هي حيث يكون الطهر
مريم مقبل
تاريخ الإضافة: 8/7/2009 ميلادي - 15/7/1430 هجري
زيارة: 616
هي حيث يكون الطهر
(مادة مرشحة للفوز في مسابقة كاتب الألوكة)
اضطجعتْ بعد ليلتين ويوم ملأتْهم بالدموع.
كاد فيها البكاء أن يفتق كبِدَها، التحَفَتِ الصبر، وأدارتْ ظهرها للألم.
ففوزها بقُرْعة السَّفر من بين ضرائِرِها فتح الباب أمام رحلة حُبلى بالقدر الذي لا يطرق باب الاستئذان.
أثناء العودة وقد تمدَّد الليل بِطَريقهم، توقَّف الجيْش للرَّاحة؛ فقد كان يومًا حافلاً بالنَّصر، أناخوا رواحِلَهم.
وخرجتْ متلفِّعة بِرداء الحياء لبعض شأْنِها، في ظاهرِه رونَقُ العفَّة الذي يُلْجِم مرْضى القلوب فيقتلهم، وفي باطنه جمالُ الطُّهْر الذي يشمخ بها.
يَزين عنُقَها عِقد من خرز يماني، قد أعارتْه لها أختُها.
لَم يبرح هذا العقد نَحْرَها حتَّى انسلَّ خلسة، لترْجِع بعد وصولها المعسكر تبْحث عنه في موضِع حاجتها.
أذَّن المؤذِّن بالرَّحيل.
وحمل الرِّجال هوْدَجَها الَّذي لم يشتَكِ قطُّ من ثقلِها، فشدُّوه على بعيرها.
وكيْف لهم أن ينكروا خفَّته وهي حديثة السِّنِّ لَم يثْقلها لحم، فكانت كالزَّهرة على غصنها.
أمْسكوا برَأْس البعير وسار الجيش يقطع الدَّرب ويقتحم السَّواد، مخلِّفًا وراءَه فتاة جاءت تسبق خطاها، إلى مكان الجند الَّذي تحوَّل إلى آثار أخفاف ومخلَّفات، وكأنَّها بقيتْ تطرد وحشَتَها وتؤانسها!
ضمَّها الخلاء الَّذي يسوِّده لون السَّماء المظلم، فظلَّت تنادم الوحْدة مع ذاك العقد.
الصَّمت السَّائد، والسَّواد المهيْمِن ناداها لتضطجِع في موضع رحلها.
تلفْلفتْ بِجلبابِها والرَّجاء يعمر قلْبَها أن يفتقِدوها فيأتوا إليْها.
السُّكون القاتِم أعان عينيْها على غلبها لتنام.
خلعتِ الصَّحراء لوْن اللَّيل حينما غسلت الشَّمس بخيوطها الرَّقيقة وجْه السَّماء، التي أظلَّت رجلاً من الجيْش تأخَّر لكثرة نومه، قد أدْلج بسيره فأصبح بالقرب من سوادٍ تَهابُه الأرض وتجلُّه!
أقبل إلى ما شدَّ ناظرَيْه، اقْترب أكثر ليبصر ماهيَّته، فما أن رآها حتَّى عرفها؛ فقد كان يَراها قبل أن تحْتجِب.
- إنَّا لله وإنَّا إليْه راجعون.
لَم تكُن كلِمة عادية بقدْر ما كانت جُمْلة أيقظتْها لتُمْسِك خِمارها، وبسرعة حييَّة تغطِّي وجْهَها.
أناخ لها دابَّته، ثُمَّ وطِئ بقدمه على يدِها ليهيِّئَ مركبها.
ركبتها الفتاة، وانطلق يقودها.
في حين سيْرهِما كانت الرِّمال تقبِّل رِجْليه وأرْجُل دابتِه، وكانت النَّسائم تتراقص فرحًا بعودَتِها.
ما كلَّمها كلمة واحدة، فقَلْبه - المتوضِّئ بالفضيلة والإجْلال - أبَى عليْه ذلك، وكأنَّه قد أُفرغ فيه الحياء إفْراغًا.
وصلا إلى المعسْكر مع وصول الشَّمس إلى كبِد السَّماء في نَحْر الظَّهيرة، على مرْأى من النَّاس التي تغزل أعيُن بعضِهم الشَّرَّ!
استقْبَلها ذاك البيْت المشيد من اللَّبِن والسعف، الشَّامخ بتواضُعِه، حَضَنَها شهرًا لِمرضٍ ألَمَّ بها، عزلها عمَّن حولَها.
كان المرَض ينهش جسدَها، وألسِنة النِّفاق تقضم عِرْضها.
بعد مدَّة ليست بالقصيرة نقهت، فأرادت الخروج لبعض حاجتِها، ذهبتْ مع ابنةِ خالةِ أبيها، الَّتي سردتْ عليْها صواعِق الكلِمات التي خرقت فؤادَها وظلَّت تدميه.
علِمت أنَّ هناك أفواهًا تقطِر قيحًا نشرت الشَّائعات، وأنَّ هناك مَن أشعل الإفك في الصدور، لم يكن بيدِها حيلة غير الدُّموع.
فالمدينة عجَّتْ بوحْي الشَّيطان، وتنفس الحسد ينفث سمومه في أهلِها ويتَّهم الطُّهر، تحدَّث صالح النَّاس ومنافِقُهم في عفَّتِها وعفَّة ذاك الرَّجُل.
غير أنَّ الأرض التي سارا عليْها، والدَّابَّة التي أناخها وامتَطَتْها، والرِّمال الَّتي صادفاها، تشهد ببراءَتِهما وطهْرِهما.
هوَّنت أمُّها عليْها الأمر، فقلَّما امرأة وضيئة عند رجُل ولها ضرائر إلاَّ أكثرْن عليْها؛ لكنَّ الأمر زاد مرَضَها مرضًا.
أقعدها عظم التهمة وحجْم البلاء، وإحساسٌ بالعجْزِ أطلَّ مِن قوَّتِها أمام الحديث الَّذِي تسلَّل إلى أسْماع أهلِها واستقرَّ في نفوسِهم.
الحزْن يلفظها أنينًا مبحوحًا؛ فهي متيقِّنة أنَّها لوِ اعترفتْ بِما لم تفعلْه لصدَّقوها!
ولئِنْ نافحت عن طُهْرِها وأنكرتْ لَم يصدِّقْها أحد!
أدارتْ ظهْرَها للألم، وهي تأمل أن يظْهِر الله براءتَها برؤيا صادقةٍ تسْطع كالشَّمس في أُفُق الغبش.
اللَّيالي والأيَّام التي امتلأت بالقسوة لا بدَّ لها أن تموت ذليلة، أمام سورة النُّور.
فبلاءُ الأمس أصبح براءةً إلى الغد.
- ((البشرى يا عائشة، أمَّا الله فقد برَّأك)).
انتهت