• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | المكتبة المرئية   المكتبة المقروءة   المكتبة السمعية   مكتبة التصميمات   المكتبة الناطقة   كتب د. سعد الحميد   كتب د. خالد الجريسي  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    قراءة لقصيدة نهاية التجربة للزبيري
    هشام محمد سعيد قربان
  •  
    الحجاج: رؤية تاريخية
    د. أيمن أبو مصطفى
  •  
    بصائر في تحريرات سورة يوسف: مدخل تعليمي إلى رواية ...
    يمينة عبدالي
  •  
    فقه الأخلاق الإسلامية: رؤية تربوية في تهذيب ...
    د. محمد خالد السميري
  •  
    من سلسلة أحكام فقهية مختصرة: صلاة الجماعة
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    اللقاء الحادي عشر | هل تريد دراسة النحو من الصفر؟ ...
    محمد مكاوي
  •  
    نزهة الألباب في رياض الآداب: تهذيب كتاب الآداب ...
    منشورات مركز الأثر للبحث والتحقيق
  •  
    كيف تنال البركة؟ وماهي موانع تحصليها؟ (WORD)
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    سلسلة الموانع (1) موانع طلب العلم (PDF)
    السيد مراد سلامة
  •  
    وقفات مع آيات الميراث (PDF)
    نصير حسين
  •  
    الحلك في معاني الفلك (PDF)
    د. غمدان بن أحمد شريح آل الشيخ
  •  
    شرح حديث (من غدا إلى المسجد أو راح...)
    الداعية عبدالعزيز بن صالح الكنهل
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / تفسير القرآن
علامة باركود

وقفات مع سورة ق

وقفات مع سورة ق
الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي التميمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 6/12/2018 ميلادي - 29/3/1440 هجري

الزيارات: 40586

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

وقفات مع سورة ق


الْـخُطْبَةُ الْأُولَى

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَخَلِيلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا.


أمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللَّهَ - عِبَادَ اللَّهِ - حقَّ التَّقْوَى؛ وَاعْلَمُوا أنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى. وَاعْلَمُوا بِأَنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَأَنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثُاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.


عِبَادَ اللهِ، نَقِفُ الْيَوْمَ مَعَ سُورَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ سُوَرِ الْـقُرْآنِ، قَالَتْ عَنْهَا أُمُّ هَاشِمٍ، رَضْيَ اللهُ عَنْهَا: مَا حَفِظْتُ ﴿ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ [ق: 1] إِلَّا مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَـرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ"، رَوَاهُ أَحْـمَدُ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.


عِبَادِ اللهِ، بَدَأَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ ق ﴾ [ق: 1] لِيُبَيِّنَ اللهُ لِلْعَرَبِ، مِنْ خِلَالِ الْحُرُوفِ الْمُتَقَطِّعَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ يَحْمِلُ لُغَتَهُمْ، وَمِنْ حُرُوفِهِم الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ حَرْفاً، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ. ﴿ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ﴾ [ق: 1]؛ أَي: الْكَرِيمِ، فَكُلٌ يَأْخُذُ مِنَ الْقُرْآنِ بِقَدْرِ مَا وَهَبَهُ اللهُ وَيُنَاسِبُهُ، ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ﴾ [ق: 2] حَيْثُ عَجِبَ الْكُفَّارُ مِنْ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْكَرُوا رِسَالَتَهُ، مَعَ أَنَّهُ مِنْهُمْ. ثُـمَّ جَاءَ عَجَبُهُمُ الثَّانِي: ﴿ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ﴾ [ق: 3] حَيْثُ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ، بِحُجَّةِ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ تَـحَلَّلَتْ، وَصَارَتْ تُرَاباً؛ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ [ق: 4] فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ مِنْ أَجْسَادِهِمْ بَعْدَ تَحَلُّلِهَا، فَهُوَ لَا يَضِيعُ فِي الْأَرْضِ، بَلْ هُوَ مَحْفُوظٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا عَمِلُوهُ مَكْتُوبٌ وَمَحْفُوظٌ، فَلَابُدَّ مِنْ بَعْثٍ وَحِسَابٍ وَجَزَاءٍ عَلَى الْعَمَلِ، ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ ﴾ [ق: 5] أَيْ: مُخْتَلِطٍ وَمُلْتَبِسٍ عَلَيْهِمْ؛ فَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ لَمْ يُؤْمِنُوا، وَكَذَّبُوا فَوَقَعُوا فِي الْاِخْتِلَافِ، فَكُلٌ مِنْهُمْ يَدَّعِي رَأْيًا، ثُمَّ خَاطَبَهُمُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ ﴾ [ق: 6]؛ فَالسَّمَاءُ مُحْكَمَةُ الْبِنَاءِ وَيَرَوْنَهَا بِأَعْيُنِهِمْ، أَلَا تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ خَالِقٍ؟ أَلَمْ تُثِرْهُمْ زِينَةُ السَّمَاوَاتِ بِمَا فِيهَا مِنْ نُجُومٍ وَشَمْسٍ وَقَمَرٍ؟ أَلَـمْ يَلْفِتْ نَظَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يُوجُدُ فِي هَذَا الْبِنَاءِ الْعَظِيمِ الْـمُعْجِزِ شُقُوقٌ وَلَا فَتَحَاتٌ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [ق: 7]، فَهَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِـي يعِيشُونَ عَلَيْهَا، وَهِيَ عَلَى مَدِّ الْأَبْصَارِ، لَيْسَ لَهَا طَرَفٌ، لِأَنَّ اللهَ مَدَّهَا وَسَطَحَها، فَكُلُّ فِرَاشٍ لَهُ طَرَفٌ إِلَّا الْأَرْضَ.

مَنْ ذَا الَّذِي بَسَطَ الْبَسِيطَةَ لِلْوَرَى ♦♦♦ فَرْشًا وَتَوَّجَهَا بِسَقْفِ سَمَائِهِ؟


وَهَذِهِ الْأَرْضُ الْمَغْمُورَةُ بِالْمِيَاهِ، قَدْ ثُبِّتَتْ بِالْـجِبَالِ الْعَظِيمَةِ الرَّاسِيَاتِ عَلَيْهَا حَتَّـى لَا تَضْطَرِبَ، وَاللهُ أَنْبَتَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ ﴿ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ﴾ [ق: 7]؛ فَمِنْ كُلِّ شَكْلٍ خَلَقَ هَذِهِ النَّبَاتَاتِ الْبَـهِيجَةَ، حَسَنَةَ الْـمَنْظَرِ، حَيْثُ تُبْهِجُ النُّفُوسَ؛ لِاخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا، وَطِيبِ رَائِحَتِهَا.

تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الأَرْضِ وَانْظُرْ ♦♦♦ إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْـمَلِيكُ


ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ﴾ [ق: 8] فَكُلُّ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ يُنِيرُ الْبَصَائِرَ، وَتَتَفَتَّحُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَيَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ عَبْدٍ مُنِيبٍ إِلَى رَبّهِ، رَاجِعٍ إِلَيْهِ. ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴾ [ق: 9]؛ حيث أَنْزَلَهُ اللهُ لِيُغَذِّي الْأَشْجَارَ، وَيَمْلَأَ الْآبَارَ، وَيَشْرَبَ مِنْهُ النَّاسُ وَدَوابُّهُمْ، وَيُنْبِتَ الْـحُبُوبَ الَّتِي تَـحْصُدُونَهَا كَحُبُوبِ الْبُرِّ وَالذُّرَةِ وَالْأَرُزِّ وَغَيْرِهَا؛ ﴿ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ﴾ [ق: 10]طوِيلَاتٍ ثِـمَارُهَا مُتَرَاكِبٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ﴿ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [ق: 11] فَهَذِهِ الْأَمْطَارُ الْمُنْهَمِرَةُ مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ سَبَبًا لِأَنْ يُرْزَقَ النَّاسُ، وَأَنْ تَحْيَا الْأَرْضُ الْهَامِدَةُ الْمَيِّتَةُ. فَالَّذِي أَحْيَا الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْـسَامِ بَعْدَ مَوْتِهَا.

سُبْحَانَ مُحْـيي الأَرْضِ بَعْدَ مَـمَاتـِهَا ♦♦♦ وَكَذَاكَ يُـحْيِي الْـخْلْقَ يَوْمَ الْـمَحْشَرِ


ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ﴾ [ق: 12] فَأَوَّلُ الرُّسُلِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ كُذِّبَ، وَأَصْحَابُ الرَّسِّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ آبَارٍ، كَذَّبُوا نَـبِـيَّهُمْ، فَأَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ.


وَقَوْمُ ثَمُودَ كَذَّبُوا نَبِـيَّ اللهِ صَالِـحًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ﴿ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ ﴾ [ق: 13، 14] وَكَذَلِكَ كَذَّبَ قَوْمُ عَادٍ، نَبِيَّهُمْ هُودًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَذَّبَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَ كَذَّبَ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرِسَالَتِهِ، وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ - بِلَاُدُ مَدْيَنَ الَّتِـي بِالْقُرْبِ مِنْ تَبْوكٍ - كَذَّبُوا نَبِـيَّ اللهِ شُعَيْبًا، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقَوْمُ تُبَّعٍ فِي الْيَمَنِ، كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللهُ جَمِيعًا. ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ﴾ [ق: 14] وَهَذَا مِنْ عَجِيبِ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ؛ فَهَؤُلَاءِ كَذَّبُوا نَبِيـَّــهُمْ وَرُسُولَـهُمْ فَقَطْ، وَلَكِنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ كَذَّبَ بِرَسُولٍ وَاحِدٍ فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ؛ لِأَنَّ رِسَالَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدَةٌ فَوَقَعَ عَلَيْهِمُ الْـهَلَاكُ، الَّذِي تَوَعَّدَ اللهُ بِهِ كُلَّ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ﴾ [ق: 15] أَيْ: هَل أَعْجَزَتْنَا نَشْأَتُكُمُ الْأُولَى حَتَّى تُكَذِّبُوا بِالْبَعْثِ؟! فَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِنْشَاءِ مِنْ لَا شَيْءَ؛ فَهُوَ بِلَا شَكٍّ قَادِرٌ عَلَى الْإِعَادَةِ مِنْ شَيْءٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ خِلَالِ نَظَرِ الْعُقُولِ، فَالْبَعْثُ أَهْوَنُ مِنَ النَّشْأَة الْأُولَىِ. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ق: 15]، فَأَهْلُ الشِّرْكِ فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ. فَالْتَبَسَ عَلَيْهِمْ إِعَادَةُ الْخَلْقِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ خَلْقًا جَدِيدًا. ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ﴾ [ق: 16]، إِنَّ الْقَلْبَ وَاللهِ لَيَـرْتَـجِفُ وَيَضْطَرِبُ مِنْ عِظَمِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَنَفْسُ الإِنْسَانِ عِنْدَ اللهِ مَكْشُوفَةٌ لَا يَـحْجِبُهَا سِتْـرٌ، وَكُلُّ مَا فِيهَا مِنْ وَسَاوُسَ خَافِيَةٍ عَنِ النَّاسِ؛ فَهِيَ عِنْدَ اللهِ مَعْلُومَةٌ. فَحَرَكَاتُهُ وَأَقْوَالُهُ، وَأَحَادِيثُ نَفْسِهِ، كُلُّهَا تَـحْتَ رِقَابَةِ الوَاحِدِ الأَحَدِ، ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: 16] فَأَخْبَـرَ اللهُ أَنَّهُ تَعَالَى أَقْرَبُ إِلَى عَبْدِهِ بِعِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ، وَقُرْبِ مَلَائِكَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْعِرْقِ الْكَبِيـرِ الَّذِي فِي رَقَبَتِهِ. ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ [ق: 17] فَهُنَاكَ مَلَكٌ عَنْ يَـمِيـنِ الإِنْسَانِ يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ، وَمَلَكٌ عَنْ شِـمَالِهِ يَكْتُبُ السَّـيِّـئَاتِ، فَمَا يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ، وَمَا يَصْدُرُ منه مِنْ فِعْلٍ؛ إِلَّا وَيُبَادِرُ الْمَلَكَانِ بِتَسْجِيلِهَا: لَهُ أَوْ عَلَيْهِ. فَالْمَلَكُ مُرَاقِبٌ لأَعْمَالِكَ، وَحَافِظٌ لَـهَا، وَمُعَدٌّ لِكِتَابَةِ أَفْعَالِكَ وَمُسْتَعِدٌّ للشَّهَادَةِ عَلَيْكَ. ثَمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19]، فَالْمَوْتُ بِـمَا فِيهِ مِنْ ثَوَابٍ وَعِقَابٍ مُلاَقِيَنَا لا مَـحَالَةَ، لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفِرَّ مِنْهُ، وَلهُ سَكْرَةٌ؛ شَعَــرَ النَّبِـيُّ، صَلَّى اللهِ عَلَيه وَسَلْمَ، بِـهَا فَقَالَ:(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ إِنَّ لِلْمَوْتِ لِسكرَاتٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ فَشُعُورُ غَيْـرِهِ بِـهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى. فَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَـحِيدَ عَنْهُ، أَوْ نـهْرُبَ وَنَرُوغَ مِنْهُ حَيْثُ جَاءَ مَا لَا يُردُّهُ دُعَاءٌ، وَلَا دَوَاءٌ.

وَقَدْ أَتَوْا بِطَبِيبٍ كَي يُعُالٍـجَنَـي ♦♦♦ وَلَـمْ أَرَ الطِّبَّ هَذَا الْيَوْمَ يَنْفَعُنِـي


ثَمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ﴾ [ق: 20]، فَيَوْمُ وُقُوعِ الْوَعِيدِ؛ يَنْفُخُ إِسْرَافِيلُ – عَلَيهِ السَّلَامُ نَفْخَةً عَظِيمَةً يَقُومُ مِنْ هَوْلِهَا النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ. ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ق: 21] يَا لِهَوْلِ الْمَوْقِفِ! سَتُسَاقُ كُلُّ نَفْسٌ لِلْمُحَاكَمَةِ، وَمَعَهَا مَنْ يَسُوقُهَا إِلَى الْمَحْشَرِ، وَمَنْ يَشْهِدُ عَلَيْهَا. ثُــمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى:﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ ﴾  [ق: 22] فَلَقَدْ كُنَتْ أَيُّهَا الْـجَاحِدُ لِلْبَعْثِ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا الْمَشْهَدِ؛ فَالْيَوْمَ اِنْكَشَفَ عَنْكَ الْغِطَاءُ، وَأَرَيْنَاكَ مَا كَانَ مَسْتُورًا عَنْكَ، ﴿ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾ [ق: 22] حَيْثُ أُعْطِيتَ قُوَّةً فِي الِإبْصَارِ؛ لِتَرَى مَا أَمَامَكَ وَحَوْلَكَ مِنَ الأَهْوَالِ، وَتَنْظُرَ إِلَى الْمِيزَانِ؛ الذي تُوزَنُ به حَسَنَاتُكَ وَسَيِّئَاتُكَ بِنَظَرٍ حَادٍّ. ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 23]، فَمَعَكَ أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ قَرِينٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يُبَيِّـنُ أَنَّ مَعَهُ سِجِلٌّ قد كَتَبَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ فَعَلْتَهُ، وَهُوَ مَعَهُ الآنَ مُعَدٌّ وَمُثْبَتٌ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ للشَّهَادَةِ عَلَيْكَ. وَبَعْدَ ظُهُورِ هَذَا السِّجِلِّ يَصْدُرُ الأَمْرُ النَّافِذُ مِنَ الْقَوِيِّ الْـجَبَّارِ: ﴿ أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾ [ق: 24 - 26] فَيُلْقَى فِي النَّارِ كُلُّ كَثِيرِ الْكُفْرِ بِاللهِ، كَمَنْ يَكْفُرُ بِالرُّسُلِ وَبِالْنِّعَمِ وَبِالْبَعْثِ، وَمُعَانِدٍ لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُلِهِ، وَيَـمْنَعُ الزَّكاَةَ، وَيَـمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ، بإِثَارَةِ الشُّبَهِ، أَوْ بِقُوَّةِ سُلْطَانِهِ وَمَالِهِ، وَمَنَ يَعْتَدِي عَلَى أَعْرَاضِ النَّاسِ وَأَمْوَالِـهِمْ وَدِمَائِهِمْ، فَلَا يَسْلَمُ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ، نَاهِيكَ عَنْ أَنَّهُ شَاكٌّ فِي الْـحَقِّ. ﴿ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ [ق: 26] حَيْثُ جَعَلَ مَعَ اللهِ شُركاءَ وَأَنْدَادًا يَعْبُدُهُمْ مِنْ دُونِهِ؛ فَيُلْقَى كُلُّ مَنْ اِتَّصَفُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ، سَواءً بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا أَمْ جَمِيعِهَا، فِي الْعَذَابِ الَّذِي وَصَفَّهُ اللهُ بِالشِّدةِ. ثُـمَّ نَقِفُ مَعَ عَجَائِبِ الْقُرْآنِ: ﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾ [ق: 27] فالْقَرِينُ فِي الآيَةِ السَّابِقَةِ الْمَلَكُ، أَمَّا الْقَرِينُ فِي هَذِهِ الآيَةِ فَهُوَ الشَّيْطَانُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِإنْسَانَ بَدَأَ يُلْقِي التُّهَمَ وَمُبَرِّرَاتِ ضَلَالِهِ عَلَى الشَّيْطَانِ، لِيُبَرِّئَ نَفْسَهُ؛ فَيُبَادِرُ قَرِينُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ إِلَى إِبْعَادِ التُّهَمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَيُعْلِنُ بَراءَتَهُ مِنْ طُغْيَانِ هَذَا الرَّجُلِ، وَيُبَيِّنُ بِأَنَّ هَذَا الإِنسانَ أَصْلًا ضَالٌّ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ الْمَسْؤُولُ عَنْ تَصَرُّفَاتِهِ. ثُـمَّ يَصْدُرُ الأَمْرُ الإِلَـهِيُّ: ﴿ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ ﴾ [ق: 28]، فَالْخُصُومَةُ بَيْنَ الإنسانِ وَشَيْطَانِهِ لَا فَائِدَةَ مِنْهَا الآنَ، فَكُلُّ شَيْءٍ مُسَجِّلٌ، وَلَا يُظْلَمُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّهُمْ بَيْـنَ يَدِيِ الْـحَكَمِ الْعَدْلِ. ﴿ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ﴾ [ق: 30]، حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يُقَالُ لِجَهَنَّمَ: هَلِ امْتَلَأْتِ، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَيَضَعُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدَمَهُ عَلَيْهَا، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ"، أَيْ: كَفَانِي كَفَانِي. رَوَاهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَهُنَا يَنْتَهِي مَشْهَدُ الْـحِسَابِ الْمُفْزِعِ الشَّدِيدِ. ثُـمَّ تَنْـقِلُنَا هَذِهِ السَّوْرَةُ الْعَظِيمَةُ لِمَشْهَدِ آخَرَ مِنْ مُشَاهِدِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَشْتَاقُ لَهُ الْأَنْفُسُ؛ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ﴾ [ق: 31] فَهِيَ غَيْـرُ بَعِيدَةٍ عَنِ الْـمُتَّقِيـنَ، فَهُمْ يَرَوْنَهَا، وَيَسْتَمْتِعُونَ بِقُرْبِ دُخُولِهِمْ إِيَّاهَا، وَهَذَا الْوَعْدُ آتٍ بِلَا شَكٍّ. ثُـمَّ قَال تَعَالَى: ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ﴾ [ق: 32] فَيَنَالُ الجنة كُلُّ رَجَّاعٍ إِلَى الْـحَقِّ تَائِبٍ مِنْ الذَّنْبِ، حَافِظٍ لِـحُدُودِ اللهِ فَلَا يَقَعُ فِيهَا، وَحَافِظٍ لِذُنُوبِهِ لِيَتُوبَ مِنْهَا ﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ﴾ [ق: 33] وَالْـخَوْفُ مِنَ اللهِ بِالْغَيْبِ عَنْ أَعْيُـنِ النَّاسِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ الإِيـمَانِ. ﴿ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ [ق: 33]، فَيَنَالُ الْـجَنَّةَ كُلُّ رَاجِعٍ إِلَى طَاعَةِ اللهِ، بَعِيدٍ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. فَجَاءَ الأَمْرُ الإِلَـهِيُّ تَكْرِيـمًا لَـلمُؤْمِنِيـنَ ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ﴾ [ق: 34] حَيْثُ سَلِمُوا مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَمِنْ الْغُمُومِ وَالآفَاتِ، وَأَخْبَـرَ اللهُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ الْـخُلُودِ؛ حَتَّـى يَطْمَئِنَ أَهْلُ الْـجَـنَّةِ أَنَّ هَذَا النَّعِيمَ لَنْ يَزُولَ أَبَدًا. ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا ﴾ [ق: 35] فَلَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا رَبَّهُمْ حَتَّـى تَنْتَهِيَ مَسَائِلُهُمْ، وَلَـهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَزِيدُ، وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا؛ فَهُوَ أَعْظَمُ نَعِيمٍ فِي الْـجَنَّةِ. أَعْطَانَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ ذَلِكَ النَّعِيمَ بِفَضْلِهِ وَرَحْـمَتِهِ.


أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاِسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.


الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى عِظَمِ نِعَمِهِ وَاِمْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شريكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشَهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَلِيلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَاً كَثِيرَاً. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].


أمَّا بَعْدُ.. عِبَادَ اللهِ، فَاسْتَمْسِكُوا مِنَ الْإِسْلَامِ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَاِعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.


عباد الله، ثُـمَّ جَاءَ الْـمَشْهَدُ الأَخِيـرُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾ [ق: 36]، حَيْثُ تَوَعَّدَ اللهُ الكُّفَّارَ بَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِهْلَاكِهِمْ كَمَا أَهْلَكَ مَنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ مِـمَّنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَبَطْشًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ نَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ بِكَثْرَةِ الْأَسْفَارِ وَالتِّجَارَةِ؛ فَمَا مَنَعَهُمْ مِنَ الْـمَوْتِ لَا كَثْرَةُ الْـمَالِ، وَلَا قُوَّةُ الْـحُصُونِ. ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37] فَفِي مَصَارِعِ الْغَابِرِينَ ذَكْرَى وَتَذْكِرَةٌ لَا يَتَّعِظُ بِـهَا إِلَّا أَصْحَابُ الْقُلُوبِ الْـحَيَّةِ، الْمُسْتَمِعونَ لِلْكِتَابِ وَالسُّـنَّـةِ بِـحُضُورِ قُلُوبِـهِمْ. ثُـَّم قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ﴾ [ق: 38] وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى سُهُولَةِ الْـخَـلْقِ وَالإِنْشَاءِ عَلَى اللهِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى أَمْرٌ هَيِّـنٌ بِالْقِيَاسِ عَلَى خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْـخَلَائِقِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْيَسِيرِ؛ فَمَا أَصَابَنَا ﴿ مِنْ لُغُوبٍ ﴾ [ق: 38] أَيْ: تَعَبٍ أَوْ إِعْيَاءٍ. ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾ [طه: 130] فَلَا تَتَأَثَّرْ بِـمَا يَقُولُونَ لَكَ؛ فَإِنًّ مَا قَالُوهُ قَدْ قِيلَ بِـحَقِّ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [فصلت: 43]، ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ ﴾ [ق: 39، 40] فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُكْثِرَ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُـحَافِظَ عَلَى صَلَاتَيِّ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ؛ لأَنَّ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِمَا؛ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى بَقِيَّةِ الْفُرُوضِ أَيْسَرُ. كَذَلِكَ أَمَرَهُ اللهُ بِالإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِهِ فِي هَذَينِ الْوَقْتَيـْنِ، وَبِالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْـمَسَاءِ، وَعَلَى الأَذْكَارِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 103]. ثُـمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ ﴾ [ق: 41] وَاسْتَمِعْ لِصَيْحَةِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ مَوْضِعٍ قَرٍيبٍ مِنَ الْمَحْشَرِ. ثُـمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ ﴾ [ق: 43] أَيْ: نُـمِيتُ فِي الدُّنْيَا، ثُـمَّ نُـحْيِي لِلْبَعْثِ، وَإِلَيْنَا الْـمَآلُ وَالْـمَرْجِعُ؛ فَلَا أَحَدَ يَهْرُبُ أَوْ يَتَخَلَّفُ عَنْ أَمْرِنَا. ثـُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ [ق: 44] فَإِذَا جَاءَ الْبَعْثُ تَشَقَّقَتْ قُبُورِهِمْ وَخَرَجُوا مِنْهَا؛ فَالْحَشْرُ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ مَعَ كَثْرَةِ النَّاسِ. ثـُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ ﴾ [ق: 45] وَفِي هَذَا تَسْلِيَةٌ للنَّبِّيِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِأَنَّ اللهَ يَعْلَمُ بِتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وَبِأَنَّهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ عَلَيْهِم ْبِجَبَّارٍ بِـحَيْثُ يـُجْبِـرُهُمْ عَلَى الْإِسْلاَمِ؛ وَإِنَّمَا بُعِثَ إِلَيْهِمْ مُذَكِّرًا، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 22] وَإِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تُذَكِّرَهُمْ بِالْقُرْآنِ الَّذِي يُؤَثِّرُ فِي الْقُلُوبِ الـمُؤْمِنَةِ؛ الَّتِـي لَا تَحْتَاجُ لـِجَبَّارٍ يُـجْبِـرُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ فِيهَا مِنْ قُوَّةِ الْإِيـمَانِ مَا لَا يَـمْلِكُهُ الجْــَبَابِرَةُ وَسِيَاطُهُمْ، وَلِـمَ لَا وَهُوَ أَعْظَمُ الذِّكْرِ؟! فَإِذَا كَانُوا يَـخَافُونَ مِنْ وَعِيدِ اللهِ فَسَيَـرْتَدِعُونَ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ يَنْفَعُ مَنْ فِي قَلْبِهِ خَوْفٌ مِنَ اللهِ، وَيُؤَثِّرُ فِيهِ.


عِبَادَ الله، أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ وَخَافُوهُ، وَارجُوا رَحْمَتَهُ، وَخَافُوا عَذَابَهُ. اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِمَا تُـحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِينَا لِلْبِـرِّ وَالتَّــقْوَى. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُـحِبُّكَ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى وَجْهِكَ. الَّلهُمَّ رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَلَا تَـجْعَلْ فِينَا وَلَا بَيْنَنَا شَقِيًّا وَلَا مَـحْرُومًا، الَّلهُمَّ اِجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيينَ غَيْـرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، اللَّهُمَّ اِحْمِ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ الإِسْلَامِ وَالْـمُسْلِمِينَ مِنَ الفِتَنِ وَالمِحَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن، اللَّهُمَّ اِحْفَظْ لِبِلَادِنَا أَمْنَهَا وَإِيمَانَهَا وَاِسْتِقْرَارَهَا، الَّلهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاِجْعَلْهُ هَادِيًا مَـهْدِيًّــا، وَأَصْلِحْ بِهِ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، الَّلهُم ارْفَعْ رَايَةَ السُّنَّةِ، وَاِقْمَعْ رَايَةَ البِدْعَةِ، الَّلهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَ الْـمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَوَلِّ عَلَيْهِمْ خِيَارَهُمْ وَاِكْفِهِمْ شَرَّ شِرَارِهِمْ، اللهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ. اللهُمَّ انصُرِ الْمُجَاهِدِينَ، الَّذِينَ يُـجَاهِدُونَ عَلَى حُدُودِ بِلَادِنَا، اللهُمَّ انصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكِ وَعَدُوِّنَا، اللهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ وانصُرْهُمْ عَلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِيـنَ، اللَّهُمَّ اخلُفْهُمْ فِي أَهْلِيهِمْ خَيْـرًا، اللَّهُمَّ انصُرْ قُوَّاتِ التَّـحَالُفِ عَلَى الْـحُوثِـيِّينَ الظَّلَمَةِ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. اللهُمَّ أَكْثِرْ أَمْوَالَ مَنْ حَضَرُوا مَعَنَا، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَطِلْ عَلَى الْخَيْرِ أَعْمَارَهُمْ، وَأَدْخِلْهُمُ الْجَنَّةَ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كثيرًا. وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَـمْـكُمُ اللهُ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الإتحاف بالهدي النبوي بالقراءة في خطبة الجمعة بسورة ق
  • سورة ق (3) خطبة
  • تفسير سورة ق للناشئين (الآيات 1 - 45)
  • تأملات في سورة ق
  • وقفات مع سورة ق (خطبة)
  • وقفات مع سورة البروج
  • خطبة: وقفات مع سورة ق
  • بين يدي سورة ق (الجزء الثاني) (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • خطبة: سورة ( ق ) وقفات وعظات(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات: (الوقفة الأولى) مشاهد من الجنة والنار(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة التين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة العلق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع سورة الماعون(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • وقفات تربوية مع سورة الشرح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة الضحى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة البلد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات مع سورة الحج(مقالة - ملفات خاصة)
  • وقفات تفسيرية مع سورة الصافات(مقالة - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • التعليم الإسلامي في البيئة الرقمية محور مائدة مستديرة بموسكو
  • قازان تستضيف الندوة الروسية الثالثة حول الابتكارات في التعليم الإسلامي بمشاركة دولية
  • مؤتمر علمي في بريشتينا يوثق إسهامات المدارس الإسلامية في التعليم والهوية
  • 15 فتاة يختمن القرآن الكريم في احتفال ديني بالمسجد الجديد في لوبيزدا
  • احتفاء بمرور 100 عام على تأسيسه.. إعادة افتتاح مسجد يولديز في تتارستان
  • نوفا سكوشا تحتفي بالتراث الإسلامي وتفتح أبواب التعرف على الإسلام
  • للعام الرابع .. المجتمع المسلم في كورنوال يحتفي بالتراث والثقافة الإسلامية
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 25/5/1448هـ - الساعة: 21:39
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب