هو الإيجاب، فالحضانة واجبة ما دام المحْضون يحتاج إلى من يحفظه ويرعى مصالحه، ويقول معالي الشيخ الدكتور سعد بن ناصر الشثري[4]: "الحضانة حقٌّ قبل أن تكون واجبًا؛ ومن ثمَّ فإنَّه إذا حصل النزاع - وهو الغالب - فإنَّ الشريعة قد رتَّبت من يُقَدَّمون ومَن هم الأحقّ في الحضانة، ولو قُدِّر أنَّ بعض هذه الأصناف لم تتوفَّر فيه شروط الحضانة، فإنَّه حينئذٍ ينتقِل منه إلى مَن بعده".
ج- الأحقِّيَّة والتخيير في الحضانة:
اختلف الفُقهاء في هذه المسألة في أمور واتَّفقوا في أخرى، ومن بين مسائل الخلاف مثلاً: من الأحق بالحضانة بعد الأم؟
ما هو السن الذي يخيَّر فيه المحضون بين أبيه وأمِّه أو غيرهما؟
كيفية التخْيير بحسب كون المحضون ذكرًا أو أنثى؟
كيف تتم القُرْعة عند توقُّف المحضون عن الاختيار؟
ومحل بسْط هذه الأمور هو كتب الفقه، ولم أتطرَّق إليها حتَّى لا نخرج عن موضوعِنا الأساس، والَّذي أرى أنَّه عند حصول الخلاف في هذه المسائل يرجع الأمر إلى القاضي، الذي يُعْمل اجتهادَه للحكم بشرع الله تحقيقًا لمصلحة المحضون.
حكم زيارة المحضون:
اتَّفق الفقهاء على أنَّ لغير الحاضِن حقَّ الزيارة، واختلفوا في بعض التَّفاصيل، لكن الَّذي يغلب اليوم على مُجتمعاتنا الإسلاميَّة - مع كامل الأسف - هو التَّهاوُن في صلة الرَّحِم عمومًا، ومحاولة قطْعِها عند افتِراق الزَّوجين على وجْه الخصوص، فكما ذكرت آنفًا، ما أن يَحصُل الفراق حتَّى يبادر الطَّرف الحاضن بمنع مفارقه من رؤْية الأبناء، وهذا إثمٌ عظيم وله آثار وخيمة، ليس فقط على الممنوع من الزيارة بل على المحضونين أنفُسِهم، مِمَّا يخالف الغاية الأسمى للحضانة وهي حفظ مصالِح المحضون، ويدل على خطورة جريمة منْع رؤية المحضونين نصوص وآراء فقهية كثيرة، منها:
أ- أدلَّة القرآن:
قال الله - تعالى -: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}[5]، قال ابن كثير في تفسيره[6]: "وهذا نَهْي عن الإفساد في الأرْض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا؛ بل وقد أمر الله - تعالى - بالإصْلاح في الأرض وصلة الأرْحام، وهو الإحسان إلى الأقارب في المقال والأفعال".
وفي الآية وعيد شديدٌ لقاطع الرَّحم كما علق على ذلك الطبري في تفسيره قائلاً[7]: "وقوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} يقول تعالى ذكره: هؤلاء الَّذين يفعلون هذا، يعني الَّذين يفسدون ويقطعون الأرْحام، الَّذين لعنهم الله، فأبعدهم من رحْمته، {فَأَصَمَّهُمْ} يقول: فسلَبَهم فَهْم ما يسمعون بآذانِهم من مواعظ الله في تنزيله، {وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} يقول: وسلَبَهم عقولهم فلا يتبيَّنون حُجَج الله، ولا يتذكَّرون ما يرَوْن من عبره وأدلَّته".
وقال الله - جل وعلا -: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}[8]، وقال أيضًا: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}[9]، فلا يسوغ منْع الأمِّ أو الأب من رؤْية الأبناء بعد الطَّلاق، أفلم نسمع الوعيد المترتِّب على ذلك في الآيتين السابقتين، حيث قال في الأولى: أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ، وفي الثانية: أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ.
وفي هذا الصَّدد يقول ابن كثير في تفسيره[10]: "قيل: المراد به صلة الأرْحام والقرابات كما فسَّره قتادة؛ كقوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} ورجَّحه الطبري، وقيل: المراد أعم من ذلك؛ فكُل ما أمر الله بوصله وفعله فقطعوه وتركوه، وقال مقاتل بن حيَّان في قوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} قال: في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: {أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}".
وقال سبحانه: {لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَده}[11]، هذه الآية في سياق الرَّضاع؛ لكنَّها تدلُّ بعمومها على تَحريم قصْد إضرار أحد الزوجين بالآخر[12]، ولعلَّ من أعظم الضَّرر الذي يدخل في هذا النَّهي أن يحول أحد الوالدين دون رؤية الآخر للمحضون.
ب- أدلة السنة:
ومن الأحاديث التي تدل على هوْل قطْع الرَّحم عمومًا: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال[13]: ((خلق الله الخَلْق فلمَّا فرغ منْه قامت الرَّحم فقال: مهْ؟ قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: ألا ترضَين أن أصل مَن وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لك))، ثمَّ قال أبو هريرة: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}، وقال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((لا يدخل الجنَّة قاطع رحم)) [14].
أمَّا قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِها، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ))[15]، ففيه نهْيٌ صريح عن التَّفريق بين الوالدة وولدها، ولعلَّ هذا الحكم يشمل الوالد أيضًا، ولذلك قال ابن قدامة[16]: "ولا يجوز التَّفريق بين الأب وولده، وهذا قول أصْحاب الرَّأي ومذهب الشَّافعي، وقال بعْض أصحابِه: يجوز، وهو قول مالك واللَّيث؛ لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسِه، ولأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه؛ لأنَّ الأمَّ أشفق منه، ولنا أنَّه أحد الأبوين فأشْبَه الأمَّ، ولا نسلم أنَّه ليس من أهل الحضانة".
وعن عبدالرَّحمن بن عبدالله عن أبيه قال[17]: "كنَّا مع رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في سفر، فانطلق لحاجتِه، فرأيْنا حمرة معها فرخان فأخذنا فرخَيْها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((مَن فجع هذه بولدها؟! ردُّوا ولدها إليْها))، وإذا كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أشْفَقَ لحال الحمَّرة التي فُرق بيْنها وبين أولادها، فما بال أقْوامٍ يُمارسون هذا التَّفريق على مستوى البشر؟!
ج- نماذج من الأدلَّة الواردة في كتُب الفقه وفي الفتاوى:
أطال الفُقهاء النَّفَس في الكلام عن مسألة الزِّيارة، ونكتفي بذكر بعض النَّماذج:
[1] - وعنوانه: "
أبناء المطلقين أنصفهم الدين وظلمهم القانون"، جريدة الأهرام، عدد رقم 43901 ، بتاريخ 16 فبراير 2007.
[2] - بدائع الصنائع، جزء 3 - صفحة 455.
[3] - مغني المحتاج، جزء 3 - صفحة 452.
[4] - عضو هيئة كبار العلماء وعضو اللجنة الدَّائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وعضو هيئة التدريس بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقوله هذا مقتطف من برنامج الأسرة الذي كان يلقيه في قناة المجد العلمية، في الحلقة الخاصة بالحضانة.
[12] - كما قال الطبري في تفسيره (جزء 2 - صفحة 503): "وأوْلى القراءتين بالصَّواب في ذلك قراءةُ مَن قرأ بالنَّصب؛ لأنَّه نهيٌ من الله - تعالى ذكره - كل واحد من أبوي المولود عن مضارَّة صاحبه له، حرام عليهما ذلك بإجماع المسلمين".
[13] - صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: يريدون أن يبدلوا كلام الله، حديث: 7085.
[14] - صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب صلة الرَّحم وتحريم قطيعتها، حديث: 4742.
[15] - رواه الترمذي (1531)، ورواه أحمد في مسند الأنصار، حديث أبي أيوب الأنصاري رقم : 22886، قال الشيخ الألباني في الجامع الصَّغير وزيادته (جزء 1 - صفحة 1136): "(صحيح) انظر حديث رقم : 6412 في صحيح الجامع".
[16] - المغني (جزء 10 - صفحة 459).
[17] - سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في كراهية حرْق العدو بالنار، حديث: 2314، وخرَّجه الألباني في صحيح أبي داود (جزء 2 - صفحة 508) رقم الحديث 2329.
[18] - مغني المحتاج، (جزء 3 - صفحة 452).
[19] - الروض المربع، (جزء 1 - صفحة 630).
[20] - الجزء السابع عشر، مبحث: رؤية المحضون.
[21] - فتوى رقم: (21/205).
[22] - نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، الجزء 7 ص126.
[23] - المدونة الكبرى للإمام مالك (جزء 2 - صفحة 356).
[24] - كطويلب علم مبتدئ، قلد في هذا المبحث فحولاً من فقهاء السَّلف، فخلص إلى ما خلص إليه بعد تجزؤ اجتهاد.
[25] [ جزء 9 - صفحة 305 ].
[26] - شرح منتهى الإرادات (جزء 3 - صفحة 248)، وبنحوه قال علي بن سليمان المرداوي في الإنصاف (جزء 9 - صفحة 429).
[27] - كفاية الأخيار (جزء 1 - صفحة 585)، وبنحوه قال صاحب مغني المحتاج (جزء 3 - صفحة 452): "وإنَّما ينقل الأب ولده المميز إلى غير بلد الأم" بشرط أمن طريقه و "أمن" البلد المقصود " له وإلا فيقر عند أمه".
[28] - الإقناع (جزء 4 - صفحة 158)، وبمثله قال صاحب منار السبيل (جزء 2 - صفحة 211)، وقال البهوتي في "الرَّوض المرْبِع" (جزء 1 - صفحة 627): "وإن أراد أحد أبويْه – أي: أبوَي المحضون - سفرًا طويلاً لغَيْر الضِّرار، قاله الشيخ تقي الدين وابن القيم إلى بلد بعيد مسافة قصر فأكثر ليسكنه، وهو – أي: البلد - وطريقه آمنان، فحضانته – أي: المحضون - لأبيه لأنَّه الذي يقوم بتأديبه وتخريجه وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع".
[29] - الفتاوى الكبرى (جزء 3 - صفحة 365).
[30] - في مقال له نُشِر بموقعِه الرَّسمي تحت عنوان: الحضانة في الشَّرع.
[31] - البدائع 4/44، والدسوقي 2/527، ومغني المحتاج 3/458، وكشاف القناع 5/500، والمغني 7/ 618- 619.
[32] اللباب في شرح الكتاب (جزء 3 - صفحة 24)، وبمثله قال صاحب المبسوط (جزء 5 - صفحة 30).
[33] - زاد المعاد (جزء 5 - صفحة 409) وبنحوه قال صاحب شرح منتهى الإرادات (جزء 3 - صفحة 248): "وهذا كلّه إن لم يقصد المسافر به مضارَّة الآخر وإلاَّ فالأم أحقّ، كما ذكره في الهدى وقوَّاه غيره"، وكذلك في الإنصاف (جزء 9 - صفحة 428).
[34] مغني المحتاج (جزء 3 - صفحة 452).
[35] - في زاد المعاد (جزء 5 - صفحة 409).
[36] - شيخ المحامين الشرعيين في مصر.
[37] - أستاذ علم النفس كلية البنات بجامعة عين شمس، ورئيسة لجنة التنمية البشرية المجلس القومي للطفولة والأمومة.
[38] - رئيس جمعية أبناء الطلاق.
[39] - المنظم بالمادة عشرين من القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩، المعدل بالقرار الوزاري رقم ١٠٨٧ لعام ٢٠٠٠.
[40] وهذا مقتطف من المقال: "ثبت باليقين أنَّ قانون رؤية أطفال الطلاق …. يبتعد كل البعد عن تحقيق أهدافه ومقاصد الأديان من باب صلة الأرحام . .... وهنا يذهب البعض إلي تسميتِه قانون قطع صلة الرحم .... تهميش أو تحجيم دور أسرة الطَّرف غير الحاضن في حياة الصغير".
[41] - بتاريخ 10 مايو 2007.
[42] - بتاريخ 10 نوفمبر 2007.
[43] - بتاريخ 5 مايو 2007.
[45] - وجاء في صفحته الرئيسة ما يلي: "نحن مجموعة من الآباء والأمَّهات (غير حاضنين) والمحكوم لهم بتنفيذ أحكام الرؤية لأطفالهم، طبقًا للمادة 20 من القانون 25 لسنة 1929. ولقد أردنا بإنْشاء هذا الموقع كي يكون منبرًا للاتِّصال بيننا وبين السَّادة المسؤولين وأصْحاب القرار بوطننا العزيز؛ لسماع صرخاتنا وصرخات أفراد الأسر والأجداد المحرومين من رؤية أحفادهم، فيا سادة نحن قرَّرنا ألاَّ نكون آباء وأمهات مع إيقاف التنفيذ، وألاَّ نقف ساكنين أمام ما يرتكبه قانون القرن الماضي - المشار إليه أعلاه - من مذابح نفسيَّة يوميَّة وجرائم في حق فلذات أكبادنا، الذين لا يملكون بحكم أعمارهم الصَّغيرة أدوات التَّعبير عن مدى التعقيدات النفسيَّة التي تتكون داخلهم؛ نتيجة استئصال أدْوار ذويهم من المشاركة في تنشئتهم، فهذه دعوة منَّا لكل الآباء والأمَّهات غير الحاضنين الذين يرغبون في ممارسة أدوارهم الطبيعية والمشاركة في تربية ورعاية أبنائهم كي ينضمُّوا إليْنا؛ لنقف متكاتفين ويدًا واحدة لتحقيق أهدافنا، وذلك وصولاً للمصلحة الفضلى لأطفالنا".
[47] - في مقال تحت عنوان: "لجنة الفتاوى تجيز لغير الحاضن استضافة أبنائه يومًا أسبوعيًّا.. ومدَّة مناسبة في الإجازات المدرسية" ونشر في جريدة المصري اليوم، عدد ١٦٥٨، صفحة ٣، بتاريخ: السبت ٢٧ ديسمبر ٢٠٠٨.
[48] - شيخ المحامين الشرعيِّين في مصر.
[49] في مقاله: "حق الرؤية وصلة الرحم"، والَّذي نشر بجريدة الأهرام في الصفحة10، بتاريخ 03 ديسمبر 2008.