• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   مرئيات   بحوث ودراسات   خطب منبرية   كتب   صوتيات   منظومات   مواد مترجمة  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    بهجةُ العيد 1446 هـ
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    غدا تبدأ الدراسة
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    الاستعاذة بالله وبصفاته وكلماته وإجماع السلف على ...
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    صفر وما فيه من التشاؤم (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    تهنئة عيد الأضحى (مقطوعة شعرية)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    الأضحية: أصلها وحكمها (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    شهر رجب بين المشروع والممنوع (WORD)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    وقفة مع العام الجديد
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    وفد الله
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    الرجولة: مفهومها ووسائل تحصيلها (WORD)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    أكرموها قبل أن تفقدوها (2)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    أكرموها قبل أن تفقدوها (1) (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت } (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    اتقوا الشح (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    نافق حنظلة (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
  •  
    منكرات الأفراح (خطبة)
    الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

{ واجعلنا للمتقين إماما } (خطبة)

{ واجعلنا للمتقين إماما } (خطبة)
حسان أحمد العماري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 6/7/2026 ميلادي - 20/1/1448 هجري

الزيارات: 281

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾

 

الخطبة الأولى

الحمد لله الوليِّ الحميد، الفعَّال لما يريد، له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم وإليه ترجعون، أحمده سبحانه على نعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحصى، وأشكره على فضله الذي عمَّ الوَرَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل لعباده أبوابَ الخير مفتوحةً، ورفع أهلَ الصلاح والهدى درجاتٍ عالية، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله، إمامُ المتقين، وقدوةُ العاملين، وسيدُ المصلحين، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين، وصحابته الغرِّ الميامين، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستنَّ بسُنَّتِه إلى يوم الدين، أما بعد:

فأوصيكم عباد الله ونفسي المقصِّرة بتقوى الله عز وجل، فإنها وصية الله للأوَّلين والآخرين، قال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].

 

أيها المؤمنون، من الدعوات العظيمة التي علَّمنا الله إيَّاها، والتي تفيض طموحًا إيمانيًّا، وسموًّا في الهمة، ورفعةً في المقصد، قولُه سبحانه في وصف عباد الرحمن: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74].

 

إنها ليست دعوةً إلى شهرةٍ، ولا طلبًا لمنصبٍ، ولا حرصًا على تصدُّرٍ، ولا لهثًا خلف الألقاب، بل هي دعوةٌ إلى إمامةٍ في الخير، وريادةٍ في الصلاح، وسبقٍ في الطاعة، وقدوةٍ في الاستقامة، وعلوٍّ في الأخلاق، حتى يكون العبدُ مفتاحًا للهداية، وعنوانًا للبر، ومصباحًا للناس في دروب الحياة.

 

عباد الله، إن كثيرًا من الناس إذا سمع قول الله تعالى: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ ظنَّ أن الإمامة محصورةٌ في محراب الصلاة، أو في صدارة المجالس، أو في منابر الوعظ والتعليم، وهذا فهمٌ ضيِّق لمعنى واسع، فإن الإمامة في ميزان القرآن أوسع من ذلك بكثير؛ قد تكون إمامًا في البسمة، وقد تكون إمامًا في البر، وقد تكون إمامًا في الصبر، وقد تكون إمامًا في حُسْن الخلق، وقد تكون إمامًا في النفقة، وقد تكون إمامًا في العلم، وقد تكون إمامًا في جبر الخواطر، وقد تكون إمامًا في الدلالة على الخير، وقد تكون إمامًا في بناء الأسرة وتربية الأولاد، وقد تكون إمامًا في الصوم بأحكامه وآدابه وأهدافه ومقاصده، وقد تكون إمامًا حتى في كفِّ الأذى وبذل الندى.

 

فكم من رجلٍ لا يعرفه الناس على منبر، لكنه عند الله إمامٌ في برِّ والدته، لا يرفع صوته عليها، ولا يقدِّم راحته على راحتها، ولا ينسى دعاءها، ولا يتأخر عن خدمتها. وكم من امرأةٍ ليست خطيبةً ولا واعظةً، لكنها عند الله إمامٌ في الستر والعفاف، وفي بناء بيتها، وفي صناعة جيلٍ صالحٍ من أبنائها وبناتها. وكم من شابٍّ لا يملك مالًا كثيرًا، لكنه إمامٌ في غضِّ بصره، وحفظ لسانه، وكفِّ أذاه، والصدق في معاملته. وكم من تاجرٍ جعله الله إمامًا في الأمانة، لا يغش، ولا يخدع، ولا يحتكر، ولا يظلم، فيكون قدوةً في سوقه قبل أن يكون قدوةً في مسجده.

 

أيها المسلمون، إن الله سبحانه جعل الإمامة في الدين منزلةً عظيمةً، لكنها لا تُنال بالأماني، ولا بالكسل، ولا بالادعاء، وإنما تُنال بأسبابها، وقد بيَّن الله ذلك في كتابه فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].

 

فتأملوا يا عباد الله، جعل الله طريق الإمامة في الدين قائمًا على الصبر واليقين؛ صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله، ويقين بوعد الله، ويقين بثوابه، ويقين بلقائه، ويقين بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.

 

ولذلك فإن من أراد أن يكون إمامًا في الخير، فليبدأ بنفسه قبل أن يطلب التأثير في غيره، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ولا يكون الإنسان إمامًا في الصبر وهو سريع الجزع، ولا إمامًا في حسن الخلق ولسانه يؤذي الناس، ولا إمامًا في جبر الخواطر وهو يكسر القلوب، ولا إمامًا في العلم وهو لا يعمل بما يعلم، ولا إمامًا في تربية الأولاد وهو غائبٌ عنهم، مشغولٌ عن قلوبهم، حاضرٌ بجسده، غائبٌ بأثره.

 

عباد الله، إن الإمامة في البسمة ليست أمرًا هيِّنًا كما يظنه بعض الناس، فإن البسمة الصادقة صدقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ لكَ صدقةٌ».

 

وقد كان صلى الله عليه وسلم من أكثر الناس تبسُّمًا، كما قال عبدالله بن الحارث رضي الله عنه: «ما رأيتُ أحدًا أكثر تبسُّمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم».

 

فكم من قلبٍ أحياه الله ببسمة، وكم من نفسٍ أذهب الله عنها همًّا بكلمةٍ طيبةٍ، وكم من إنسانٍ كان يوشك أن ينهار فرفعه الله بابتسامةٍ صادقةٍ من أخٍ رحيمٍ.

 

وإن الإمامة في البر منزلةٌ عاليةٌ؛ لأن البر ليس مجرد عاطفة، بل عبادةٌ وسلوكٌ وبذلٌ واحتمال، قال الله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]، وقال سبحانه: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23].

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قيل: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»؛ متفق عليه.

 

فكم من إنسانٍ ارتفع عند الله؛ لأنه كان بارًّا بأُمِّه، وكم من آخر خسر بركة عمره؛ لأنه عقَّ والديه أو قصَّر في حقهما.

 

وإن الإمامة في الصبر هي من أعلى مراتب السالكين، فإن الحياة لا تستقيم بلا صبر، والبيت لا يثبت بلا صبر، والدعوة لا تنجح بلا صبر، والعلم لا يُنال بلا صبر، والعبادة لا تستمر بلا صبر، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن يتصبَّر يصبِّره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر»؛ متفق عليه.

 

فكن إمامًا في الصبر على أذى الناس، إمامًا في الصبر على تربية أبنائك، إمامًا في الصبر على إصلاح نفسك، إمامًا في الصبر على رزقك حتى لا تمتد يدك إلى حرام.

 

وإن الإمامة في حسن الخلق من أعظم أبواب الرفعة عند الله، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»، وقال عليه الصلاة والسلام: «ما من شيءٍ أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم».

 

فحسن الخلق ليس زينةً اجتماعيةً فحسب، بل عبادةٌ تُثقل الميزان، وتُقرِّب من الرحمن، وترفع صاحبها إلى مراتب العابدين.

 

أيها المؤمنون، وإن الإمامة في النفقة من أعظم صور الإيمان؛ لأن المال محبوبٌ إلى النفوس، فإذا جاد العبد بما يحب ابتغاء ما عند الله، دلَّ ذلك على صدق يقينه، قال تعالى: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 110]، وقال سبحانه: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ [البقرة: 261]، وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مالٌ من صدقة»؛ رواه مسلم.

 

فكن إمامًا في العطاء، لا تنتظر أن تملك الكثير حتى تنفق، بل ابدأ بما تستطيع، فرُبَّ درهمٍ سبق آلافًا، ورُبَّ صدقةٍ خفيةٍ رفعت صاحبها عند الله درجات.

 

وإن الإمامة في العلم شرفٌ عظيمٌ، لكن العلم الذي يرفع صاحبه هو العلم النافع المقرون بالعمل، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الزمر: 9]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفقِّهه في الدين»؛ متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: «خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه»؛ رواه البخاري.

 

فكن إمامًا في طلب العلم، إمامًا في نشره، إمامًا في تعليم أبنائك الفاتحة قبل الدنيا، والوضوء قبل الوظيفة، والقرآن قبل الشهادة.

 

وإن الإمامة في جبر الخواطر بابٌ عظيمٌ يغفل عنه كثير من الناس، وهو من ألطف أبواب الخير وأقربها إلى القلوب، فكم من إنسانٍ يحتاج إلى كلمةٍ ترفعه، أو عفوٍ يداويه، أو مساعدةٍ تستره، أو زيارةٍ تواسيه، أو دعاءٍ صادقٍ يربط على قلبه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن نَفَّسَ عن مؤمنٍ كُربةً من كُرَب الدنيا، نَفَّسَ اللهُ عنه كُربةً من كُرَب يوم القيامة»؛ رواه مسلم.

 

فيا عبد الله، كن إمامًا في تفريج الكربات، لا تكن إمامًا في زيادة الجراح، ولا تكن من الذين يثقلون على الناس فوق همومهم.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، واعلموا أن المؤمن الحق لا يرضى أن يكون تابعًا في الخير فحسب، بل يطمح أن يكون سابقًا إليه، ودالًّا عليه، وقدوةً فيه؛ ولذلك كان من دعاء عباد الرحمن: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾.

 

عباد الله، إن من أعظم صور هذه الإمامة في واقعنا اليوم أن يكون الإنسان إمامًا في الدلالة على الخير، فكم من إنسانٍ لا يستطيع أن يفعل كل الخير، لكنه يستطيع أن يدلَّ عليه، ومن دلَّ على الخير فله مثل أجر فاعله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله»؛ رواه مسلم.

 

قد تكون إمامًا حين ترشد شابًّا إلى صلاة الفجر، أو تعين أسرةً على حفظ أولادها، أو تدلَّ محتاجًا على باب رزق، أو ترشد جاهلًا إلى حكمٍ شرعي، أو تبعث رسالةً صادقةً توقظ غافلًا، أو تصلح بين متخاصمين، أو تأخذ بيد عاصٍ إلى باب التوبة.

 

ومن أعظم صور الإمامة أيضًا أن يكون الإنسان إمامًا في بناء الأسرة وتربية الأولاد؛ لأن البيت الصالح هو أصل المجتمع الصالح، وقد قدَّم الله في الآية نفسها هذا المعنى فقال: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ثم قال: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾، وكأن من أعظم طرق الإمامة أن تبدأ ببيتك، فتبني زوجةً صالحةً، وتُربِّي ولدًا صالحًا، وتصنع في بيتك جيلًا يعرف الله، ويُعظِّم الصلاة، ويحفظ لسانه، ويعرف الحلال والحرام، ويُوقِّر الكبير، ويرحم الصغير.

 

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيته»؛ متفق عليه.

 

فالأب إمامٌ في بيته، والأم إمامٌ في بيتها، والمعلم إمامٌ في فصله، وصاحب المنصب إمامٌ في مسؤوليته، وصاحب المال إمامٌ في ماله، فليتق الله كلُّ امرئٍ في موضع إمامته.

 

ومن جميل ما يُذكَر في هذا الباب، القصةُ الموقَّرة العظيمة التي تملأ القلوب إيمانًا ويقينًا، وهي ما كان من أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلاحظ أن أبا بكر يخرج بعد صلاة الفجر إلى أطراف المدينة، ثم يدخل بيتًا صغيرًا ويمكث فيه، ثم يخرج، فتعجَّب عمر، فلما توفي أبو بكر رضي الله عنه، ذهب عمر إلى ذلك البيت ليرى سرَّ هذا العمل الخفي، فإذا هي امرأةٌ عجوزٌ عمياءُ مقعدة، فسألها: ماذا كان يصنع لكِ هذا الرجل؟ فقالت: كان يأتيني كلَّ صباح، فيكنس بيتي، ويعجن عجيني، ويحلب شاتي، ويهيئ طعامي، ثم ينصرف. فبكى عمر رضي الله عنه وقال: أتعبتَ الخلفاءَ بعدك يا أبا بكر.

 

الله أكبر!

 

هذه هي الإمامة الحقيقية، ليست ضجيجًا، ولا طلبًا للثناء، ولا حرصًا على التصفيق، بل عملٌ خفيٌّ بين العبد وربِّه، وخدمةٌ لضعيفٍ لا يملك أن يردَّ الجميل، ورحمةٌ لا يعلم بها الناس، لكنها معلومةٌ عند الله.

 

فكم من الناس يطلبون أن يكونوا أئمةً في أعين الناس، وقليلٌ منهم من يطلب أن يكون إمامًا عند الله.

 

عباد الله، ومن صور الإمامة التي ينبغي أن نعتني بها، أن يكون المسلم إمامًا في الصوم بأحكامه وآدابه وأهدافه ومقاصده، فلا يكون صومه جوعًا وعطشًا فحسب، بل يكون صومًا يحفظ اللسان، ويهذب النفس، ويكسر الشهوة، ويزكي الروح، ويعوِّد على المراقبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن لم يدَع قولَ الزورِ والعملَ به والجهلَ، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامَه وشرابَه»؛ رواه البخاري.

 

فكن إمامًا في فهم العبادات، لا في صورتها فقط، بل في روحها وأثرها ومقاصدها.

 

وحتى كفُّ الأذى بابٌ من أبواب الإمامة، قد يستهين به الناس، لكنه عند الله عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة… وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»؛ رواه مسلم، وقال عليه الصلاة والسلام: «المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده»؛ متفق عليه.

 

فقد يكون الإنسان إمامًا؛ لأنه لا يؤذي أحدًا، لا بلسانه، ولا بقلمه، ولا برسالته، ولا بسخريته، ولا بتشهيره، ولا بإفساده بين الناس. وكم من الناس يظنون أن الخير لا يكون إلا في الأعمال الكبيرة، وينسون أن كفَّ الشرِّ عن الناس من أعظم الخير.

 

أيها المؤمنون، إن أعظم ما يفسد هذه الإمامة المباركة: طلبُها للناس لا لله، وحبُّ الظهور، والتكلُّف، والرياء، وتعظيم الصورة على حساب الحقيقة. فليكن قصدك- يا عبد الله- أن تكون إمامًا عند الله، ولو كنت مجهولًا عند الناس، فإن الله لا ينظر إلى أسمائك، ولا إلى ألقابك، ولا إلى عدد متابعيك، وإنما ينظر إلى قلبك وعملك.

 

فاجعل لنفسك نصيبًا من هذه الدعوة العظيمة كل يوم: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾، وقلها وأنت تنوي أن تكون إمامًا في خلقٍ واحدٍ على الأقل؛ إمامًا في الصدق، أو في الأمانة، أو في الصبر، أو في الرفق، أو في البذل، أو في جبر الخواطر، أو في التربية، أو في خدمة والديك، أو في إصلاح ذات البَيْن، أو في تعليم الخير، أو في كفِّ الأذى، فإن الله يفتح لعباده أبوابًا من الطاعات لا تخطر لهم على بال، ولكن الموفَّق من صدق مع الله ففتح الله له.

 

اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، اللهم اجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مُضلِّين، اللهم اجعلنا للمتقين أئمةً، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، اللهم ارزقنا الإخلاص في القول والعمل، وحسن القصد، وصدق النية، وجمال الخلق، وبر الوالدين، وصلاح الأزواج والذريات، اللهم اجعل بيوتنا عامرةً بطاعتك، وألسنتنا رطبةً بذكرك، وقلوبنا معلقةً بك، وأعمالنا خالصةً لوجهك، اللهم استعملنا في طاعتك، ولا تستبدل بنا غيرنا، اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المسلمين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين.

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].

 

فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • {واجعلنا للمتقين إماما}
  • تفسير: (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما)
  • سلسلة صفات عباد الرحمن (واجعلنا للمتقين إماما)

مختارات من الشبكة

  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قول الله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {إن للمتقين مفازا}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هدى للمتقين(مقالة - ملفات خاصة)
  • الإلحاد المعاصر في القرآن الكريم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دلالات تربوية على سورة الطور: موقف القرآن من ذوي الأحلام من المكذبين... وتشويقه للمتقين... وإفحامه الطاغين(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • والعاقبة للمتقين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هدى للمتقين(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)
  • فوائد من قوله تعالى: { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • والعاقبة للمتقين(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • سراييفو تختتم برنامجًا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 20/1/1448هـ - الساعة: 15:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب