• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   بحوث ودراسات   إبهاج المسلم بشرح صحيح مسلم   الدر الثمين   سلسلة 10 أحكام مختصرة   فوائد شرح الأربعين   كتب   صوتيات   مواد مترجمة  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    شرح (صفوة أصول الفقه) لابن سعدي - رحمه الله - ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    التعليق على رسالة (ذم قسوة القلب) لابن رجب (PDF)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    10 مسائل مهمة ومختصرة في: شهر الله المحرم
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    10 مسائل مهمة ومختصرة في الأضحية (PDF)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    10 مسائل مهمة ومختصرة في 10 ذي الحجة (PDF)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    الدعاء لمن أتى بصدقة
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: صدقة لم يأكل منها
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: هو لها صدقة، ولنا هدية
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    باب: (ترك استعمال آل النبي على الصدقة)
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: «كخ كخ، ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    شرح حديث: سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    التعريف بالخوارج وصفاتهم
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    حديث: ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي ...
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
  •  
    إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة
    الشيخ د. عبدالله بن حمود الفريح
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

مع سورة الطارق

مع سورة الطارق
د. خالد النجار

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/7/2026 ميلادي - 19/1/1448 هجري

الزيارات: 157

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مع سورة الطارق

 

سُميت في كتب التفسير وكتب السُّنَّة وفي المصاحف «سورة الطارق»؛ لوقوع هذا اللفظ في أولها. وفي «تفسير الطبري» «وأحكام ابن العربي» ترجمت «سورة والسماء والطارق».

 

وهي مكية بالاتفاق، نزلت قبل سنة عشر من البعثة.


أخرج أحمد بن حنبل- بسند ضعيف- عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ الْعَدْوَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَبْصَرَ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَشْرِقِ ثَقِيفٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا حِينَ أَتَاهُمْ يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ [الطارق: 1] حَتَّى خَتَمَهَا قَالَ: فَوَعَيْتُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا مُشْرِكٌ، ثُمَّ قَرَأْتُهَا فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَدَعَتْنِي ثَقِيفٌ، فَقَالُوا: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ؟ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِصَاحِبِنَا، لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ مَا يَقُولُ حَقًّا لَاتَّبَعْنَاهُ»


وعن جَابِرَ بن عَبْدِالله، يَقُولُ: كَانَ مُعَاذُ بن جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- العِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيصَلِّيهَا بِقَوْمِهِ، قَالَ: فَأخَّرَ رَسُولُ الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- العِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، قَالَ: فَصَلَّاهَا مُعَاذٌ مَعَهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَأمَّ قَوْمَهُ، فَافْتَتَحَ سُورَةَ البَقَرَةِ، فَتنَحَّى رَجُلٌ مِمَّنْ خَلفَهُ، فَصَلَّى وَحْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ.


فَقَالُوا: نَافَقْتَ، فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي آتِي رَسُولَ الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأخْبَرَهُ، فَأتَى رَسُولَ الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّكَ أخَّرْتَ العِشَاءَ البَارِحَةَ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّاهَا مَعَكَ، ثُمَّ رَجَعَ فَأمَّنَا، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ، فَلمَّا رَأيْتُ ذَلِكَ تَأخَّرْتُ، فَصَلَّيْتُ وَحْدِي، وَإِنَّما نَحْنُ أهْلُ نَواضِحَ نَعْمَلُ بِأيْدِينَا، فَأقْبَلَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى مُعَاذٍ، فَقَالَ: (أفَتَّانٌ أنْتَ يَا مُعَاذُ، أفَتَّانٌ أنْتَ، اقْرَأ سُورَةَ كَذَا، وَسُورَةَ كَذَا، وَعَدَّدَ السُّوَرَ).


قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أبو الزُّبَيْرِ: أنَّ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ).


قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلتُ لِعَمْرِو بن دِينَارٍ: إِنَّ أبَا الزُّبَيْرِ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «اقْرَأ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ»؛ [أخرجه أحمد، والدارمي، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي].

 

﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ [الطارق: 1 - 4].


﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴾ افتتاح السورة بالقسم تحقيق لما يقسم عليه، وتشويق إليه.

 

قال الشهاب: الطارق من (الطرق) وأصل معناه الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت. ومنه المطرقة والطريق؛ لأن السابلة تطرقها [السابلة: المارَّة أو المُسافرون الذين تجاوزوا الطريق، وتطلق على الطريق بنفسه إذا كان سلوكًا وألوفًا. ومفردها: سابِل]. ثم صار في عرف اللغة اسمًا لسالك الطريق، لتصور أنه يطرقها بقدمه. واشتهر فيه حتى صار حقيقة. وتسمية الآتي ليلًا (طارقًا)؛ لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها.

 

وسمي النجم طارقًا؛ لطلوعه ليلًا؛ أي: يبدو فيه، ولكنه هنا خص بما فسر به بعده في قوله تعالى:

﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴾ استفهام مستعمل في تعظيم الأمر.

 

﴿ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ﴾ الثقب: خرق شيء ملتئم؛ أي: المضيء كأنه يثقب ظلمة الليل وينفذ فيه، فيبصر بنوره ويهتدي به.

 

وفي إبهامه ثم تفسيره، تفخيم لشأنه وتنبيه على الاعتبار والاستدلال به.

 

أقسم الله بالسماء وبالنجم الطارق لِعَظَمِ أَمَرِهِمَا، وَكِبَرِ خَلْقِهِمَا؛ كما في قوله: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [الواقعة: 75- 76].


• وأبهم الموصوف بالطارق ابتداء، ثم زيد إبهامًا مشوبًا بتعظيم أمره بقوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴾ ثم بين بأنه: النجم الثاقب؛ ليحصل من ذلك مزيد تقرر للمراد بالمقسم به، وهو أنه من جنس النجوم، شبَّه طلوع النجم ليلًا بطروق المسافر الطارق بيتًا بجامع كونه ظهورًا في الليل.

 

• والتعريف في النجم يجوز أن يكون تعريف الجنس فيستغرق جميع النجوم استغراقًا حقيقيًّا وكلها ثاقب، فكأنه قيل: والنجوم المضيئة، إلا أن صيغة الإفراد في قوله: ﴿ الثَّاقِبُ ﴾ ظاهر في إرادة فرد معين من النجوم، ويجوز أن يكون التعريف للعهد إشارة إلى نجم معروف يطلق عليه اسم النجم غالبًا؛ أي: والنجم الذي هو طارق.

 

ويناسب أن يكون نجمًا يطلع في أوائل ظلمة الليل، وهي الوقت المعهود لطروق الطارقين من السائرين.

 

ولعل الطارق هو النجم الذي يسمى الشاهد، وهو نجم يظهر عقب غروب الشمس، وبه سميت صلاة المغرب: «صلاة الشاهد».

 

فعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْعَصْرَ بِالْمُخَمَّصِ، فَقَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ)). وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ؛ [مسلم].

 

﴿ إِنْ ﴾ نافية، يعني ما كل نفس ﴿ كُلُّ ﴾ مؤكدة ﴿ نَفْسٍ لَمَّا ﴾ بمعنى (إلا) ﴿ عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ من الله؛ أي: «حارس»من الآفات والمهلكات؛ كقوله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾[الرعد: 11].


وقيل: ﴿ حَافِظٌ ﴾؛ أي: لأعمالها يحصيها عليها مما تكسب من خير أو شر؛ كما في قوله: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18] ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴾ [الانفطار: 10- 11]... والسياق يشهد للمعنيين معًا، فإن الْحَافِظ: هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ أَمْرًا وَلَا يُهْمِلُهُ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ غَرَضٌ مَقْصُودٌ.

 

وهو كناية عن البعث والنشور، فإن إقامة الحافظ تستلزم شيئًا يحفظه وهو الأعمال خيرها وشرها، وذلك يستلزم إرادة المحاسبة عليها والجزاء.


قال ابن عاشور: الجملة جواب القسم، وَهُوَ إِثْبَاتُ الْبَعْثِ، فَهُوَ كَالدَّلِيلِ عَلَى إِثْبَاتِهِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الْحَافِظِ تَسْتَلْزِمُ شَيْئًا يَحْفَظُهُ وَهُوَ الْأَعْمَالُ خَيْرُهَا وَشَرُّهَا، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ إِرَادَةَ الْمُحَاسَبَةِ عَلَيْهَا وَالْجَزَاءَ بِمَا تَقْتَضِيهِ جَزَاءً مُؤَخَّرًا بَعْدَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِئَلَّا تَذْهَبَ أَعْمَالُ الْعَامِلِينَ سُدًى، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْجَزَاءَ مُؤَخَّرٌ إِلَى مَا بَعْدَ هَذِهِ الْحَيَاةِ؛ إِذِ الْمُشَاهَدُ تَخَلُّفُ الْجَزَاءِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ بِكَثْرَةٍ، فَلَوْ أُهْمِلَ الْجَزَاءُ لَكَانَ إِهْمَالُهُ مُنَافِيًا لِحِكْمَةِ الْإِلَهِ الْحَكِيمِ مُبْدِعِ هَذَا الْكَوْنِ كَمَا قَالَ: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 115]، وَهَذَا الْجَزَاءُ الْمُؤَخَّرُ يَسْتَلْزِمُ إِعَادَةَ حَيَاةٍ لِلذَّوَاتِ الصَّادِرَةِ مِنْهَا الْأَعْمَالُ.


وَقَدْ حَصَلَ مَعَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ إِفَادَةُ أَنَّ عَلَى الْأَنْفُسِ حَفَظَةً فَهُوَ إِدْمَاجٌ.


وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الْجَوَابُ زِيَادَةً عَلَى إِفَادَتِهِ تَحْقِيقَ الْجَزَاءِ إِنْذَارًا لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ اعْتِقَادَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ، وَأَنَّهُ سَيُجَازِيهِمْ على ذَلِك.

 

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ * إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ [الطارق: 5 - 8].


﴿ فَلْيَنْظُرِ ﴾ الفاء فصيحة؛ أي: إن ارتاب مرتاب في أن كل نفس من الأنفس عليها رقيب، فلينظر و(اللام) هنا للأمر. والمراد بالنظر هنا «نظر الاعتبار»، فهو النظر بالبصيرة أو التَّفَكُّرُ الْمُؤَدِّي إِلَى عِلْمِ شَيْءٍ بِالِاسْتِدْلَالِ، يعني ليفكر الإنسان مما خلق؟

 

﴿ الْإِنْسَانُ ﴾ مُرَادٌ بِهِ خُصُوصُ مُنْكِرِ الْبَعْثِ ﴿ مِمَّ خُلِقَ ﴾ الِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِيقَاظِ وَالتَّنْبِيهِ إِلَى مَا يَجِبُ عِلْمُهُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ [عبس: 18].

 

وهذا بمنزلة الدليل على الدعوى المقسم عليها، زيادة في التأكيد. ووجه ذلك أن الماء الدافق من المائع الذي لا تصوير فيه ولا تقدير للآلات التي يظهر فيها عمل الحياة كالأعضاء ونحوها. ثم إن هذا السائل ينشأ خلقًا كاملًا كالإنسان، مملوءًا بالحياة والعقل والإدراك، قادرًا على القيام بخلافته في الأرض. فهذا التصوير والتقدير وإنشاء الأعضاء والآلات البدنية، وإيداع كل عضو من القوة ما به يتمكَّن من تأدية عمله في البدن، ثم منح قوة الإدراك والعقل، كل هذا لا يمكن أن يكون بدون حافظ يراقب ذلك كله ويدبره؛ وهو الله جل شأنه.

 

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾ من قبيل التفريع على ما ثبت في القضية الأولى، كأنه يقول: فإذا عرفت أن كل نفس عليها رقيب، فمن الواجب على الإنسان ألَّا يهمل نفسه، وأن يتفكَّر في خلقه. وكيف كان ابتداء نشأته ليصل بذلك إلى أن الذي أنشأه أول مرة، قادر على أن يعيده. فيأخذ نفسه بصالح الأعمال والأخلاق. ويعدل بها عن سبل الشر. فإن عين الرقيب لا تغفل عنها في حال من الأحوال.

 

﴿ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾ الدفق: صبٌّ فيه دفعٌ وسرعة؛ أي: ماء ذو اندفاق وهو المنيُّ يصب في الرحم.. وَأَطْنَبَ فِي وَصْفِ هَذَا الْمَاءِ الدَّافِقِ لِإدْمَاجِ التَّعْلِيمِ وَالْعِبْرَةِ بِدَقَائِقَ التَّكْوِينِ لِيَسْتَيْقِظَ الْجَاهِلُ الْكَافِرُ وَيَزْدَادَ الْمُؤْمِنُ عِلْمًا وَيَقِينًا.

 

ووصفه الله تعالى في آيات أخرى بأنه ماء مهين ﴿ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴾ [السجدة: 8] ضعيف السيلان ليس كالماء العادي المنطلق، ووصفه الله تعالى في آية أخرى أنه نطفة ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ [النحل: 4]؛ أي: قليل من الماء، هذا الذي خلق منه الإنسان، والعجب أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة- والعياذ بالله- إلا من ألَانَ اللهُ قلبَه لدين الله تعالى.

 

﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ ﴾ هو عظم الظهر من الرجل، الصلب هو كل عظم من الظهر فيه فقار. ويعبر عنه في كلام العامة بسلسلة الظهر. وقد يطلق بمعنى الظهر نفسه إطلاقًا لاسم الجزء على الكل.

 

﴿ وَالتَّرَائِبِ ﴾ عظام الصدر من المرأة.


﴿ إِنَّهُ ﴾ الله الخالق المفهوم من ﴿ خُلِق ﴾ يُؤْذِنُ بِأَنَّ الْخَالِقَ مَعْرُوفٌ لَا يُحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ اسْمِهِ.

 

﴿ عَلَى رَجْعِهِ ﴾ رجع الإنسان وإعادته في النشأة الثانية يوم القيامة ﴿ لَقَادِرٌ ﴾ كما قدر على إبدائه في النشأة الأولى.

 

وفيه إثبات البعث الذي أنكروه على طريقة الكناية التلويحية، والمعنى: فإن رأيتم البعث محالًا فلينظر الإنسان مما خُلِق ليعلم أن الخلق الثاني ليس بأبعد من الخلق الأول.


وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقب، وهو قياس عقلي، فإن الإنسان بعقله يدرك قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الروم: 27]؛ ولهذا يستدل الله- عز وجل- بالمبدأ على المعاد؛ لأنه قياس جلي واضح، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعة وبدون كلفة.

 

﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ * إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ [الطارق: 9 - 17].


﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾؛ أي: تختبر وتظهر خفيات ضمائر القلوب في العقائد والنيات.


وَالسَّرَائِرُ: جَمْعُ «سَرِيرَةٍ» وَهِيَ: كُلُّ مَا يُخْفِيهِ الْإِنْسَانُ حَتَّى فِي الْمُعَامَلَاتِ مَعَ النَّاسِ، فَالسِّرُّ ضِدُّ الْجَهْرِ.


وهذا كقوله: ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴾ [العاديات: 9- 10].

 

قال الزمخشري: السرائر ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيَّات وغيرها، وما أخفى من الأعمال. وبلاؤها تعرُّفها وتصفُّحها، والتمييز بين ما طاب منها وما خبث.

 

وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَمَانَةُ التَّكْلِيفِ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَثَّلُوا لِذَلِكَ: بِالْحِفَاظِ عَلَى الطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَحِفْظِ الصَّوْمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمِنْهُ الْعَقَائِدُ وَصِدْقُ الْإِيمَانِ أَوِ النِّفَاقُ، عِيَاذًا بِاللَّهِ.


• وفيه إن الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح؛ ولهذا عامل النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المنافقين معاملة المسلمين. حيث كان يُستأذن- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في قتلهم فيقول: ((لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ))؛ [البخاري].

 

ولهذا يجب علينا العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، عمل الجوارح علامة ظاهرة، لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أخبر النبي- عليه الصلاة والسلام- عن الخوارج يخاطب الصحابة يقول: ((يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يقرؤون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ))؛ [البخاري]، يعني أنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة لكن قلوبهم خالية والعياذ بالله؛ لأن المروق: يعني الاختراق والخروج بسرعة فائقة. والرمية: هي الهدف أو الصيد الذي يُرمى بالسهم.

 

وقال الحسن البصري- رحمه الله-: "والله ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صوم، وإنما سبقهم بما وقر في قلبه من الإيمان".

 

والإيمان إذا وقر في القلب حمل الإنسان على العمل، لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسان على إصلاح قلبه، فعلينا أن نعتني بقلوبنا وأعمالها، وعقائدها، واتجاهاتها، وإصلاحها وتخليصها من شوائب الشرك والبدع، والحقد والبغضاء، وكراهة ما أنزل الله على رسوله وكراهة الصحابة- رضي الله عنهم-، وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.

 

﴿ فَمَا لَهُ ﴾؛ أي: الإنسان يوم القيامة ﴿ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ ذاتية في نفسه يمتنع بها من عذاب الله وأليم نكاله﴿ وَلَا نَاصِرٍ ﴾؛ أي: من خارج منه، من قريب أو حليف ينتصر به ويدافع عنه.. ولم يبق له إلا انتظار الجزاء على ما قدم.

 

ولمّا كان رفع المكان في الدنيا إمَّا بقوة الإنسان نفسه، وإمَّا بنصر غيره له، أخبر الله بنفيهما يوم القيامة.


﴿ وَالسَّمَاءِ ﴾ قسم ثانٍ بالسماء ﴿ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ المطر. يسمى رجعًا؛ لأنه تعالى يرجعه وقتًا فوقتًا بتلقيح السحاب من جديد فينزل إلى العباد، ولولاه لهلكوا وهلكت مواشيهم.

 

والقسم فيه مُنَاسَبَة لِمَعْنَى الْبَعْثِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ فَإِنَّ الْبَعْثَ حَيَاةٌ مُعَاقَبَةٌ بِحَيَاةٍ سَابِقَةٍ.

 

﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴾ تنشق بالنبات، كما في قوله تعالى: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴾ [عبس: 24- 28]. قضبًا؛ أي: علفًا للحيوان.


﴿ إِنَّهُ ﴾ القرآن الكريم ﴿ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ قال القرطبي: إنه- أي القرآن- يفصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقانًا.


• أقسم سبحانه بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقُّق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها، والقرآن به حياة القلوب بعد موتها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾[الشورى: 52]، فسمَّى الله القرآن روحًا؛ لأنه تحيا به القلوب.

 

• ويجوز أن يعود الضمير في ﴿ إنه ﴾ على ما تقدم من الوعيد في هذه السورة ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ﴾ وسياق السورة يشهد لهذا القول الثاني؛ لأن السورة كلها في معرض إثبات القدرة على البعث وإعادة الإنسان بعد الفناء.


وإذا ربطنا بين القسم والمقسم عليه لكان أظهر وأوضح؛ لأن رجع الماء بعد فنائه بتلقيح السحاب من جديد يعادل رجع الإنسان بعد فنائه في الأرض، وتشقُّق الأرض عن النبات يناسب تشقُّقها يوم البعث عن الخلائق.


وقد سمي يوم القيامة بيوم الفصل كما في قوله: ﴿ لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾[المرسلات: 12 - 15].


﴿ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾؛أي: باللعب والهذيان واللغو، بل هو جدّ الجدّ.

 

قال في أضواء البيان: وَعَطْفُ ﴿ وَما هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَى الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ ﴿ قَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُفَسِّرِ أَنْ يَتَبَيَّنَ وَجْهَ هَذَا الْعَطْفِ وَمُنَاسَبَتَهُ، وَالَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَعْقَبَ بِهِ الثَّنَاءَ عَلَى الْقُرْآنِ رَدًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ؛ إِذْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جَاءَ يَهْزِلُ إِذْ يُخْبِرُ بِأَنَّ الْمَوْتَى سَيَحْيَوْنَ، يُرِيدُونَ تَضْلِيلَ عَامَّتِهِمْ حِينَ يَسْمَعُونَ قَوَارِعَ الْقُرْآنِ وَإِرْشَادَهُ وَجَزَالَةَ مَعَانِيهِ، يَخْتَلِقُونَ لَهُمْ تِلْكَ الْمَعَاذِيرَ لِيَصْرِفُوهُمْ عَنْ أَنْ يَتَدَبَّرُوا الْقُرْآنَ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ﴾ [فصلت: 26]، فَالْهَزْلُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ هُوَ ضِدُّ الْجِدِّ؛ أَعْنِي الْمَزْحَ وَاللَّعِبَ، وَمِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ إِذَا وَرَدَتْ فِي الْكَلَامِ الْبَلِيغِ لَا مَحْمَلَ لَهَا إِلَّا إِرَادَةَ التَّعْرِيضِ، وَإِلَّا كَانَتْ تَقْصِيرًا فِي الْمَدْحِ لَا سِيَّمَا إِذَا سَبَقَتْهَا مَحْمَدَةٌ مِنَ الْمَحَامِدِ الْعَظِيمَةِ.

 

﴿ إِنَّهُمْ ﴾ المكذبين به، الجاحدين لحقه، وَالتَّأْكِيدُ بِـ (إِنَّ) لِتَحْقِيقِ هَذَا الْخَبَرِ لِغَرَابَتِهِ.

 

﴿ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾يمكرون مكرًا لإبطال أمر الله وإطفاء نوره؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30].


• والجملة اسْتِئْنَاف بياني ينبئ عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ يَعْجَبُ مِنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْقُرْآنِ مَعَ أَنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ وَيَعْجَبُ مِنْ مَعَاذِيرِهِمُ الْبَاطِلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: هُوَ هَزْلٌ أَوْ هَذَيَانٌ أَوْ سِحْرٌ، فَبَيَّنَ لِلسَّامِعِ أَنَّ عَمَلَهُمْ ذَلِكَ كَيْدٌ مَقْصُودٌ. فَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِأَنَّهُمْ مَا يَصْرِفُهُمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِالْقُرْآنِ إِلَّا مَا تَحَقَّقُوهُ مِنْ عدم صدقه، وهم إِنَّمَا يَصْرِفُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ الْحِفَاظُ عَلَى سِيَادَتِهِمْ فَيُضَلِّلُونَ عامتهم بِتِلْكَ التعلات الْمُلَفَّقَةِ.

 

﴿ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾ وَالْكَيْدُ: إِخْفَاءُ قَصْدِ الضُّرِّ وَإِظْهَارُ خِلَافِهِ، فَكَيْدُهُمْ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا الْكَيْدُ الْمُسْنَدُ إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِمْهَالِ مَعَ إِرَادَةِ الِانْتِقَامِ عِنْدَ وُجُودِ مَا تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ مِنْ إِنْزَالِهِ بِهِمْ.

 

فالله تعالى يكيد لهم بالاستدراج حتى يأتي موعد إهلاكهم ويجازيهم على كيدهم. وهذا تسمية للعقوبة باسم الذنب، فسمى جزاء الكيد كيدًا «على سبيل المقابلة أو المشاكلة»، نحو قوله تعالى: ﴿ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾[آل عمران: 54] ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾[البقرة: 14- 15]﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾[النساء: 142].


وَقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ، أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ الكيد إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهُ اسْمٌ، وَإِنَّمَا يُطْلَقُ فِي مُقَابِلِ فِعْلِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ الْمُقَابَلَةِ لَا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَفِي مَعْرِضِ الْمُقَابَلَةِ فَهُوَ فِي غَايَةِ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْقُدْرَةِ، وَالْكَيْدُ أَصْلُهُ الْمُعَاجَلَةُ لِلشَّيْءِ بِقُوَّةٍ.


﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ ﴾ والإِمهالُ والتمهيلُ الانتظارُ. يقال: أَمْهَلْتُك كذا؛ أي: انتظرتُك لِتَفْعَلَه. والمعنى: انظرهم ولا تستعجل لهم.


﴿ أَمْهِلْهُمْ ﴾ بمعنى (مهلهم) فهو بدل منه للتأكيد. أو تكرير بلفظ آخر للتأكيد. يعني انتظر بمهلة ولا تنتظر بمهلة طويلة.

 

﴿ رُوَيْدًا ﴾الرويد: القليل. ومنه سار القوم رُوَيْدًا؛ أي: متمهِّلين غير مستعجلين.


أي: انتظرهم زمنًا قليلًا، كناية عن تحقُّق ما يحل بهم من العقاب؛ لأن المطمئن لحصول شيء لا يستعجل به.


• وفي ذلك وعيد شديد لهم بأن ما يصيبهم قريب، سواء كان في الحياة الدنيا أو فيما بعد الموت. ثم فيه الوعد للنبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بل لكل داعٍ إلى الحق الذي جاء به، أنه سيبلغ من النجاح ما يستحقه عمله، وأن المناوئين له هم الخاسرون.

 

• وفي هذه الآية تهديد لقريش، وتسلية للرسول- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ووعد له بالنصر. وحصل الأمر كما أخبر الله عز وجل، خرج النبي- عليه الصلاة والسلام- مهاجرًا منهم، وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السنة الثانية من الهجرة قُتل من صناديد قريش وكبرائهم وزعمائهم نحو أربعة وعشرين رجلًا، منهم قائدهم أبو جهل.

 

وبعد ثماني سنوات بل أقل من ثماني سنوات دخل النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مكة فاتحًا منصورًا ظافرًا، حتى إنه قال كما جاء في التاريخ وهو ممسك بعضادتي باب الكعبة وقريش تحته قال لهم: ((مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟))؛ لأن أمرهم أصبح بيده عليه الصلاة والسلام، قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، فقال: ((إني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]. قَالَ: ((اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ)). وإنما مَنَّ عليهم هذه المنَّة عليه الصلاة والسلام لأنهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير سورة الطارق
  • تفسير سورة الطارق
  • من الطارق؟ أنا رمضان (خطبة)
  • تفسير سورة الطارق

مختارات من الشبكة

  • وقفات تربوية مع سورة الكافرون (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سورة الكهف سورة النجاة من الفتن(مقالة - موقع د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر)
  • وقفات تربوية مع سورة النصر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مع سورة المزمل(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • خطبة: وقفات مع سورة الحج(مقالة - ملفات خاصة)
  • مع سورة نوح(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مع سورة المطففين (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • سلسلة هدايات القرآن (18) هدايات سورة البقرة: مع أنهم أفصح الناس إلا أنهم عجزوا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تفسيرية مع سورة الصافات(مقالة - مكتبة الألوكة)
  • مع سورة الحاقة (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك
  • وضع حجر الأساس لمسجد جديد في أوسينوفسكي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/1/1448هـ - الساعة: 15:29
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب