• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: التكافل الاجتماعي في الإسلام
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    اسم الله الجبار
    خليل الحربي
  •  
    من فضل التسمية على الطعام.. ترك التسمية على ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    القرب من الله: أهميته وثمرته (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    خطبة شناعة البدع
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    ذكر بعض الصور الموضحة لإرادة الإنسان بعمله الدنيا
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    فضل الصلح والتحذير من شح النفس: { وأحضرت الأنفس ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    مراقبة الله وقاية من الغش والمكر والخديعة
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    خطبة: هول الموقف بين يدي الله عز وجل
    أبو عمران أنس بن يحيى الجزائري
  •  
    {وآتوا حقه يوم حصاده}
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    ويبقى الود ما بقي العتاب
    د. سعد الله المحمدي
  •  
    يأجوج ومأجوج (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    أمهات المؤمنين رضي الله عنهن (11) زينب بنت جحش ...
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الحرص على متابعة السنة
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الخوف من الله: أهميته وثمرته (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    باب في فضل السجود
    د. خالد النجار
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / التاريخ
علامة باركود

الخليل عليه السلام (13) {ولقد آتينا إبراهيم رشده}

الخليل عليه السلام (13) {ولقد آتينا إبراهيم رشده}
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 25/3/2026 ميلادي - 6/10/1447 هجري

الزيارات: 10606

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الخليل عليه السلام (13)

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ ﴾


الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ، ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ، وَالْبَطْشِ الشَّدِيدِ، الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا الْفَوْزَ يَوْمَ لِقَائِهِ، وَالْخُلْدَ فِي جَنَّتِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ هِدَايَةُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُدْوَةُ الْمُتَّقِينَ، وَالْحُجَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالشَّافِعُ الْمُشَفَّعُ فِي الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ؛ فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ؛ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى ‌شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ* هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [الْجَاثِيَةِ:18-19].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: كَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى سِيرَةَ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ قَوْمِهِ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا؛ لِلتَّأَسِّي بِهَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَالِاسْتِفَادَةِ مِنْ سِيرَتِهِ الْعَظِيمَةِ.

 

وَمِنْ أَجْمَعِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي فُصِّلَ فِيهَا شَأْنُ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ قَوْمِهِ، وَتَحْطِيمُهُ لِأَصْنَامِهِمْ، مَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ الْخَلِيلِ فِيهَا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ ‌رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:51]، «وَالرُّشْدُ: الْهُدَى وَالرَّأْيُ الْحَقُّ، وَضِدُّهُ الْغَيُّ»، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ ‌مِنَ ‌الْغَيِّ ﴾ [الْبَقَرَةِ:256]، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:51]؛ «أَيْ: أَعْطَيْنَاهُ رُشْدَهُ، وَاخْتَصَصْنَاهُ بِالرِّسَالَةِ وَالْخُلَّةِ، وَاصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَكُفْءٌ لَهُ، لِزَكَائِهِ وَذَكَائِهِ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ مُحَاجَّتَهُ لِقَوْمِهِ، وَنَهْيَهُمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَتَكْسِيرَ الْأَصْنَامِ، وَإِلْزَامَهُمْ بِالْحُجَّةِ»؛ ﴿ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:52- 53]، وَهِيَ حُجَّةُ مَنْ لَا حُجَّةَ لَهُ، أَنْ يُقَلِّدَ آبَاءَهُ فِي الشِّرْكِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَكَذَا قَالَ الْمُشْرِكُونَ فِي كُلِّ الْأُمَمِ؛ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا ‌عَلَى ‌أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزُّخْرُفِ:23]، فَرَدَّ الْخَلِيلُ عَلَى حُجَّتِهِمْ رَدَّ الْعَالِمِ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، الْمُسْتَنِيرِ بِالْوَحْيِ: ﴿ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:54]، «وَلِإِنْكَارِهِمْ أَنْ يَكُونَ مَا عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ ضَلَالًا، وَإِيقَانِهِمْ أَنَّ آبَاءَهُمْ عَلَى الْحَقِّ، شَكُّوا فِي حَالِ إِبْرَاهِيمَ» أَيَكُونُ جَادًّا فِي قَوْلِهِ، مُعْتَقِدًا لِمَا يَقُولُ، أَمْ مَازِحًا؟ ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:55]، فَأَكَّدَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَقِيدَتَهُ فِي أُلُوهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَرَّكَ عُقُولَهُمْ بِجَوَابٍ يُثْبِتُ فِيهِ رُبُوبِيَّتَهُ سُبْحَانَهُ؛ وَهُمْ يُقِرُّونَ بِهَا، وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْنَامَهُمْ لَا تَخْلُقُ شَيْئًا، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ يَخْلَقُ هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْبَدَ، وَأَعْلَنَ شَهَادَتَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ يَشْهَدُونَ لِلَّهِ تَعَالَى بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ، وَيُفْرِدُونَهُ سُبْحَانَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ؛ ﴿ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:56].

 

وَأَقْسَمَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَنْ يُغَيِّرَ هَذَا الْمُنْكَرَ الْعَظِيمَ بِتَكْسِيرِ أَصْنَامِهِمْ، وَيُثْبِتَ لَهُمْ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَدْفَعُ الْأَذَى عَنْ نَفْسِهَا، فَضْلًا أَنْ تَدْفَعَهُ عَنْ غَيْرِهَا؛ ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:57]، وَبَرَّ الْخَلِيلُ بِقَسَمِهِ، وَكَسَّرَ أَصْنَامَهُمْ؛ لَعَلَّ عُقُولَهُمْ تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ؛ ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:57]؛ «أَيْ: تَرَكَ إِبْرَاهِيمُ تَكْسِيرَ صَنَمِهِمْ هَذَا؛ لِأَجْلِ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَيْهِ، وَيَسْتَمْلُوا حُجَّتَهُ، وَيَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا، وَلَا يُعْرِضُوا عَنْهَا» وَتَأَسَّى نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَسَّرَ أَصْنَامَ الْمُشْرِكِينَ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ فَاتِحًا، كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ ‌يَطْعَنُهَا ‌بِعُودٍ ‌فِي ‌يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 81]، ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ﴾ [سَبَأٍ: 49]» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَاسْتَعْظَمَ قَوْمُ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَكْسِيرَ أَصْنَامِهِمْ؛ ﴿ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:59]، فَوَصَمُوا الْخَلِيلَ بِالظُّلْمِ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ شِرْكَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ جَاءَ بِالْعَدْلِ حِينَ حَطَّمَ أَصْنَامَهُمْ؛ ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:60]؛ أَيْ: يَذْكُرُ أَصْنَامَهُمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:57]، ﴿ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:61]؛ «أَيْ: يَحْضُرُونَ مَا يُصْنَعُ بِمَنْ كَسَّرَ آلِهَتَهُمْ، وَهَذَا الَّذِي أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ وَقَصَدَ: أَنْ يَكُونَ بَيَانُ الْحَقِّ بِمَشْهَدٍ مِنَ النَّاسِ؛ لِيُشَاهِدُوا الْحَقَّ، وَتَقُومَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ؛ كَمَا قَالَ مُوسَى حِينَ وَاعَدَ فِرْعَوْنَ: ﴿ قَالَ ‌مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ﴾ [طه:59]»، وَسَأَلُوا الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ* قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:62-63]، أَرَادَ بِذَلِكَ تَحْرِيكَ عُقُولِهِمْ، وَإِلْزَامَهُمْ بِحُجَّةٍ تَقْطَعُهُمْ، وَتَدْحَضُ عِبَادَتَهُمْ لِلْأَصْنَامِ؛ فَهُمْ يُدْرِكُونَ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِهَذَا الصَّنَمِ أَنْ يُكَسِّرَ بَقِيَّةَ الْأَصْنَامِ؛ إِذْ لَا يَتَحَرَّكُ، فَكَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ سُؤَالَهُ أَوْ سُؤَالَ الْأَصْنَامِ الْمُحَطَّمَةِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْطِقُ، وَإِذَنْ فَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، فَكَيْفَ يَعْبُدُونَهَا؟! ﴿ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:64]؛ «أَيْ: ثَابَتْ عَلَيْهِمْ عُقُولُهُمْ، وَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ أَحْلَامُهُمْ، وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ ضَالُّونَ فِي عِبَادَتِهَا، وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ وَالشِّرْكِ»، وَمَا لَبِثُوا أَنْ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَتَرَكُوا الْحُجَّةَ وَعَادُوا إِلَى أَهْوَائِهِمْ فِي الْجِدَالِ عَنِ الْأَصْنَامِ، وَالرِّضَا بِعِبَادَتِهَا، وَرَأَوْا أَنَّ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَهْزَأُ بِهِمْ؛ لِأَنَّ أَصْنَامَهُمْ لَا تَنْطِقُ فَكَيْفَ يَسْأَلُونَهَا؟ ﴿ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:65]، وَبَادَرَ الْخَلِيلُ إِلَى إِنْكَارِ عِبَادَتِهِمْ لِلْأَصْنَامِ؛ ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:66-67]، فَلَمَّا انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ، وَعَجَزُوا عَنْ مُجَارَاةِ الْخَلِيلِ فِي الْمُنَاظَرَةِ؛ لَجَئُوا إِلَى الْعُنْفِ وَالِانْتِقَامِ، الَّذِي هُوَ حِيلَةُ الْعَاجِزِينَ؛ ﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:68]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي ‌النَّارِ: ‌حَسْبِيَ ‌اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَارِهِمْ بِقُدْرَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:69-70].

 

وَتَتَابَعَتْ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَلِيلِ بِإِيمَانِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَهَاجَرَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ، وَرُزِقَ الذُّرِّيَّةَ الْمُبَارَكَةَ، وَكَانَتِ الْإِمَامَةُ وَالنُّبُوَّةُ فِي نَسْلِهِ؛ إِكْرَامًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ؛ ﴿ وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:71-73].

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾[الْبَقَرَةِ:281].


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: فِي حِمَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْحَرْقِ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَوْلِيَائِهِ، وَقُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ بِجَعْلِ النَّارِ الْمُحْرِقَةِ بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَهَذَا الْمَعْنَى سَيَتَكَرَّرُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حِينَ يَقْذِفُ الدَّجَّالُ مَنْ كَذَّبُوهُ فِي نَارِهِ فَتَكُونُ لَهُمْ جَنَّةً، وَيَضَعُ مَنْ آمَنُوا بِهِ فِي جَنَّتِهِ فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ نَارًا، وَمَنْ وَالَى اللَّهَ تَعَالَى، وَوَالَى أَوْلِيَاءَهُ، وَثَبَتَ عَلَى دِينِهِ، وَدَعَا إِلَى طَرِيقِهِ؛ زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى ثَبَاتًا وَإِيمَانًا، وَنَجَّاهُ سُبْحَانَهُ مِمَّنْ مَكَرُوا بِهِ سُوءًا، وَأَرَادُوا بِهِ شَرًّا، وَتِلْكَ سُنَّتُهُ سُبْحَانَهُ فِي أَوْلِيَائِهِ؛ ﴿ ‌وَكَذَلِكَ ‌نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:88]، وَفِي اسْتِنْكَارِ قَوْمِ الْخَلِيلِ تَحْطِيمَهُ لِأَصْنَامِهِمْ، وَوَصْمَهُ بِالظُّلْمِ حِينَ ﴿ قَالُوا مَنْ ‌فَعَلَ ‌هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ:59]، دُلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعُقُولَ وَالْفِطَرَ تَنْتَكِسُ، فَتَرَى الْبَاطِلَ حَقًّا، وَتَرَى الْحَقَّ بَاطِلًا، وَتُجَادِلُ عَنِ الْبَاطِلِ وَتُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ، وَفِي زَمَنِنَا هَذَا كَثِيرٌ مِمَّنْ يَتَسَمَّوْنَ بِالْإِسْلَامِ يَنْصُرُونَ الْبَاطِلَ مِنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَالْبِدَعِ، وَأَنْوَاعِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَيُجَادِلُونَ عَنْهَا، وَيُحَارِبُونَ فِي سَبِيلِهَا؛ لِأَهْوَاءٍ فِي نُفُوسِهِمْ، وَانْتِكَاسٍ فِي فِطَرِهِمْ وَعُقُولِهِمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُجَافٍ لِمِلَّةِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّتِي هِيَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ، وَنَبْذُ الْأَنْدَادِ وَالْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، وَإِنْكَارُ الْمُنْكَرَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ ‌مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [الْبَقَرَةِ:130]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ ‌مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الْبَقَرَةِ:135]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ ‌مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾ [النِّسَاءِ:125]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ ‌مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النَّحْلِ:123].

 

وَخَلْطُ دِينِ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْيَانِ الْمُحَرَّفَةِ أَوِ الْمُخْتَرَعَةِ لَبْسٌ لِلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ مَهْمَا كَانَ مُسَمَّاهُ، وَأَيًّا كَانَ مَصْدَرُهُ، وَالْقَصْدُ مِنْهُ الْقَضَاءُ عَلَى الْحَقِّ وَإِعْلَاءُ الْبَاطِلِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ ‌بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ:42].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الخليل عليه السلام (7) ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من الببت ﴾
  • الخليل عليه السلام (8): {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} (خطبة)
  • الخليل عليه السلام (9): { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه }
  • الخليل عليه السلام (10) {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة}
  • الخليل عليه السلام (11) {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى}
  • الخليل عليه السلام (12) دعوات الخليل في سورة إبراهيم

مختارات من الشبكة

  • رحلة الخليل إبراهيم عليه السلام من العراق إلى الشام ثم مصر والبيت الحرام (خطبة)(مقالة - ملفات خاصة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نداء الخليل عليه السلام وأشواق القلوب (خطبة)(مقالة - ملفات خاصة)
  • بيان ما أعطيه الخليل عليه السلام من معرفة ملكوت السماوات والأرض(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بيان سؤال الخليل عليه السلام ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • امتنان الله تعالى على الخليل عليه السلام بالهداية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لمحة في بيان ما ذكر في القرآن في علو منزلة الخليل عليه السلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رعاية الله تعالى للخليل عليه السلام وكفايته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (2)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين
  • مسجد دابرافين يفتح أبوابه للمصلين بعد سنوات من البناء والعطاء
  • 130 شابا يشاركون في منتدى الشباب المسلم الإقليمي بتتارستان
  • بينزا تستضيف برنامجا صيفيا لتعليم الأطفال القرآن والعلوم الإسلامية
  • اختتام النسخة الـ18 من مسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في البوسنة والهرسك
  • انطلاق دورات «القرآن في قلوبهن» للفتيات بالمسجد التاريخي في إندركا
  • انطلاق الحملة السنوية لتوفير المستلزمات المدرسية لأبناء المسلمين في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 7/2/1448هـ - الساعة: 10:5
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب