• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   مرئيات   بحوث ودراسات   خطب منبرية   كتب   صوتيات   منظومات   مواد مترجمة  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    المولد النبوي: أصله – حقيقته (PDF)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    بهجةُ العيد 1446 هـ
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    غدا تبدأ الدراسة
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    الاستعاذة بالله وبصفاته وكلماته وإجماع السلف على ...
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    صفر وما فيه من التشاؤم (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    تهنئة عيد الأضحى (مقطوعة شعرية)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    الأضحية: أصلها وحكمها (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    شهر رجب بين المشروع والممنوع (WORD)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    وقفة مع العام الجديد
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    وفد الله
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    الرجولة: مفهومها ووسائل تحصيلها (WORD)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    أكرموها قبل أن تفقدوها (2)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    أكرموها قبل أن تفقدوها (1) (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    اتقوا الشح (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    نافق حنظلة (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

هم الدنيا وهم الآخرة

هم الدنيا وهم الآخرة
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/10/2026 ميلادي - 26/4/1448 هجري

الزيارات: 20276

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

هم الدنيا وهم الآخرة

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْحَكِيمِ، الْخَلَّاقِ الْعَلِيمِ؛ خَلَقَ لِلدُّنْيَا أُنَاسًا يَطْلُبُونَهَا، وَلَا يَرْجُونَ غَيْرَهَا، وَخَلَقَ لِلْآخِرَةِ عِبَادًا يَرْجُونَهَا، وَيَسْعَوْنَ لِلْفَوْزِ فِيهَا، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ ابْتِلَاءٍ وَامْتِحَانٍ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ جَزَاءٍ وَقَرَارٍ، فَرَفَعَ بِالْآخِرَةِ أَقْوَامًا فَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا بِقُلُوبِهِمْ، وَخَفَضَ بِالدُّنْيَا آخَرِينَ فَرَكَنُوا إِلَيْهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، خَيَّرَهُ رَبُّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالْعُبُودِيَّةِ فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ، وَاحْذَرُوا الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا؛ فَإِنَّهَا تَغُرُّ مَنْ جَعَلَهَا غَايَتَهُ؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [فَاطِرٍ: 5].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: لَا تَخْلُو الْقُلُوبُ مِنْ هَمٍّ يُحَرِّكُهَا، وَلَا مِنْ غَايَةٍ تَتَّجِهُ إِلَيْهَا، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُصْبِحُ وَهَمُّهُ الدُّنْيَا، يَعِيشُ لِأَجْلِهَا، وَيَفْرَحُ بِمَتَاعِهَا، وَيَأْسَى عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْهَا، وَيَبِيعُ دِينَهُ لِأَجْلِهَا. وَمُؤْمِنُونَ صَالِحُونَ جَعَلُوا الْآخِرَةَ غَايَتَهُمْ، فَكَانَتِ الدُّنْيَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ تَلِجْ قُلُوبَهُمْ، فَإِنْ أَقْبَلَتْ سَخَّرُوهَا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ أَدْبَرَتْ لَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا. وَشَتَّانَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ؛ فَالْمَهْمُومُ بِالْآخِرَةِ يَسْعَى فِي طَلَبِهَا فَيُوَفِّقُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلِازْدِيَادِ مِنْ عَمَلِ أَهْلِهَا؛ وَيُبَارِكُ لَهُ فِي الْحَسَنَاتِ، وَيَرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَاتِ، وَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْخَطِيئَاتِ، وَلَا تَفُوتُهُ الدُّنْيَا، بَلْ يَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِهَا مَا يَأْخُذُ. وَأَمَّا الْمَهْمُومُ بِالدُّنْيَا فَيَعْمَلُ لِأَجْلِهَا، وَيُهْمِلُ عَمَلَ الْآخِرَةِ، فَلَا يَنَالُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ مَهْمَا كَانَ سَعْيُهُ وَجِدُّهُ فِي طَلَبِهَا، وَتَفُوتُهُ الْآخِرَةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ لَهَا؛ ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ [الشُّورَى: 20]، وَإِنْ دَعَا الْمَهْمُومُ بِالدُّنْيَا لَمْ يَدْعُ إِلَّا بِشَيْءٍ مِنْهَا، بَيْنَمَا الْمَهْمُومُ بِالْآخِرَةِ يَصْرِفُ أَكْثَرَ دُعَائِهِ فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ، وَيَسْأَلُ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُعِينُهُ عَلَى الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ؛ ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 200-202].

 

وَقَدْ يَتَمَادَى بِالْإِنْسَانِ هَمُّ الدُّنْيَا فَيَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَيَخْسَرُ آخِرَتَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 18-19]. وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ؛ فَلَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ غَيْرُ الدُّنْيَا، وَلَا هَمَّ لَهُمْ سِوَاهَا؛ فَيَعْلَمُونَ كَثِيرًا مِنْ شُؤُونِهَا، وَيَجْهَلُونَ مَا هُمْ مُقْدِمُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الرُّومِ: 7]. تَرَى الْوَاحِدَ مِنْهُمْ خَبِيرًا بِشُؤُونِ الدُّنْيَا، عَالِمًا بِتَفَاصِيلِهَا وَدَقَائِقِهَا، يُعْجِبُ النَّاسَ ذَكَاؤُهُ وَخِبْرَتُهُ، وَيَثِقُونَ بِتَوَقُّعَاتِهِ وَتَحْلِيلَاتِهِ، وَهُوَ غَافِلٌ عَنِ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ، جَاهِلٌ بِالْآخِرَةِ، وَلَا يُفَكِّرُ فِيهَا، فَهُوَ مَمْقُوتٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِغَفْلَتِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ؛ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ كُلَّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ، سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ، جِيفَةٍ بِاللَّيْلِ، حِمَارٍ بِالنَّهَارِ، عَالِمٍ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، جَاهِلٍ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

 

وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يَكْشِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَهْمُومِ بِالدُّنْيَا، وَالْمَهْمُومِ بِالْآخِرَةِ: حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ؛ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ. وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ؛ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

 

فَعُوقِبَ الْمَهْمُومُ بِالدُّنْيَا بِعُقُوبَتَيْنِ مُعَجَّلَتَيْنِ:

الْأُولَى: فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ: أَيْ: تَشَعَّبَتْ بِقَلْبِهِ الدُّنْيَا مِنْ شِدَّةِ طَلَبِهِ لَهَا، فَيَشْقَى فِي تَحْصِيلِهَا، وَيُكْثِرُ التَّفْكِيرَ فِيهَا، وَيَخَافُ فَقْدَهَا، حَتَّى يُصَابَ بِالْحَيْرَةِ وَالضَّيَاعِ، وَلَا يَأْنَسُ بِمَا يَمْلِكُ، بَلْ يَشْقَى بِهِ.

 

وَالثَّانِيَةُ: وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: فَيَظَلُّ خَائِفًا مِنَ الْفَقْرِ وَلَوْ مَلَكَ نِصْفَ الدُّنْيَا، وَلَا يُغْنِيهِ شَيْءٌ لِفَقْرِ قَلْبِهِ؛ فَإِنَّ الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَهَذَا قَلْبُهُ فَقِيرٌ، فَيَلْهَثُ فِي طَلَبِهَا إِلَى أَنْ يَمُوتَ وَلَمْ يَسْتَمْتِعْ بِهَا، وَسَيُحَاسَبُ عَنْهَا. وَمَعَ شَقَائِهِ بِالدُّنْيَا، لَمْ يَأْتِهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ.

 

وَأَمَّا مَنْ جَعَلَ الْآخِرَةَ هَمَّهُ فَيُجْزَى بِثَلَاثِ حَسَنَاتٍ مُعَجَّلَةٍ:

الْأُولَى: جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ وِجْهَتَهُ وَاضِحَةٌ، وَهِيَ طَلَبُ الْآخِرَةِ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِهَا، وَيَكْتَفِي مِنَ الدُّنْيَا بِمَا يُبَلِّغُهُ الْآخِرَةَ.

 

وَالثَّانِيَةُ: وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، فَرَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِمَا قُسِمَ لَهُ، وَاسْتَمْتَعَ بِمَا مَلَكَ مِنْهَا، وَلَمْ يَجْزَعْ عَلَى مَا يَفُوتُهُ مِنْ عَرَضِهَا، وَلَا يَغْتَرَّ بِزِينَتِهَا، وَلَا يَحْزَنْ حِينَ يَرَى أَهْلَ الْجَاهِ وَالثَّرَاءِ.

وَالثَّالِثَةُ: وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَلْهَثْ خَلْفَهَا جَاءَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ كَارِهَةٌ؛ كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، فَيُرْزَقُ بِأَقَلِّ سَعْيٍ وَعَمَلٍ.

 

وَقَدْ عَرَفَ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ تَكُنْ هَمَّهُ وَلَا مُهِمَّتَهُ، بَلْ شَغَلَ حَيَاتَهُ كُلَّهَا فِي الْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ، وَرَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْقَلِيلِ، وَخَيَّرَ نِسَاءَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَحْمِلَهُنَّ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرْنَ عَلَيْهِ؛ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الْأَحْزَابِ: 28-29]. قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَارْزُقْنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلَّمْتَنَا، إِنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: ثَمَّةَ أُمُورٌ تُعِينُ الْمُؤْمِنَ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ هَمَّهُ الْآخِرَةَ، مَعَ أَخْذِ حَظِّهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَمِنْهَا: تَذَكُّرُ الْمَوْتِ، وَسُرْعَةُ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ إِنَّمَا تَرْكَنُ إِلَى الدُّنْيَا لِطُولِ الْأَمَلِ وَنِسْيَانِ الْمَوْتِ، قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَا رَأَيْتُ يَقِينًا أَشْبَهَ بِالشَّكِّ مِنْ يَقِينِ النَّاسِ بِالْمَوْتِ مَعَ غَفْلَتِهِمْ عَنْهُ» وَكُلُّنَا نَعْرِفُ أُنَاسًا ذَاعَ صِيتُهُمْ، وَعَلَا ذِكْرُهُمْ، ثُمَّ رَحَلُوا، وَلَقُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمَا عَمِلُوا، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحْضِرُ سُرْعَةَ مُفَارَقَتِهِ لِلدُّنْيَا، وَقُرْبَ الْمَوْتِ مِنْهُ فَيَقُولُ: «مَا لِي وَلِلدُّنْيَا مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

 

وَمِمَّا يَجْعَلُ الْهَمَّ لِلْآخِرَةِ: كَثْرَةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ؛ فَإِنَّ الْقُرْآنَ يُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَيُعَظِّمُ الْآخِرَةَ، وَيَصِفُ الْجَنَّةَ حَتَّى تَتَحَرَّكَ الْقُلُوبُ شَوْقًا إِلَيْهَا، وَيَصِفُ النَّارَ حَتَّى تَرْتَعِدَ النُّفُوسُ خَوْفًا مِنْهَا، وَيَقُصُّ أَخْبَارَ الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ الَّتِي عَمَرَتِ الدُّنْيَا وَفَارَقَتْهَا فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ. عَلَاوَةً عَلَى مَا فِيهِ مِنْ بَيَانِ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تُسَاوِي شَيْئًا أَمَامَ الْآخِرَةِ؛ ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ [النِّسَاءِ: 77]، ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التَّوْبَةِ: 38]، ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرَّعْدِ: 26]، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الْحَدِيدِ: 20]، ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الْأَعْلَى: 16-17]، وَغَيْرِهَا مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرَةِ.

 

وَمِمَّا يَجْعَلُ الْهَمَّ لِلْآخِرَةِ: اتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ؛ فَيَتَذَكَّرُ الْمَوْتَ وَمَا بَعْدَهُ، وَلَا يَغْفُلُ بِالدُّنْيَا عَنْهُ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عُودُوا الْمَرِيضَ، وَاتَّبِعُوا الْجَنَازَةَ، تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

 

وَمِمَّا يَجْعَلُ الْهَمَّ لِلْآخِرَةِ: كَثْرَةُ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ، وَمِنَ الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الاستجابة لله تعالى (4) ثمرات الاستجابة
  • أذية الله تعالى (خطبة)
  • شرك الأولياء في الربوبية (خطبة)
  • الرؤى والأحلام (3) الأعمال في الرؤى

مختارات من الشبكة

  • سؤال حسنة الدنيا وحسنة الآخرة: جامع الدعاء وبوابة السعادة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عطاء الدنيا للجميع وعطاء الآخرة للمؤمنين(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • امتحان الدنيا وامتحان الآخرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لذات الدنيا ولذات الآخرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفواكه لذة الدنيا ونعيم الآخرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صلة الأرحام… بركة في الدنيا ونجاة في الآخرة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المسلم بين حر الدنيا وحر الآخرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مما زهدني في الحياة الدنيا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: ذم الدنيا في التعلق بها، لا بالتمتع بطيباتها(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • احتفاء بمرور 100 عام على تأسيسه.. إعادة افتتاح مسجد يولديز في تتارستان
  • نوفا سكوشا تحتفي بالتراث الإسلامي وتفتح أبواب التعرف على الإسلام
  • للعام الرابع .. المجتمع المسلم في كورنوال يحتفي بالتراث والثقافة الإسلامية
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية
  • مبادرة خيرية لمركز إسلامي في فلوريدا لأكثر من 200 مستفيد
  • «الاستعداد للحياة الزوجية»: ورشة إسلامية لتعزيز الاستقرار الأسري في فيينا
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/5/1448هـ - الساعة: 17:1
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب