• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   بحوث ودراسات   كتب   مواد مترجمة  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    منهج علي بن أبي طالب في الدعوة إلى الله ...
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    صور من حياة الشباب في صدر الإسلام (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    دعوة الأقربين
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    المنهاج النبوي في دعوة الشباب (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    النبوة والأنبياء عند اليهود في العهد القديم (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    الدعاء وأهميته في الدعوة إلى الله (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    النظام السياسي في الإسلام (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    المنهج النبوي في التربية الإيمانية للشباب (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    التربية الخلقية بين الإسلام والعولمة
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    اقتران الأسماء الحسنى في أواخر الآيات من سورة ...
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    فقه الدعوة في صلح الحديبية (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    عقيدة اليهود في الصفات: دراسة نقدية في ضوء القرآن ...
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    سبل وقاية الأولاد من الانحراف من منظور إسلامي ...
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    دعوة الأقربين في القرآن الكريم (PDF)
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
  •  
    تعليقات الشيخ ابن باز على ابن حجر في (فتح الباري) ...
    أ. د. سليمان بن قاسم بن محمد العيد
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية
علامة باركود

رمضان وكسر العادات

رمضان وكسر العادات
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 11/2/2026 ميلادي - 23/8/1447 هجري

الزيارات: 20473

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

رمضان وكسر العادات


الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَعَلَّمَنَا الْقُرْآنَ، وَدَلَّنَا عَلَى رَمَضَانَ، وَفَرَضَ عَلَيْنَا الصِّيَامَ. نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ جَعَلَ الصَّوْمَ لَهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَجْزِي بِهِ؛ لِأَنَّهُ سِرٌّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِهِ؛ فَلَا يَعْلَمُ بِصَوْمِهِ وَفِطْرِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ خَيْرُ مَنْ عَظَّمَ رَمَضَانَ؛ فَصَلَّى وَصَامَ، وَقَنَتَ وَقَامَ، وَاعْتَكَفَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، وَبَذَلَ الْمَعْرُوفَ وَالْإِحْسَانَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاسْتَقْبِلُوا رَمَضَانَ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وَاعْزِمُوا عَلَى حِفْظِ الصِّيَامِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَكَثْرَةِ الْقِيَامِ وَالذِّكْرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَطُولِ الْيَدِ بِالصِّلَةِ وَالْبَذْلِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِحْسَانِ؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَدْفَعُهُ عَزْمُهُ إِلَى الْعَمَلِ، وَيُؤْجَرُ عَلَى نِيَّتِهِ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَوْدَتِهِ مِنْ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ -غَزْوَةِ تَبُوكَ: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، ‌حَبَسَهُمُ ‌الْعُذْرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمَنْ يَدْرِي فَلَعَلَّ مُؤْمِنًا نَوَى هَذِهِ النِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ قَبْلَ رَمَضَانَ، وَعَزَمَ عَلَى الْعَمَلِ فِيهِ، وَهُوَ مُشْتَاقٌ إِلَيْهِ؛ فَقَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِ الشَّهْرِ؛ فَكَتَبَ أَجْرَهُ بِنِيَّتِهِ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: يَأْلَفُ الْإِنْسَانُ عَادَاتٍ يَأْخُذُهَا عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، وَمِنْهَا الْمَحْمُودُ وَمِنْهَا الْمَذْمُومُ، وَقُوَّةُ الْإِنْسَانِ تَكْمُنُ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى كَبْحِ جِمَاحِ نَفْسِهِ، وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى عَادَاتِهِ؛ فَيُنَمِّي الْحَسَنَ مِنْهَا وَيَزِيدُهُ، وَيُضْعِفُ الْقَبِيحَ مِنْهَا حَتَّى يُزِيلَهُ مِنْ نَفْسِهِ. وَالْعَادَاتُ السَّيِّئَةُ فِي الْإِنْسَانِ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا عَادَاتُ الْكَلَامِ؛ كَمَنْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ السَّبُّ وَالشَّتْمُ وَاللَّعْنُ وَالْفُحْشُ وَقَبِيحُ الْكَلَامِ؛ حَتَّى يَأْلَفَ ذَلِكَ وَلَا يَسْتَنْكِفَ مِنْهُ، وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَادَاتٌ سَيِّئَةٌ كَمَنْ يَتَعَاطَى الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ مُسْكِرَاتٍ وَمُخَدِّرَاتٍ حَتَّى يَأْلَفَهَا، وَيَكُونَ أَسِيرًا لَهَا، لَا يَسْتَطِيعُ الِانْفِكَاكَ عَنْهَا وَلَوْ دَمَّرَتْ صِحَّتَهُ، وَقَضَتْ عَلَى مَالِهِ.

 

وَعَادَاتٌ فِي مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ وَالْقِيلِ وَالْقَالِ، وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهَا، لَا يَسْتَطِيعُ مُبَارَحَةَ مَجَالِسِهِمْ، وَلَا الِانْفِكَاكَ مِنْ لُقْيَاهُمْ، مَعَ مَا فِي مُجَالَسَتِهِمْ مِنَ الْإِثْمِ وَالتَّعَدِّي عَلَى النَّاسِ. وَفِي النَّظَرِ عَادَاتٌ أَدْمَنَ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا؛ كَمَنْ يَنْظُرُ إِلَى النِّسَاءِ الْكَاسِيَاتِ الْعَارِيَاتِ الْمُتَبَرِّجَاتِ، أَوْ يُدْمِنُ عَلَى مُشَاهَدَةِ أَفْلَامِ الْفَوَاحِشِ. وَفِي السَّمْعِ عَادَاتٌ سَيِّئَةٌ؛ كَمَنْ يُدْمِنُ عَلَى الِاسْتِمَاعِ إِلَى الْمُوسِيقَى وَالْأَغَانِي الَّتِي تُشْعِلُ الْقُلُوبَ بِالْغَرَامِ، وَتَدْعُو لِلْفَوَاحِشِ، وَعَادَاتٌ أُخْرَى سَيِّئَةٌ يَكْتَسِبُهَا الْإِنْسَانُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.

 

وَفِي رَمَضَانَ لِمَنْ صَانَ الصِّيَامَ، وَقَامَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي رَمَضَانَ؛ تَصْفِيَةٌ لِلنَّفْسِ مِنْ عَادَاتِهَا الْقَبِيحَةِ، وَتَزْكِيَةٌ لَهَا بِاكْتِسَابِ الْعَادَاتِ الْحَسَنَةِ الْمَحْمُودَةِ.

 

فَفِي جَانِبِ الْعَادَاتِ الْقَبِيحَةِ لِلْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَاللِّسَانِ نَجِدُ أَنَّ الصَّائِمَ مُلْزَمٌ بِمُجَانَبَةِ الزُّورِ وَالْجَهْلِ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَعَاصِي النَّظَرِ وَالسَّمْعِ وَاللِّسَانِ، وَأَنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ إِمْسَاكٍ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِذَا لَمْ يُمْسِكْ هَذِهِ الْجَوَارِحَ عَنِ الْحَرَامِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لَمْ ‌يَدَعْ ‌قَوْلَ ‌الزُّورِ ‌وَالْعَمَلَ ‌بِهِ ‌وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. بَلْ إِنَّ الصَّائِمَ لَوْ أُسِيءَ إِلَيْهِ بِقَبِيحِ الْكَلَامِ فَلَا يَرُدُّ الْإِسَاءَةَ بِالْإِسَاءَةِ لِأَجْلِ الصِّيَامِ؛ فَهُوَ مَأْمُورٌ فِي حَالِ مُخَاصَمَتِهِ وَغَضَبِهِ بِضَبْطِ لِسَانِهِ عَنِ السَّبِّ وَالشَّتْمِ وَقَبِيحِ الْكَلَامِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «... إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، ‌فَإِنْ ‌سَابَّهُ ‌أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَحَرِيٌّ بِمَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ شَهْرًا كَامِلًا عَلَى ضَبْطِ لِسَانِهِ عَنِ السَّبِّ وَالشَّتْمِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَسَرَ عَادَاتِ لِسَانِهِ الْقَبِيحَةَ. وَكَذَلِكَ مَنْ حَفِظَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ؛ فَحَرِيٌّ بِهِ أَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَسَرَ عَادَاتِهِ الْقَبِيحَةَ فِي إِطْلَاقِ بَصَرِهِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِرْخَاءِ أُذُنِهِ لِسَمَاعِهَا. فَيَصْلُحُ قَلْبُهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يَنْفُذُ مِنَ الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ يُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ صَلَاحًا وَفَسَادًا؛ فَإِذَا كَانَتِ الْأَسْمَاعُ مَشْغُولَةً بِالْقُرْآنِ، وَالْأَبْصَارُ مُدْمِنَةً عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَصَاحِفِ؛ أَثَّرَ فِي الْقُلُوبِ سَعَادَةً وَفَرَحًا وَصَلَاحًا. كَمَا أَنَّهُ إِذَا شُغِلَتِ الْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ بِالْمُحَرَّمَاتِ أَثَّرَ ذَلِكَ فِي الْقُلُوبِ تَعَاسَةً وَشَقَاءً وَفَسَادًا.

 

وَفِي النَّاسِ مَنْ أَدْمَنَ عَلَى تَعَاطِي شَيْءٍ مِنَ الْمُسْكِرَاتِ وَالْمُخَدِّرَاتِ، وَكَذَلِكَ مِنْهُمْ مَنِ ابْتُلِيَ بِعَادَةِ الدُّخَانِ وَالشِّيشَةِ وَنَحْوِهَا، وَرَمَضَانُ يُقَوِّي فِي دَاخِلِ أُولَئِكَ تَرْكَ هَذِهِ الْعَادَاتِ الْمُحَرَّمَةِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي تَهْدِمُ الصِّحَّةَ، وَتُضْعِفُ إِرَادَةَ صَاحِبِهَا بِالْإِدْمَانِ عَلَيْهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ يُظَنُّ بِالْمُسْلِمِ الَّذِي أَدْمَنَ عَلَى الْخُمُورِ أَوِ الْمُخَدِّرَاتِ إِذَا صَامَ أَنْ يَتْرُكَهَا فِي رَمَضَانَ مُرَاعَاةً لِحُرْمَةِ الشَّهْرِ، وَهَذَا يَكْفِي فِي إِقْلَاعِهِ عَنْهَا الدَّهْرَ كُلَّهُ. وَكَذَلِكَ الْمُبْتَلَى بِالدُّخَانِ أَوِ الشِّيشَةِ يُمْسِكُ عَنْهَا طُوَالَ النَّهَارِ، فَلَوِ أَتْبَعَ اللَّيْلَ فِي إِمْسَاكِهِ عَنْهَا؛ لَعُوفِيَ مِنْهَا وَتَرَكَهَا. وَكَمْ مِنْ مُدْمِنٍ عَلَى عَادَةٍ سَيِّئَةٍ مِنْ هَذِهِ الْعَادَاتِ كَانَ رَمَضَانُ مَحَلًّا لِتَوْبَتِهِ وَإِقْلَاعِهِ عَنْهَا. فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ شَهْرٍ إِنْ رَاعَى الْمُؤْمِنُونَ حُرْمَتَهُ، وَحَفِظُوا لَهُ حَقَّهُ.

 

وَفِي النَّاسِ مَنْ أَدْمَنَ مُجَالَسَةَ الْبَطَّالِينَ، وَعَجَزَ عَنْ مُفَارَقَتِهِمْ، مَعَ مَا يَكُونُ فِي مَجَالِسِهِمْ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَفَارَقَهُمْ فِي رَمَضَانَ، وَشُغِلَ بِالْمَسْجِدِ وَالْقُرْآنِ وَشَعَائِرِ رَمَضَانَ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَضَبَطَ نَفْسَهُ فِي رَمَضَانَ؛ كَانَ حَرِيًّا أَنْ يَكْسِرَ هَذِهِ الْعَادَةَ السَّيِّئَةَ فِي مُجَالَسَةِ الْبَطَّالِينَ، وَأَنْ يُفَارِقَ كُلَّ مَجْلِسٍ لَا نَفْعَ فِيهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ فَإِنَّ الْخَلْقَ مَا خُلِقُوا لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْعَبَثِ، وَإِنَّ وَرَاءَهُمْ حِسَابًا وَجَزَاءً؛ ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 115]. وَيَسْتَعِيضُ عَنْ مَجَالِسِهِ السَّابِقَةِ بِمَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْقُرْآنِ وَالصُّحْبَةِ الطَّيِّبَةِ؛ ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الْكَهْفِ: 28].

 

إِنَّ رَمَضَانَ كَفِيلٌ بِأَنْ يُغَيِّرَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ عَادَاتٍ سَيِّئَةٍ إِذَا أَحْسَنَ الْمُسْلِمُ اسْتِقْبَالَهُ، وَعَزَمَ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِيهِ، وَجَانَبَ مَجَالِسَ الزُّورِ وَالْمُنْكَرَاتِ، وَضَبَطَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَلِسَانَهُ عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَتَرَكَ كُلَّ عَادَةٍ سَيِّئَةٍ تَعَوَّدَ عَلَيْهَا؛ فَيَكُونُ إِدْرَاكُهُ لِرَمَضَانَ إِدْرَاكًا لِحَيَاتِهِ، وَإِنْقَاذًا لَهَا مِنَ الضَّيَاعِ، وَانْتِقَالًا لِنَفْسِهِ مِنَ الْفَرَاغِ وَالْعَبَثِ وَاللَّهْوِ وَالْمُحَرَّمَاتِ إِلَى الْعَمَلِ وَالْجِدِّ وَالطَّاعَةِ؛ فَيَسْعَدُ فِي حَيَاتِهِ، وَيَجِدُ عُقْبَى ذَلِكَ بَعْدَ مَمَاتِهِ. نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُسَلِّمَنَا إِلَى رَمَضَانَ، وَأَنْ يُسَلِّمَهُ لَنَا، وَأَنْ يَتَسَلَّمَهُ مِنَّا مُتَقَبَّلًا، وَأَنْ يُبَلِّغَنَا رَمَضَانَ فِي عَافِيَةٍ وَصِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ، وَأَنْ يَسْتَعْمِلَنَا فِيهِ بِطَاعَتِهِ، وَأَنْ يُجَنِّبَنَا فِيهِ مَعْصِيَتَهُ. إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 131- 132].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَنَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ رَمَضَانَ كَمْ مِنْ نَفْسٍ لَنْ تُدْرِكَهُ، وَكَمْ مِنْ نَفْسٍ صَامَتْهُ الْأَعْوَامَ الْمَاضِيَةَ وَرَحَلَتْ قَبْلَهُ، وَكَمْ مِنْ صَائِمِ رَمَضَانَ الَّذِي نَسْتَقْبِلُهُ يَمُوتُ أَثْنَاءَهُ، وَكَمْ مِنْ مُحْتَفِلٍ بِعِيدِهِ بَعْدَ رَمَضَانَ لَا يُدْرِكُهُ الْعَامَ الْقَابِلَ. هَكَذَا الدُّنْيَا، أَجْيَالٌ تَفِدُ إِلَيْهَا، وَأَجْيَالٌ تُغَادِرُ عَنْهَا، وَعَالَمٌ يَتَغَيَّرُ، مُنْذُ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأُسْكِنَ الْأَرْضَ، وَتَنَاسَلَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَهَذِهِ هِيَ سِيرَتُهُمْ: وِفَادَةٌ عَلَى الدُّنْيَا، وَسُكْنَى الْأَرْضِ، وَعَمَلٌ فِيهَا، ثُمَّ مُغَادَرَتُهَا، وِلَادَةٌ ثُمَّ طُفُولَةٌ ثُمَّ شَبَابٌ ثُمَّ كُهُولَةٌ ثُمَّ هَرَمٌ، ثُمَّ مَوْتٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ. كُلُّ النَّاسِ يُدْرِكُونَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ يُدْرِكُ حَقِيقَةً أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ بَعْدَ الْمَوْتِ بَعْثًا وَحِسَابًا وَجَزَاءً، وَجَنَّةً وَنَارًا، وَنَعِيمًا وَعَذَابًا، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْآخِرَةِ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ فِي الدُّنْيَا؛ ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [الْمُدَّثِّرِ: 38]، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ يُضَيِّعُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ دُنْيَاهُمْ فِيمَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ؟ وَلِمَ يَقْضُونَ أَوْقَاتَهُمْ فِيمَا يُوبِقُهُمْ وَلَا يُنْجِيهِمْ؟ وَلِمَ يَفْعَلُونَ مَا يُسَبِّبُ عَذَابَهُمْ، وَيَتْرُكُونَ مَا بِهِ فَوْزُهُمْ وَفَلَاحُهُمْ؟

 

إِنَّ الْعُمْرَ قَصِيرٌ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- وَإِنَّ كُلَّ حَيٍّ يَنْتَظِرُ الْمَوْتَ، وَإِنَّ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا إِلَى زَوَالٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، فَعَلَيْنَا بِالِاعْتِبَارِ قَبْلَ رَمَضَانَ، وَعَلَيْنَا بِالِاتِّعَاظِ بِمُرُورِ الْأَزْمَانِ، وَبِمَنْ يَرْتَحِلُ مِنَ النَّاسِ، مِمَّنْ صَامُوا مَعَنَا رَمَضَانَ الْمَاضِيَ وَهُمُ الْآنَ فِي قُبُورِهِمْ، يُنَعَّمُونَ أَوْ يُعَذَّبُونَ، يَا لَهَا مِنْ عِبْرَةٍ، فَهَلْ مِنْ مُعْتَبِرٍ؟!

 

كَمْ مِنْ مُحْتَفِلٍ بِعِيدِ الْفِطْرِ الْقَادِمِ، وَحَقُّهُ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْخَيْرِ فِي رَمَضَانَ؟ وَحَقُّهُ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى تَضْيِيعِ الطَّاعَاتِ، وَالْإِسْرَافِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ رَمَضَانَ. وَهَذِهِ تَذْكِرَةٌ قَبْلَ الشَّهْرِ، فَهَلْ مِنْ تَائِبٍ يَتُوبُ قَبْلَ رَمَضَانَ؟ وَهَلْ مِنْ مُفَرِّطٍ يُقْبِلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ فَيَعْزِمُ عَلَى الطَّاعَاتِ، قَدْ شَدَّ عَزْمَهُ، وَاشْتَاقَ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ، فَالْمَيْدَانُ أَمَامَكُمْ؛ فَسَابِقُوا فِي الطَّاعَاتِ، وَنَافِسُوا فِي الْخَيْرَاتِ؛ فَذَلِكَ الْمَيْدَانُ الْحَقِيقِيُّ لِلسَّبْقِ وَالْفَوْزِ؛ ﴿ قُلْ ‌يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزُّمَرِ: 53].

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • رمضان في مصر.. المذاق المختلف والعادات الأصيلة
  • شهر رمضان فرصة لتغيير العادات السلبية وبناء عادات إيجابية جديدة
  • المحطة التاسعة: العادات
  • القلب بين الصفا والاسفنجة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • ليالي رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • رمضان لا يسبق بصوم يوم أو يومين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أعمال العشر الأواخر من رمضان وأسرار الاعتكاف (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • وقفات بين يدي رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: المحبة في زمن الغفلة: استقبال رمضان بقلب حي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المرأة في رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • توبتك في رمضان(مقالة - ملفات خاصة)
  • الموازنة بين معجزة تكسير الخليل إبراهيم للأصنام وتكسير النبي محمد لها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من علامة الجر: الياء نيابة عن الكسرة والفتحة نيابة عن الكسرة(مقالة - حضارة الكلمة)
  • وداع رمضان(مقالة - ملفات خاصة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان
  • مسجد في بلاكبيرن يطلق ثلاجة غذائية لدعم الأسر المحتاجة
  • مسجد جديد في قراتشاي – تشيركيسيا
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/12/1447هـ - الساعة: 19:14
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب