسبقَة.
وفي كُلِّ الأحوال لم يخالف مجدي حسين قانونًا؛ بل على العكس قام بالدَّوْر الَّذي كان ينبغي أنْ يقومَ به النِّظامُ المِصريُّ بعدَ تَقاعُسه، حتَّى إنَّ كِيانَ الاحتلالِ ذاتَه لم يَسجُنْ أيًّا مِنَ النَّاشطِين الدَّوليِّين الَّذين كَسروا الحِصارَ بَحريًّا أكثرَ مِن مَرَّة.
والَّذي يَهُمُّ في النِّهاية أنَّ مصرَ تستطيع أنْ تفتحَ المَعبرَ بغطاءِ ما يُسمَّى بالقانون الدَّوليِّ، دونَ تَحمُّلِها أيَّ تَبِعاتٍ إزاءَ ذلك، وفي الوقت نفسِهِ سَتَلقَى تأييدًا كبيرًا وقويًّا وحقيقيًّا، يَمسح ما عَلَق بها مِن وَصَماتِ الخِيانة، وعلى الأقلِّ حتَّى لا تَسمحُ لِمِثل هؤلاء الأحرارِ مِن أمثالِ مجدي حسين بِلَعب أدوارٍ مِنَ العارِ أن تتقاعسَ عنها دَولةُ بِحَجمِ مصرَ.
وحتَّى لا يأتي يومٌ نَضطرُّ فيه للدخول إلى مصرَ عبرَ بوابات (تل أبيب)، يجب على النِّظام المصريِّ أنْ يُوقِفَ مهزلةَ المحاكماتِ العسكريَّة، ويُلغيَ قراراتِها الَّتي لا تجد سندًا قانونيًّا أو إنسانيًّا أو دوليًّا، ويُطلقَ سَراحَ قوم غايةُ جُرمِهم أنَّهم أُناسٌ يَتَطهَّرون.