• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   بحوث ودراسات   كتب   برنامج نور على الدرب   قالوا عن الشيخ زيد الفياض   مواد مترجمة   عروض الكتب  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    إقليم سدير في التاريخ (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    نظرات في الشريعة (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    الروضة الندية شرح العقيدة الواسطية (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    قاهر الصليبيين: صلاح الدين الأيوبي (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    القاضي إياس بن معاوية (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    نصائح العلماء للسلاطين والأمراء (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    في سبيل الإسلام (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    حقيقة الدروز (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    فصول في الدين والأدب والاجتماع (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    مؤتفكات متصوف (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    قضية فلسطين (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    من كل صوب (PDF)
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
  •  
    عرض كتاب " العلم والعلماء " للعلامة زيد الفياض
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    عرض كتاب: دفاع عن معاوية للدكتور زيد عبدالعزيز ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    آثار العلامة الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض رحمه ...
    دار الألوكة للنشر
  •  
    واجب المسلمين في نشر الإسلام.. الطبعة الثالثة ...
    الشيخ زيد بن عبدالعزيز الفياض
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

مشاعر حاج (خطبة)

مشاعر حاج (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/6/2026 ميلادي - 21/12/1447 هجري

الزيارات: 239

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مشاعر حاج

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فاطر:1]، أحمدهُ سبحانهُ وأشكرهُ، وأتوبُ إليهِ تعالى وأستغفرهُ، ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴾ [الحج:62].. وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدهُ لا شريك لهُ، ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [التغابن:2].. وأشهدُ أن محمدًا عبد اللهُ ورسولهُ، ومصطفاهُ وخليله، نبيٌ بُشِّرت بهِ الأمَّةُ، وتمَّتِ بِهِ النِّعْمةُ، وكُشِفتْ به الغُمَّةُ، وتنزَّلتِ به الرَّحمةُ، وأُمرنا أن نهتديَ بهداهُ، ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر:7].. صلَّى الله وسلَّمَ وبارك عليه وعلى جميع الآلِ والأصحابِ، وعلى التابعين لهم وتابعيهم بإحسانٍ إلى يوم المآبِ، وسلم تسليمًا كثيرًا..

 

أمَّا بعدُ: فأوصيكم أيُّها النَّاسُ ونفسي بتقوى الله عزَّ وجلَّ، فاتقوا اللهَ رحمكم اللهُ، واغتنموا الساعات، وجِدُّوا في الطاعات، وسارعوا في الخيرات، واحترسوا من الشهوات والشبهات، واحذروا الغفلاتِ فإنَّها دركاتٌ.. ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [غافر:39].

 

معاشر المؤمنين الكرام: من المؤكد أنّه ليس هناك مدينةً في العالم تحتضنُ من المواقف والذكريات، والمشاعر والحكايات، ما تحتضنه أم القرى ومهبط الوحي شرفها الله وزادها.

 

وما من حاجٍّ إلا وله فيها ذكرياتٌ لا تنسى، ومواقف لا تمحى، ومشاعرَ يصعُب التعبير عنها..

 

فمنذ اللحظة الأولى التي يقرر فيها المسلم أداء فريضة الحج، ينبضُ قلبهُ بالترقب والحماس، ويغمرهُ شعورٌ لا يعرف حقيقته إلا من عاشه وعايشه، إنه طوفانٌ من المشاعر الروحانية العميقة، تعجز الكلمات عن التعبير عنها..

 

يقول الشيخ ولي الله الدهلوي: وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشدَّ شوقٍ فيحتاجُ إلى شيءٍ يقضي به شوقهُ، فلا يجد إلا الحجّ..

 

ملايين البشر يجتمعون من أماكن شتى، وأجناسٍ مختلفة، ولغاتٍ متباينة، وألوانٍ متغايرة، ثم تجتمع قلوبهم على كلمةٍ واحدة، وشعائرَ موحدة.. ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء:92].

 

وما أن يصل الحاج إلى مكة المكرمة، إلا ويبدأ شعوره بالانتماء لأمةٍ واحدة، تتوحد في عبادة ربّ واحد؛ فيذوب في هذه الجموع المتوافدة، ويشعر بأنه جزءٌ من نسيجٍ إنساني واحد، تجمعه الألفة والأخوّة والتوجه السامي نحو خالق الكون سبحانه.. ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيق * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير ﴾ [الحج:27].

 

يقول أحد الحجاج: ما إن لبستُ الإحرام حتى شعرتُ أني خرجتُ من الدنيا كلها.. فلا ثيابُ، ولا زينة، ولا ألقاب.. مجردُ عبدٍ واقفٌ بباب مولاه.. وكل من حولي مثلي.. إنه شعورٌ لا يوصف من الأخوة والمساواة والتواضع..

 

وقال آخر: أي إحساسٍ ستشعرُ به حين تعلمُ أنَّ الحجرَ والشجرَ والمدرَ وكل ما حولك يتجاوبُ معك، ويلبي كما تلبي.

 

ويقول أحد الحجاج: ما إن اقتربت سيارتنا من مكة حتى شعرتُ أن قلبي يسبقني إليها.. لقد كنتُ أترقبُ رؤية الحرم كطفلٍ يتلهفُ لرؤية البحر، ولما يرهُ من قبل.. وواللهُ لا أستطيعُ أن أصفَ تلك اللحظة التي رأيتُ فيها الكعبة لأول مرة، شعرتُ أنني أقفُ أمامَ التاريخ كله، أمامَ المكان الذي طافَ حولهُ الملايين من المؤمنين عبرَ القرون.. وعلى رأسهم الأنبياء والصحابة والتابعين، وسادة الأمة من العلماء والصالحين.

 

وقال آخر: أولُ ما وقعَ بصري على الكعبة شعرتُ أن قلبي توقف.. كنتُ قد رتبتُ دعواتٍ كثيرة، وحفظتُ كلماتٍ طويلة، فما إن رأيتها حتى نسيتُ كل شيء.. ولم أستطع أن أقول أيّ شيء.. وكل ما فعلتهُ هو البكاء..

 

وقال حاجٌّ مسنّ: طوالَ عمري وأنا أسمعُ عن الكعبة، في الخطب والدروس والصور.. لكن الفرق بين من يسمعُ عنها ومن يراها، كالفرق بين من يسمعُ عن البحر ومن ينغمسُ فيه.. يا الله: إنَّ لهذا المكانِ من الجمال والجلال، ما لا تُنقلهُ الكلمات، ولا تعبرُ عنه اللغات.. لكأنَّ روحي تعرفُ هذا المكانَ من قبل أن تراه.

 

ويقولُ أحدهم: حين طفتُ حولَ الكعبة كان قلبي هو الذي يطوف.. وتعلمت حينها أنَّ الحياة كلها ينبغي أن تدور حول مُراد الله.. ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام:162].

 

وقال آخر: في كلِّ مرةٍ كنتُ ألمحُ الكعبةَ أشعرُ أنَّ قلبي سيخرجُ من مكانه.. ولا والله ليسَ في الدنيا كِلها مشهدٌ كهذا المشهد.

 

وقال حاج: حينما كنتُ أسعى بين الصفا والمروة، تجسدَ أمامي قول الحق جلَّ وعلا: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ [الليل:1].. فالحياةُ كلها مسعي، وسعيُنا فيها مختلفٌ شتَّى.. إلا أنَّ الجميعَ يركضُ إلى ربه ركضا.. ﴿ يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه ﴾ [الإنشقاق:6].

 

وفي يوم عرفة، يبلغُ الحاجُّ ذروةَ مشاعرهِ الروحانية، حيث تتجلى الرحمةُ الإلهية ويشعرُ الحاجُّ بقربه من الله.. وفي مشاعر تتجاوز الوصف، وتبقى محفورةٌ في الذاكرة كأعظم تجربةٍ روحيةٍ يمكنُ أن يعيشها الإنسان.. ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيم ﴾ [النور:10].

 

يقول أحدهم: واللهِ لو لم يكن في الحجّ إلا يومُ عرفة لكفى.. تشعرُ أنَّ الدنيا كلها صغيرةٌ جدًا، وأنها تافهةٌ جدًا.. وأنَّ السماءَ قريبةٌ جدًا.. وأن أبوابها مفتوحة.. وأنَّ الله لا يريدُ منا إلا الصدق.

 

ويقولُ أحدهم: رغم حرارة الشمسِ الحارقة، ورغم الإرهاق والتعب.. إلا أنّ القلوبَ لها شأنٌ آخر.. ترى ذلك في الوجوه الخاشعة، والأيدي الممتدة نحو السماء، والدموع المنهمرة بغزارة.. حتى لقد شعرتُ أنّ الأرضَ كلها تبكي في ذلك اليوم.

 

ويقول آخر: في عرفات تمنيتُ لو أنَّ الزمن يتوقف، وألا تغرب الشمس أبدًا.

 

ومع غروب شمسِ عرفة، تبدأُ رحلةُ النفرةِ إلى مزدلفة.. فتسيرُ الجموعُ في مشهدٍ مهيب، تتعانقُ فيه السكينةُ مع التعب، والرجاءُ مع الخشوع.. حتى إذا بلغوا مزدلفة، شعروا وكأنَّ أرواحهم قد ألقت عن كواهلها أثقال الدنيا وهمومها.. ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [البقرة:199].

 

يقول أحد الحجاج: أمَّا ليلةُ مزدلفة فكانت من أعجب ليالي العمر.. ليلةٌ هادئةً ساكنة، في أرضٍ مفتوحة، وسماءٍ عريضة، تتلألأُ نجومها كالقناديل، وملايينُ البشرِ ينامون على الأرض بلا تكلُّف ولا ترتيب.. هناك أحسستُ بالبساطة، وأن الإنسانَ يعودُ إلى فطرته الأولى.. عبدٌ ضعيفٌ يتجرَّدُ من كل شي، يفترشُ الأرضَ ويلتحفُ السماء.. ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾ [طه:55]..

 

وقال آخر: رغم أنني نمت على الأرض، لكني والله ما نمتُ ليلةً أهدأ منها.. كان الهواء باردًا، والناسُ مُتعبين، والسماءُ مليئةٌ بالنجوم.. وشعورٌ غامرٌ بصغر الدنيا كلها أمامَ عظمة الله جلّ وعلا.. وأنَّ الناسَ كُلهم سواء.. فلا غنيَّ ولا فقير.. ولا رئيسَ ولا مرؤوس.. وإنما عبادٌ جمعهم الافتقارُ إلى الله..

 

وحين يرمي الحاجُّ الجمرات، يتجسدُ في فعله قمعهُ لوساوس الشيطانِ ومقاومتهِ لإغواءات الدنيا وإغراءاتها.. ويُخامرهُ شعورٌ مزدوجٌ من الفرح والانتصار، ومجاهدة النفس.. ويشعرُ بأنه قد ولدِ من جديد..

 

يقولُ أحدُ الحجاج: في طريقي بين الجمرات تخيلتُ أنبياء الله: إبراهيم وإسماعيل وموسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم وهم يمرون من هنا.. فقلت لنفسي: ما أجملَ أن نسير في طريق الأنبياء..

 

وقال آخر: في رمي الجمرات كنتُ أشعر أن كلَّ حصاةٍ تخرجُ من قلبي قبل يدي.. ولم أشعر أنني أرمي حصياتٍ صغيرة.. لقد كنتُ أرمي ذنوبي القديمة، وشهواتي، وغفلتي، وكسلي، وتقصيري، وكلُّ شيءٍ يُبعدني عن الله.. ولكأني أُعلنُ الحربَ على شيطاني وعلى نفسي الأمارة بالسوء.. ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النازعات:40]..

 

وتنتهي رحلةُ الحجّ بطواف الوداع، ليحملَ الحاجُّ في قلبه ذكرياتٍ لا تُنسى، ومشاعرَ روحانية ستظلُ تلازمهُ طوالُ حياته.. طوافٌ أخيرٌ فيه تجديدٌ للعهد مع الله، وتأكيدٌ على العزمِ بالاستمرار على الطريق المستقيم.. وليشعر الحاجُّ بعدها بفيضٍ من المشاعر المتداخلة، مزيجٌ من الحزن على وداع هذه الأماكن المقدسة، وفرحٌ غامرٌ بإتمام النسك والعودة إلى الأهل والأحباب والوطن، بنفسٍ مطمئنة، وصحيفةٍ بيضاء نقية، كيوم ولدتهُ أمهُ بإذن الله..

 

يقول أحد الحجاج: لقد كانت أشدُّ لحظات الحجّ ألمًا عندي هي طواف الوداع.. كنتُ أطوفُ وأقول في نفسي: يا ربّ لا تجعل هذا آخرَ العهد بهذا المكان.. وحين نظرتُ إلى الكعبة آخرَ مرةٍ شعرتُ أن شيئًا من قلبي يُنتزعُ مني.. صدق ربي: ﴿ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ﴾ [إبراهيم:37]..

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُوْلِي الأَلْبَاب ﴾ [البقرة:197].

أقول ما تسمعون...

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى..

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين.. وكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه...

 

معاشر المؤمنين الكرام: الحجّ رِحلةُ روحانية تنطوي على معانٍ ودلالات عميقة؛ رحلةٌ قدسية لتطهير النفس، وتصفيةِ القلوب، وتجديدِ العهد مع الله..

 

يقولُ أحدُ الحجاج: في الحجّ تتعلمُ أنَّ الإنسانَ يستطيعُ أن يعيشَ بأقلَّ مما يظن.. وأنّه يستطيعُ أن يستغني عن أشياء كثيرةٍ كان يظنها من الضروريات التي لا يمكن الاستغناءُ عنها.. وتتعلمُ أيضًا أنَّ الطريقَ إلى الجنة ليسَ مفروشًا بالراحة والرياحين.. ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين ﴾ [العنكبوت:69]..

 

وقال أحدهم: في الحجّ رأيتُ الدنيا كلها تسقطُ من عيني.. ورأيتُ أن الناس على الحقيقة كُلهم سواء لا فرق بينهم، وأنَّ ما بينهم من الاختلافات مجردَ مظاهرَ عارضة.. يمكنُ أن تزولَ بكل سهولة.. وأنّ الحياةَ الحقيقيةَ أن يكون لك قلبٌ يسيرُ بك إلى الله..

 

ويقولُ آخر: في الحجّ كان سماعي للقرآن مختلفًا.. وكانت صلاتي مختلفة.. وكان دُعائي مختلفًا.. حتى قلبي كان مختلفًا..

 

ويقول آخر: الحجُّ مدرسة، ففي الزحام تتعلمُ الصبر والتسامح.. وفي الدعاء تتعلمُ الافتقارَ والرجاء.. وفي أداء الشعائرِ تتعلمُ معنى التَّسليمَ والعبودية..

 

ويقولُ أحدُ الحجاج: لقد أصبحتُ أرى الدنيا أصغر، والآخرةَ أقرب، والذنوبَ أبغضَ إلى نفسي، والطاعةَ أحبَّ إلى قلبي.. وما رأيتُ نفسي أفقرَ إلى الله كما رأيتها في الحج..

 

وقال أحدُ الحجاج: كلُّ إنسانٍ في الحج يشعرُ أنه جاء متأخرًا جدًا إلى الله.. وأنَّ اللهَ أقربَ إليه مما كان يظن..

 

وقال آخر: حينما أكرمني اللهُ بأداء الحج، أدركتُ أنَّ كثيرًا من الأشياء التي كانت تُزعجني لم تعد تستحقُ الاهتمام.. وأنَّ أعظمَ مصائب الإنسان ليست الفقرَ ولا المرض.. وإنما هي البعدُ عن الله.. ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [طه:124]..

 

ويقولُ أحدُ الحجاج: هذه الأيام التي قضيناها هنا هي خُلاصةُ العمرِ وزُبدةُ الأيام، وما سِواها فأوهامٌ، وأحلامُ منام".. والله إنهُ لشيءٌ كبيرٌ، وفضلٌ من الله عظيمٌ، أن جعلني من ضيوفه وحجاجَ بيتهِ.. وحين استرجعُ ذكريات الحجّ.. وكيف كان شعورنا بالفرح والغبطةِ والامتنانِ والشكر لله على نعمة التوفيقِ لأداء الحجّ.. أتعجبُ كيف سيكونُ شعورُ أهلِ الجنةِ وفرحهم وغبطتهم بعد أن يمُنَّ اللهُ عليهم بدخولها.. اللهم لا تحرمنا فضلك وكريم عطائك..

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة:281]..

 

ويا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • إذا أحببت الله.. (خطبة)
  • خطبة: صلاة القلب
  • أيهجر القرآن؟.. (خطبة)
  • واجبنا نحو رسولنا صلى الله عليه وسلم (خطبة)
  • إنما يعمر مساجد الله (خطبة)
  • الكعبة المشرفة: تاريخ وأشواق (خطبة)
  • يومي عرفة والنحر، أعظم أيام الله (خطبة)
  • خطبة عيد الأضحى {قال أسلمت لرب العالمين}

مختارات من الشبكة

  • خطوات عملية لإدارة المشاعر(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • خطبة: الاستثمار الإيماني بعد رمضان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • جمال الحوض المورود (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطبة " ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب "(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • منزلة العقل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة (أرحنا بها يا بلال)(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • صلاتك معراجك (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطف التدبير من العزيز الرحيم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأضاحي معان إيمانية ولمحات تربوية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العمل بعد موسم عشر ذي الحجة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان
  • مسجد في بلاكبيرن يطلق ثلاجة غذائية لدعم الأسر المحتاجة
  • مسجد جديد في قراتشاي – تشيركيسيا
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/12/1447هـ - الساعة: 19:14
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب