ذكريات شموع الروضة (٨)
ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء.. (الحاج محمد فتح الرحمن رحمه الله).
لنا جار هادئ وَقور، لا يكاد يُسمع له صوتٌ، لكنه إذا مَرَّ فكأنما مَرَّت معه السكينة، وإذا ألقى السلام فكأنما ألقى معه الطُّمَأنينة.
جارُنا السوداني الحاج محمد فتح الرحمن، عرفناه بالتواضع، وعهدناه بالخُلق الكريم، لم يكن كثيرَ الكلام، لكنه إن نطق، نطَق بسلام، أو ردَّه بابتسامةٍ وضيئة تُلامس القلب قبل الوجه.
ما شهِدناه إلا ما يُشهد به للأخفياء الأتقياء، الذين لا يطلبون وَجاهة، ولا يَحرِصون على مدح، وإذا غابوا لم يُفتقَدوا، وإذا حضروا لم يُدعَوا، لكنهم عند الله أعظم شأنًا من كثير ممن ملؤوا الأسماع والأبصار.
نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا، اعتدنا على رؤيته يمشي إلى المسجد بخشوع، كأنما الأرض تُباهي بخطاه، لا تكاد تفوته تكبيرة الإحرام، ولا يُضيع فرضًا، كأن قلبه معلَّق بالسماء لا بالأرض.
وفي هذا الرمضان الأخير ١٤٤٦هـ، شهر الرحمة والغفران، عزم على العمرة، وودَّع أهله بهدوء العارفين.
طاف بالكعبة، وسجد على أرضها الطاهرة، ثم مضى إلى مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، المدينة التي تهفو لها قلوب المؤمنين.
وهناك أصابه المرض، فأُدخل المستشفى، ثم شاء الله أن يُختم له هناك، في أطهر بقعة بعد مكة، فمات أمس القريب في طيبة، وصُلِّي عليه في المسجد النبوي، ودُفن في البقيع، حيث يرقُد الصحابة والتابعون رضي الله عنهم بجوار عباد الله الصالحين.
أي كرامة هذه؟ وأي خاتمة هذه؟
وأي اصطفاء تبارك الرحمن..
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله).
قالوا: وكيف يستعمل؟ قال: (يوفِّقه لعملٍ صالحٍ قبل موته)[1].
فما الظن برجلٍ ختم حياته بعمرة في رمضان، وزيارةٍ لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاةٍ في مسجده، ثم دُفن بجوار أصحابه؟
إنها الخاتمة التي لا تُشترى، لكنها تُهدى لمن عاش لله، وسار إليه بخطى الصادقين.
﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: 4].
لقد افتقدناه، لقد افتقدناه في الحي، في المسجد، في السلام الذي كان يبدأ به، وفي الخُلق الذي كان يُحبه كلُّ مَن عرَفه.
لكنه لم يمت في قلوبنا،بل صار علامةً بيننا على أن حسن الخاتمة لا تأتي صدفة، بل هي ثمرة طاعة، وغرس إخلاص، وعنوان سيرٍ خفيٍّ نحو الله.
حقًّا حسن الخاتمة، أمنية العارفين، وغنيمة السالكين، ودعوة الصادقين طول العمر، وليس كل من طال عمره حَسُن ختامه، وليس كل مَن عُرف بالصلاح خُتم له بصلاح، فـالخاتمة هبة من الله، لا تُنال بالحيلة، بل تُرزق بالصدق والسريرة، حسن الخاتمة أن تموت على طاعة، أن تُقبَض وسجدة في جبينك، أو تسبيحة على لسانك، أو دعوة في قلبك، أو عملٌ صالحٌ في طريقك، فانظُر في حالك، إن وجدتَ قلبك يُقبل على الطاعة، ويستوحش من المعصية،
إن وجدت الخلوة أحبَّ إليك من مجالس الغفلة، إن وجدت القرآن أنيسَك، والصلاة راحتك، فأبشِر، فلعلها علامات توفيق، ودلالات على ختامٍ طيب.
وحين ترى عبدًا يختم الله له بعمرة، أو موت في سجودٍ، أو دعاء في المدينة، أو دفنٍ في البقيع…
فلا تقُل: صدفة، بل قل: اصطفاء.
اللهم ارزُقنا حُسنَ الخاتمة، واختِم بالباقيات الصالحات أعمالنا، ولا تجعلنا من المغرورين بطُول الأمل، الغافلين عن فجأة الأجل.
رحمك الله يا حاج محمد، يا مَن علَّمتنا أن الختام لا يُصنع أمام الناس، بل في الخفاء مع الله.
اللهم اجْزِه عنَّا خيرَ الجزاء، وارفَع درجته في عِلِّيين، اللهم ثبِّت ذَويه، واملأ قلوبهم صبرًا ونورًا، وارزُقنا حُسنَ الخاتمة.
[1] أخرجه الإمام الترمذي في سننه – أبواب القدر – باب ما جاء أن الله كتب كتابًا لأهل الجنة وأهل النار- (2142) – (4/ 450)، وصححه الإمام الترمذي والألباني.