الكتاب على الأرائك وبين السنابك (3)
آداب التحقيق (3)
ذكرتُ أن أصل التحقيقِ معناه التحقُّقُ من النصِّ، وبذْلُ الجهد لتقديمه كما نَصَّ عليه مؤلِّفُه، وهذا ما كان يفعله أسلافُنا القريبون في بدايات الطباعة، فترى القائمين عليها يستعينون بمصحِّحين علماءَ، لا تكاد تجد في أعمالهم خطأً نحْويًّا أو إملائيًّا أو مطبعيًّا، مع خلوِّها من تعليقات، إلا ما ندر، بعكس ما نحن عليه اليوم، مِن وجودِ أخطاءٍ في النص، وتعليقاتٍ كثيرة، ومقارنات مملَّة، وحشوٍ لا لزوم له.
وقد أخرج لنا هؤلاء المحقِّقون - المصحِّحون أمَّهاتِ كُتُبِ التراث، في الفقه وعلوم القرآن والحديث والأدب واللغة، ومن العلماء المحقِّقين القريبين الذين كانوا يقدِّمون الكتابَ بشكل جيد: محمد حامد فقي، ومحمد محيي الدين عبدالحميد، الذين تطاول عليهم بعضُ المحققين أو النقاد المعاصرين، والحقُّ أنهم بذلوا جهودهم، وأخرجوا كتبًا كثيرة رائعة، استفاد منها جيل كامل، ويُذكَر لأهل الفضلِ فضلُهم وإن كان قليلاً، والوفاءُ لازمٌ لأهل الإسلام خاصة - فرَحِمَهم الله وجزاهم عنا خير الجزاء، وكلَّ من قدَّم كتابًا قيِّمًا.
ثم توسَّعَ معنى التحقيق، ولم يَعُدْ يُقبَلُ فيه تقديمُ الكتاب كما هو؛ بل لا بد من حواشٍ بيانية لنصِّه، وقد ترسَّخَ هذا بدأب من طرفين: المستشرقين أولاً، ثم أساتذة الدراسات الجامعية العليا، الذين أقاموا أساسَ عملِهم على أعمال المستشرقين، فقد سبَقُونا في ذلك، وطبعوا كُتُبَنا في بلادهم قبل أن نستخدم الطباعة عندنا بمئات السنين.
فقامتِ الجامعات بوضعِ قواعدَ للتَّحقيق، مستفيدةً من ذلك، ومن عملَيْ صلاح الدين المنجد وعبدالسلام هارون في تحقيق النصوص التراثية، اللذين اختلفا وتخاصما، وكادا أن يتسابَّا لأجل ذلك، فيُطلب من الطالب الذي يتقدَّم بمخطوطة يحقِّقُها أن يقدِّمَ لها، ويعتمد على أكثر من نسخة لها، ويتحقَّق من أمور يذكرونها، أو يدرسها دراسة منهجية في حجمٍ يصل إلى ثلثي الكتاب المحقق.
وبنظرة واحدة إلى هوامش الطلبة على كتب التراث، ترى ما لا يلزم منه الكثير، وخاصة مقارنات النسخ، وطول التخريج، والإسهاب في الترجمة وذكر المصادر، وترجمة أعلام مشهورين... وأمورًا مثلها، فالإدارةُ والإشراف يُلزِمانِه النفخَ والتكبير؛ حتى يكون (مقبولاً)، ويُعطى عليه شهادة!
وإذا كان هذا قدر الطالب، ليتعلَّم ويتدرَّب، ويعرف المصادر والأصول، فلا يلزم أن ينشر عمله كما كان، فلا يَقرأ المقدماتِ الطويلةَ، والدراساتِ، ومقارناتِ النسخ، وما إلى ذلك، ربما واحدٌ من مائة من الناس!
فالرِّفقَ الرفقَ أيها المحقِّقون، بالكتاب نفسِه، وبدخل الناس، واهتمُّوا بما يرغبون، وإن التوسط في التحقيق هو المرغوب، فيُعرَّف المؤلِّفُ بإيجاز، مع أهم مؤلَّفاته، وأهم المصادر التي ترجمتْ له، وتوثيق الكتاب، وبيان نُسَخِه، وموضوعه، والتركيز يكون على صحة النص، وتفسيرِ الغريب، والتعليقِ المختصر على الغامض من العبارات، وتخريج الأحاديث وبيان حكمها، مع فهارسَ تسهِّل على الباحث الوصولَ إلى طَلِبَتِه في أي جزء من الكتاب، والله الهادي.
عمالقة التحقيق في عصرنا
من الناس مَن وَهَبَهم اللهُ حبَّ التأليف والتحقيق، وبارَكَ في أوقاتهم وجهودهم، وزاد في همَّتِهم، فصنَّفوا وحقَّقوا كتبًا كثيرة، يعجب المرء من قدرتهم وإنجازاتهم في ذلك، ومن أبرز هؤلاء المحققين في عصرنا:
الأستاذ "بشار عواد معروف"، من بغداد، الذي لا أعلم أحدًا حقَّق أكثرَ منه، مع حَذْقٍ وإتقان؛ فقد حقَّق كتبًا تعدُّ من أضخم كتب التراث، منها:
• "تاريخ الإسلام ووفيَات المشاهير والأعلام"، الذي يقع في (17) مجلدًا، كلُّ مجلد منها في أكثر من (1000 ص)، والمجلدان الأخيران فهارس - والفهارس ليستْ سهلة - فيكون مجموع صفحاته أكثر من (18000 ص).
• و"تاريخ مدينة السلام (بغداد)"، للخطيب البغدادي، في (17) مجلدًا كذلك.
• و"تحفة الأشراف"، للمزي (13مج).
• و"التكملة لوفيات النقلة"، للمنذري (13 مج).
• و"تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، في (35 مج).
• و"سنن الترمذي"، (6 مج).
• و"حياة الصحابة"، للكاندهلوي، في (5 مج).
• و"سنن ابن ماجه"، في (6 مج).
وله تحقيقات أخرى في مجلد واحد لم أذكرها، ومؤلفات وتحقيقات بعضها بالاشتراك مع آخرين، وهي كبيرة أيضًا.
ومن أعلام التحقيق البارزين كذلك: الكاتبُ والمؤرخ الموسوعي "محمد حجي"، من مدينة سلا بالمغرب، الذي درس العلوم الشرعية والعصرية، وتقلَّب في عدة وظائف، وكان عميدًا لكلية الآداب بالرباط، وأمضى حياته رئيسًا للجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، وكان يجمع إلى تواضعِ العلماء حذقَ العارفين، مع صبرٍ وأناة على التحقيق والتدقيق يعرفها أهلُ العلم، وقد أسَّس الجمعيةَ المغربية المذكورة سنة 1400هـ، وأصدر في إطارها مجلةَ الكتاب المغربي، كما أصدر من خلالها موسوعة "معلمة المغرب"، التي أشرف عليها على مدى ربع قرن (1400 - 426 1هـ)، وتقع في (23 مج) من القطع الكبير، وبخط صغير، وقد توفاه الله - تعالى - عام 1423هـ قبل أن يراها مكتملة.
ومن تحقيقاته:
• "نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني" (4 مج بالمشاركة).
• "زهر الأكم"، لليوسي (3 مج).
• "المعيار المعرب"، للونشريسي (13 مج، بالمشاركة).
• "البيان والتحصيل"، لابن رشد (20 مج، بالمشاركة).
• "مقدمات ابن رشد"، (3 مج، بالمشاركة).
• "إتحاف المطالع"، لابن سودة (2 مج).
• "المحاضرات"، لليوسي (2 مج، مع الشرقاوي إقبال).
• "الذخيرة"، للقرافي (14 مج، بالمشاركة).
• "وصف إفريقيا"، للفاسي (2 مج).
وله تحقيقات أخرى تقع في مجلد واحد لم أذكرها، وكتب أخرى ألَّفها، وأخرى ترجمها من الفرنسية، ومن آثاره: "موسوعة أعلام المغرب"، أصدرتها دار الغرب الإسلامي ببيروت في 10 مج، قام بتنسيقها وتحقيقها.
ومنهم كذلك الأستاذ "عبدالله بن عبدالمحسن التركي"، الذي عمل مديرًا لجامعة الإمام بالرياض، ووزيرًا للأوقاف، ثم أمينًا عامًّا لرابطة العالم الإسلامي.
ومن تحقيقاته:
• "شرح مختصر الروضة" (3 مج).
• و"المغني" لابن قدامة، في ( 15 مج) تحقيق مع عبدالفتاح الحلو - رحمه الله - (وهو أحسن طبعة لهذا الكتاب الرائع).
• و"المقنع"، تحقيق كذلك مع السابق (32 مج).
• "منتهى الإرادات" ( 2 مج).
• "الواضح في أصول الفقه" (5 مج).
• "العدة في شرح العمدة" (2 مج).
• "الفروع"، لابن مفلح (12 مج)، ومعه "تصحيح الفروع"، للمرداوي.
• "شرح العقيدة الطحاوية"، لابن أبي العز الحنفي (2 مج).
• "المحرر"، لمجد الدين ابن تيمية (3 مج)، حققه مع محمد معتز كريم الدين.
• "هداية الراغب لشرح عمدة الطالب لنيل المآرب" (3 مج)، تحقيق مع السابق.
ومما حققه بالتعاون مع مركز البحوث في دار هجر بالقاهرة: "الإقناع لطالب الانتفاع" (4 مج)، "البداية والنهاية" لابن كثير (21 مج)، "الكافي" لابن قدامة (6 مج)، "تفسير الطبري" (26 مج)، "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" للسيوطي (17 مج)، "موسوعة شروح الموطأ للإمام مالك بن أنس" (25 مج).
وأشرف على إصدار كتب ذوات أجزاء، وألَّف وحاضَرَ، وشارك في مؤتمرات وندوات، وقدَّم أعمالاً أخرى كثيرة، من ذلك إشرافُه على تأليف "التفسير الميسَّر"، وتحقيق "مسند الإمام أحمد".
أذكر هذا بما أراه له من تحقيقات؛ فإن أعماله من أنجح ما حُقِّق من كتب، ولا شأن لهذا التعريف والإشادةِ بأعماله بما قيل فيه غير ذلك، وهذا ما ذكرته لأكثر من باحث، فإن المهم هو ما أراه حقًّا من إتقانٍ في العمل، وسائر ذلك بينه وبين الله.
وقد يقال في هذا وذاك من المحققين من مواقف سياسية لا تناسب أعمالَهم الجليلة، ويقال في ذلك ما قيل سابقًا، من أن العمل إذا كان نظيفًا متقنًا، ليس فيه آثار مواقف سياسية منحرفة، فلا شأن لنا به، فالمهم العمل، فهو كالحكمة التي تكون ضالة المؤمن، وسائر ذلك بينه وبين الله.
عمل رائع
والحديث عن التحقيق وأهله طويلٌ ومتشعِّب، وفي لقاء هاتفي منذ سنوات قريبة، طلب مني الكاتبُ والمحقق القدير عبدالله بن محمد الحبشي من اليمن، أن أصنِّف كتابًا في "طبقات المحققين"، فذكرتُ له أن هذا عمل طيِّب، وقد شرع فيه محققٌ وكاتب إسلامي وطبيب معروف، هو السيد الجميلي، الذي قام بكتابة فصول طويلة عن كوكبة من المحققين والمصححين، لعل معظمَهم أو كلهم من مصر، يبيِّن فيها آثارَهم العلمية، وجهودهم في التحقيق، وسيرهم، وعلاقاتِهم العلميَّةَ الواسعة، في حلقات متتالية بمجلة الأزهر منذ سنوات خلتْ، أذكر منها الحلقة (17) التي كانت عن طه عبدالرؤوف سعد، ولا أعرف أنه جمعها في كتاب.
أخبار الكتب
• نجم الدين محمد بن محمد الغَزي، المتوفى سنة 1061هـ، من أعلام الشافعية في القرن الحادي عشر الهجري، وهو صاحب "لطف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر"، الذي صدر محققًا، وكذلك "الكواكب السائرة بأعيان المائة العاشرة"، و"الجد الحثيث فيما ليس بحديث"، وله ثلاثة كتب أخرى محققة ولكن لا أعرف أنها أخذتْ طريقها إلى النشر، وهي:
- "شرح قطر الندى وبل الصدى"، الذي حققتْه خديجة الحفظي، وقدمتْه رسالة دكتوراه إلى كلية البنات بالرياض سنة 1425هـ.
- و"التنبُّه لما ورد في التشبُّه"؛ يعني التشبه بالكافرين وما إلى ذلك، حُقِّق في عدة رسائل علمية بجامعة الإمام في الرياض عام 1419هـ.
- وكتاب رائع في علامات الساعة، عنوانه: "تحبير العبارات في تحرير الأمارات" كبير، رأيتُ منه ما حقَّقه الباحث كمال محمد دين عبده، وقدمه رسالة ماجستير إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عام 1430هـ، وهو من الأمارة (72) إلى الأمارة (332).
• وكتب باحث منذ سنتين: العثور على أهم مخطوط في علوم العربية، عمرُه أكثر من ألف سنة: مخطوط "الصاحبي في فقه اللغة" للرازي، كتبه محمد عبدالشافي في مجلة "الحج والعمرة"، ع 3 (ربيع الأول 1428هـ) ص 74، 75.
ويعني بالرازي: أحمد بن فارس، أحد أئمة اللغة والأدب، المتوفى سنة 395هـ، وكتابه "الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب" في اللغة والنحو والصرف، ألفه لخزانة الصاحب بن عبَّاد، ولذلك سُمِّي به.
ولم يتأتَّ لي أن أقرأ المقال السابق، ولعله يعني نسخة إستانبول المنسوخة سنة 382هـ، وهي التي نسخ منها الشنقيطي، وطبعته مطبعة المؤيد بالقاهرة، وصدر سنة 1328هـ، في 245 ص، وأعادت طبعه المكتبة السلفية، ثم حققه مصطفى الشويمي وصدر في بيروت عام 1382هـ، ثم حققه من بعدُ السيد أحمد صقر، وصدر عمله في مطبعة عيسى الحلبي سنة 1398هـ.
وكتب عنه دراسةً محمد السيد علي بلاسي بعنوان: "ابن فارس وكتابه الصاحبي"، في مجلة أفنان، ع 6 (1421هـ)، ص 107 - 117، ولعله نفسه الذي ظهر من بعدُ في مجلة المنهل، ع 608 (رمضان وشوال 1428هـ) ص 128 - 133.
كما كتب عنه دراسةً عبدالعزيز بن عبدالكريم التويجري، بعنوان: "الصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب لابن فارس اللغوي: دراسة تحليلية مقارنة في أصول نشره ومنهج تحقيقه"، في مجلة الدرعية ع 29 (ربيع الأول 1426هـ)، ثم صدرت في كتاب في بيروت سنة 1428هـ.
نقد وتوجيه
من الكتب التي صدرت حديثًا: "الحلية فيما لكل فعل من تصريفٍ وبنية"، لمؤلفه يوسف بن محمد بن عنترة، المتوفى نهاية القرن السابع الهجري، صدر بتحقيق مصطفى بن حمزة، عن وزارة الأوقاف المغربية سنة 1426هـ.
وقد ذَكَر محقِّقه أنه لم يترجم له أحدٌ، وهو من أهل مرية بالأندلس، وذكر في كتابه هذا أنه ألَّفه وهو ابن 27 سنة؛ لكنه كتاب رائع، وقد حصل به محققه على رسالة دكتوراه، ثم صدر في جزأين، جعل الجزء الأول كله دراسة.
يقول المؤلف - رحمه الله - في أول كتابه: "إني لما رأيتُ كتب النحو لم يوف حقها من التصريف، وهو من العربية أصل كريم وعلم شريف، وكفى به شرفًا أنه الأصل، والإعراب فرع، وللأصل الفصل، ورأيتُه مرتقًى لا يرتقي فيه إلا الذي عاجل وساد، وأربى على كل متفنِّن في صناعة النحو وزاد، صنَّفتُ فيه كتابًا يشتمل على خمسين بابًا"، وقال بعد أنْ عدَّد الأبواب: "ولم يغفل النحْويون تصاريفَ الأفعال، ويخلُ منها كتبُهم المؤلَّفة في النحو؛ إلا لتُؤخذَ عن الصدور، لا عن السطور، فتنال كرائم الأموال، في إقراء تصريف هذه الأفعال؛ فلهذا السبب أغفلوها، وسدُّوا الأبوابَ دونها وأقفلوها، فمن كان عنده هذا الكتاب، فقد حصل لديه العِلم المُغفَل، وتفتَّح له المسدود والمُقفَل".
وربما لاحظ القارئ أن هذا الكاتب الشابَّ يقول كلامًا خطيرًا في السلف؛ فهو يذكر أن سبَبَ عدمِ التأليف في الصرف هو استئثار علماء النحو به؛ لينالوا به المال عند تعليمهم إياه، ويعني أنهم لو ألَّفوا فيه لانتشرتْ كتبُه، واستغنى الناسُ عنهم، فلم ينالوا ما ارتقبوه من مال منهم!
وهو كلام صدر من شابٍّ في شِرَّةٍ منه واندفاع لا يوافقه عليه أحد، فهو مثل علم النحو وغيره من العلوم، فلماذا ألَّفوا في العلوم السابقة ولم يستأثروا بها في صدورهم؟! وعلم الصرف يُبحَث مع النحو دائمًا أو غالبًا، وهو مبثوث في "كتاب سيبويه"، الكتابُ والمرجع الأول للنحاة قديمًا، فقد أُلِّف في الصرف في التاريخ الذي ألِّف في النحو، وإذا لم يفرد في كتاب فلا يعني أنه مفقود، وقد ذُكرَ أن أول من دوَّن هذا العلم (يعني: فَصَلَهُ عن علم النحو ودرسه) هو أبو عثمان بكر بن محمد المازني، المتوفى سنة 249هـ، وعُرفَ مؤلَّفُه بـ"تصريف المازني"، وقد شرحه ابن جنِّي (ت 392هـ) وصدر محققًا، ثم وضع ابن يعيش النحْوي حاشيةً عليه، وهو متوفى سنة 643هـ، وعُرف بـ"شرح الملوكي في التصريف"، وقد حقَّقه فخر الدين قباوة منذ زمن، وصدر في حلب.
وهناك مصادر أخرى تَذكُر أن أول مَن دوَّنه هو الإمامُ أبو حنيفة - رحمه الله - المتوفى سنة 150هـ، ويعرف الكتاب بـ"المقصود"، وقد جزم بعضهم بذلك، وهو محقَّق مشروح.
وهذا العلم - على كل حال - قد أُلِّف قبل وفاة المؤلف بقرون، فالعجب كيف لم يقف عليه وهو يريد أن يشتغل به، والعلاقات الثقافية كانت مستمرة بين الشرق الإسلامي وغربه؟!
وهذا ذِكرٌ لبعض ما أُلِّف فيه قبل زمن المؤلف، عدا ما ذُكر، فمنها - على التسلسل الزمني -:
- "نزهة الطرف في علم الصرف"، لأحمد بن محمد الميداني، ت 518هـ.
- "شافية ابن الحاجب في التصريف"، ت 646هـ.
- "العزي في التصريف"، المشهور جدًّا، لمؤلفه إبراهيم بن عبدالوهاب الزنجاني، ت 655هـ.
- "لامية الأفعال"، لابن مالك، ت 672هـ.
- "أساس الصرف"، لأبي الذبيح إسماعيل بن محمد الحضرمي الشافعي اليمني، ت 676هـ.
- "مراح الأرواح"، لأحمد بن علي بن مسعود، ت 700هـ.
- "عقود الجواهر في علم التصريف"، لأحمد بن محمود الجندي ت 700هـ.
- "النجاح في التصريف"، لحسام الدين حسين بن علي السُّغناقي، ت 710هـ.
كتاب جديد نافع
"الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي"
الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي، فهد بن صالح العجلان، الرياض، دار كنوز إشبيليا، 1430هـ، 514 ص.
الانتخابات من أشهر طُرُقِ السياسة والحكم في عصرنا، فهي وسيلة عصريَّة جديدة للوصول إلى مختلف الولايات، من رئاسةٍ، وبرلمان، وغيره، وانتشر تطبيقُها انتشارًا كبيرًا، فطبَّقتْه جميعُ الأنظمة الديمقراطية الغربية المعاصرة، وجرى العمل بها في كثير من بلاد المسلمين، فكان من المهم دراستُها، وبحثُ نوازلها - كما يقول المؤلف - ليتوصل من خلال ذلك إلى معرفة الحكم الشرعي فيها، والمسائلِ والأحكام المتعلقة بها، وإن في شريعتنا الإسلامية من قواعد وأصول ما يوجِد الحلولَ لهذه الطريقة في الحكم وغيرها؛ بل ويزيدها ثراء.
وقد جعل المؤلِّف كتابَه هذا، الذي كان أصله رسالة ماجستير، في خمسة فصول، هي:
- تخريج الانتخابات وحكمها شرعًا.
- الأحكام المتعلقة بالمنتخِب.
- الأحكام المتعلقة بالمنتخَب.
- الأحكام المتعلقة بالمنتخَب فيه.
- الأحكام المتعلقة بكيفية الانتخابات.
- الآثار المترتبة على الانتخابات.
ومما توصَّل إليه الباحثُ في هذا:
- الراجح في حُكم الانتخابات في صورتها المعاصرة أنها طريقة من الطرائق الجائزة للوصول إلى الحكم، شريطةَ أن تكون أفضلَ الطُّرُق المحقِّقة للمصلحة، وأن تكون مصالحُها غالبةً على مفاسدها.
- الأصل في حكم مشاركة المسلم في الانتخابات الشرعية أنه أمرٌ جائز ومباح، ويجب الانتخاب في حالة توقُّف ترشيح المؤهل على تصويت الناخب، ويستحبُّ إن كان الناخب يريد بذلك أن يوصل أفضل المرشحين للولاية.
- مشاركة المسلم في الانتخابات غير الشرعية الواقعة في بلاد المسلمين، متعلِّقةٌ بالمصالح والمفاسد المترتبة على هذه المشاركة، فإذا جاز للمسلم أن يشارك في أصل الولاية، جاز للناس أن يشاركوا في انتخابه، وإلا فالأصل تركُ المشاركة ما لم يكن ثمة مصلحةٌ وحاجة.
- وأما الانتخابات غير الشرعية في غير بلاد المسلمين، فهي جائزة؛ لظهور المصلحة الشرعية في مشاركة المسلمين في تلك الانتخابات.
- الراجح هو جواز مشاركة المرأة في الانتخابات ناخبةً تدلي بصوتها؛ لعدم الدليل المانع من ذلك.
- شروط الناخب هي: أن يكون مسلمًا، عاقلاً، عالمًا بالولاية وبمن يترشح لها، في سنٍّ يقدر فيها على معرفة الولاية، متجنِّبًا الأفعالَ التي تدلُّ على استهتار صاحبها بالولاية، أو واقعًا فيما يغلب على الظنِّ أنه سينتخب لهوى أو عصبية، مع أهمية اشتراط ما يحقق المصالحَ، ويدفع المفاسد.
- طلب الترشيح في الانتخابات داخلٌ في طلب الولاية، وحُكمُه يختلف بحسب حال طالِبِ الولاية.
- طريق الوصول إلى الولاية من الطُّرُق الاجتهادية، التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا يشترط أن يلتزم المسلمون بالطرق التي وقعتْ في عصر الخلفاء الراشدين؛ بدليل اختلاف طرق الولاية في عصرهم من غير نكير.
- لا يجوز إجراءُ الاستفتاء الشعبي على المسائل الشرعية القطعية أو الاجتهادية، وكذا المسائل الدنيويَّة المتعلِّقة بمصالح الناس ومعاشهم مما يدركها عامة الناس.
- ويجوز إجراء الاستفتاء إن كان استشاريًّا حول المسائل الشرعية الاجتهادية أو المتخصصة، إن كان على جهة معرفة الواقع الذي سيُنَزَّل عليه الحكمُ الشرعي، أو يراد به الاستفادة منها في إدراك المصالح والمفاسد.
- ما كان من المهمات لا يتعلِّق بالمصالح العامة، كالشركات والجمعيات الخاصة، فيجوز إجراءُ الانتخابات فيها بلا إشكال.
- يجوز إجراء الدعاية الانتخابية، مع وجوب مراعاة ما يلي:
- خلوُّ الدعاية من الكذب في مدح النفس، أو مدح الآخرين، أو الطعن فيهم.
- خلو الدعاية من إنفاق الأموال، بحيث يتميز أهل الثراء عن غيرهم.
- خلو الدعاية من أي شراءٍ للأصوات.
- خلو الدعاية من أي محرَّمٍ آخر غير متعلِّق بالدعاية.
- الاقتصاد في مدح النفس على قدر الحاجة، وألاَّ يسمحَ بالمبالغة الدالَّةِ على تعلُّقه الشديد بالولاية وانكبابه عليها.
آخر الحديث
قلتُ في الكتاب وشأنه:
- الكتابُ رحلةٌ واسعة وطويلة، يوفِّرُ لك مالاً وأتعابًا.
- مَن قال إن العقلَ لا يُشترَى؟! اشترِ كتابًا فقد اشتريت عقلاً.
- الكتابُ مرآةٌ تعكسُ صورةَ الإنسان، بفكره وسلوكه.
- اهتمَّ بالكتابةِ النافعة، والكتبِ المفيدة ونشرها، فإنه لا يقرؤها أحدٌ إلاَّ ووصلَكَ ثوابُها، وقد يهتدي بها كافر، أو يتوبُ بها عاصٍ، وقد تكون سببًا في إحياءِ علم ونشرِ فضيلة، فهذا تُثابُ عليه أكثرَ، وأعظمُ من هذا كلِّهِ نشرُ كتابِ الله - تعالى.