• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أجور الكريم المنان لأهل الإيمان والإحسان (خطبة)
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    الفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    من أشراط الساعة الكبرى: ظهور المسيح الدجال
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    في ظلال أحد.. الهزيمة التي ربت أمة
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    خطر الطلاق وآثاره (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    حديثك يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الحث على أداء حق الله وحقوق الوالدين
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    وجعلنا الليل سكنا
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ (خطبة)
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    خطبة: محبة الله تعالى
    جمال علي يوسف فياض
  •  
    شكر النعم (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    ما معنى: {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه}
    د. مصطفى يعقوب
  •  
    خطبة (ضرب الله مثلا)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    لا تخونوا أماناتكم (خطبة)
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    عبادة المكث في المساجد: العبادة المهجورة (خطبة)
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    الرضا كنز، وإياك والمباهاة (خطبة)
    محمد حسين حسن
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / سيرة
علامة باركود

في ظلال أحد.. الهزيمة التي ربت أمة

في ظلال أحد.. الهزيمة التي ربت أمة
سعيد بن محمد آل ثابت

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 18/7/2026 ميلادي - 2/2/1448 هجري

الزيارات: 137

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

في ظلال غزوة أحد

الهزيمة التي ربَّت أمة


الحمد لله الذي يبتلي عباده ليطهرهم، ويكسرهم ليجبرهم، ويريهم ضعفهم ليعرفهم بكمال ربوبيته، ويداول الأيام بين الناس ليظهر الصادق من المدعي، والثابت من المتزلزل، والصابر من الجزوع، والصلاة والسلام على سيد المجاهدين وإمام المربين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي ربى الأمة بالوحي قبل السيف، وبالإيمان قبل الميدان، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين؛ أما بعد:

فإن المتأمل في القرآن الكريم يلحظ أن الله تعالى يفصل في بعض الوقائع تفصيلًا عجيبًا، لا لعظم الحدث العسكري فحسب، بل لعظم ما يحمله من المعاني التربوية والإيمانية، ومن السنن الربانية التي لا تتبدل ولا تتحول، ومن أعظم تلك الوقائع وأكثرها حضورًا في الوحي: غزوة أحد.

 

فقد نزل في شأنها قرابة ستين آية من سورة آل عمران، جاءت تعالج النفوس بعد الزلزلة، وتكشف أسباب الخلل، وتعيد بناء الأمة من الداخل، ولم يكن الحديث القرآني عن أحد مجرد تسجيل تاريخي، بل كان صناعةً لجيل، وتربيةً للقلوب والعقول والمواقف، وبيانًا لسنن الله الثابتة في الأمم.

 

وقد جاءت غزوة بدر قبلها بعام، فانتصر المسلمون وهم قلة مستضعفة، فنشأ في النفوس شعور بأن النصر ملازم لهم، فجاءت أُحُد لتربيهم على حقيقة أعمق: أن النصر ليس حقًّا مكتسبًا بمجرد الانتساب للإيمان، بل له شروطه وسننه.

 

يسعى هذا البحث إلى استجلاء الدروس التربوية والإيمانية والسلوكية المستفادة من غزوة أحد، في ضوء آيات آل عمران، مع التوثيق من أقوال المفسرين وأحاديث الصحاح وأقوال السلف المتثبت منها، والربط بالواقع التربوي المعاصر.

 

أولًا: غزوة أحد، الحدث وأسبابه والمشهد العام:

الخلفية التاريخية:

كانت غزوة أحد في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة، في رحاب جبل أحد شمالي المدينة المنورة، وسببها أن قريشًا أُصيبت ببدر إصابةً بالغة؛ قُتل كبراؤها وأُسر صناديدها، فأجمعت العزم على الثأر، جمع أبو سفيان بن حرب نحو ثلاثة آلاف مقاتل، بينهم سبعمائة دارع ومائتا فارس.

 

استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه: أيقاتلون في المدينة أم يخرجون؟ فمال كثير من الشباب وأهل الغيرة إلى الخروج، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولبس لَأْمَتَه، ثم ندم بعضهم فقالوا: رددنا رأي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل))؛ ذكره ابن هشام في السيرة النبوية.

 

موقف الرماة وحدث الثغرة:

نصب النبي صلى الله عليه وسلم خمسين راميًا على جبل عينين بقيادة عبدالله بن جبير رضي الله عنه، وأوصاهم وصيةً صريحة:

((إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم))؛ [رواه البخاري في صحيحه].

 

في بداية المعركة انكسر المشركون وفر كثير منهم، فلما رأى الرماة الغنائم تُجمع، تناجوا وقالوا: الغنيمة الغنيمة فنزل أكثرهم مخالفين الأمر الصريح، ولم يبقَ مع عبدالله بن جبير إلا نفر يسير، فأبصر خالد بن الوليد - وكان يومئذ على رأس خيل المشركين - الثغرة، فكرَّ على المسلمين من ورائهم، اختلطت الصفوف، واستشهد من استشهد، وجرح النبي صلى الله عليه وسلم وشج وجهه الشريف وكسرت رباعيته، وانتشر النداء: «قُتل محمد».

 

الشهداء والنتيجة:

استشهد في أحد سبعون من المسلمين، في مقدمتهم سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه، وكانت المعركة مؤلمة في ظاهرها، لكنها كانت رسالة تربوية عميقة في باطنها؛ ولذلك أنزل الله فيها ما يزيد على ستين آية من سورة آل عمران، لا لتؤرخ فحسب، بل لتربي.

 

أسباب نزول آيات آل عمران:

ذكر المفسرون أسبابًا عدة لنزول هذه الآيات؛ منها: نزول قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128] لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصناديد بعد جرحه كما في صحيح البخاري، ومنها آية: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ ﴾ [آل عمران: 144] لما شاع خبر استشهاده صلى الله عليه وسلم فاضطرب بعض الصحابة، ومنها آيات التمحيص التي جاءت لمعالجة ما وقع من الفشل والتنازع والمعصية.

 

ثانيًا: السنن الربانية في التربية بالابتلاء، تمهيد لفقه أحد:

مفهوم السنة الربانية:

السنن الربانية قوانين ثابتة أودعها الله في الكون والتاريخ والنفس البشرية، لا تتبدل ولا تتحول؛ قال تعالى:

 

﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43].

 

ومن أعظم السنن الربانية التي تكشفها أحد: سنة المداولة، وسنة التمحيص، وسنة أن الابتلاء يسبق التمكين، وسنة أن المعصية تفضي إلى الهزيمة.

 

سنة الابتلاء يسبق التمكين:

لا تُمنح القيادة والتمكين للأفراد والأمم ابتداءً، بل لا بد من فترة تمحيص وابتلاء تظهر فيها جودة الإيمان وصدق الالتزام، وفي تاريخ الأنبياء جميعًا كانت الشدة تسبق النصر، والمحنة تسبق المنحة، وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن التمكين في الأرض لا يُعطى إلا بعد البلاء الذي يميز الصادق من المدعي.

 

سنة التربية بالكسر:

قال ابن تيمية: "المحنة إذا صبر العبد فيها وانكسر لله، صارت منحةً في حقه؛ فصار ما يظنه البلاء عين النعمة"؛ [مجموع الفتاوى (10 /46)].

 

سنة التمييز بين أهل الإيمان:

من حكم الابتلاء إظهار ما كانت النفوس تخفيه؛ فالشدة كالنار تذيب الخبث وتصفي المعدن، ففي أُحُد تبين المنافقون من المؤمنين، والصادقون من المدعين، والله تعالى لا يحتاج إلى أحد ليعلم؛ فعلمه محيط، لكنه يريد إقامة الحجة وإظهار الحقائق للناس.

 

ثالثًا: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]، فقه المداولة والتاريخ:

﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140].

 

قال الإمام الطبري في جامع البيان: "يقول الله تعالى: وهذه الأيام التي أصابكم فيها ما أصابكم يوم أحد، نديلها بينكم وبين عدوكم؛ فمرةً لكم عليهم كما كان يوم بدر، ومرةً لهم عليكم كما كان يوم أحد، وفي ذلك من الحكمة ما ذكر الله".

 

وقال الإمام ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: "يعزي الله المؤمنين عما أصابهم يوم أحد، ويخبرهم أن هذه الأيام تتقلب بين الناس؛ فتارةً لهؤلاء وتارةً لهؤلاء، وذلك لحِكم جليلة يريدها الله تبارك وتعالى".

 

التأمل في بدر وأحد، درس التربية بالتقابل:

إن الموازنة بين بدر وأحد من أنفع الدروس التربوية؛ ففي بدر كان المسلمون مستضعفين قلةً لا عتاد لهم ولا عدد، فنصرهم الله نصرًا مؤزرًا، ثم تأتي أحد بعدها بعام، كأن الله يقول للأمة: لا تظنوا أن النصر لكم بالضرورة، وأن الإيمان يعفيكم من الشروط.

 

والفارق الجوهري بين الحدثين بيِّن: في بدر كان الإخلاص أتم والتوكل أكمل وطاعة الأمر أصدق، فجاء النصر، وفي أحد دبت شهوة الدنيا في قلوب الرماة وخالفوا الأمر الصريح، ففتحت الثغرة، والدرس: النصر مرتبط بالمنهج لا بمجرد الانتساب.

 

وتأمل شهادة العدو، من حديث هرقل وأبي سفيان، فهي أعمق شهادة تصدر عن خصم ذكي، سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قبل إسلامه عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مما سأله عن الحرب بينهم، فأجابه أبو سفيان:

قال أبو سفيان: "الحرب بيننا وبينه سجال؛ يصيب منا ونصيب منه، فقال هرقل: وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لها العاقبة"؛ [رواه البخاري في صحيحه].

 

وفي هذا الحوار بين ملك روميٍّ لم يُسلم وزعيم مشرك، تأكيد لسنة الله في التداول: الرسل لا تعطى النصر المطلق الدائم في الدنيا بلا ابتلاء، وكشف هرقل بعقله ما جهله كثير من الناس بقلوبهم.

 

الربط بالواقع التربوي:

للداعية: حين يرى الحق يضعف في جولة والباطل يعلو زمنًا، فلا يسرع إلى اليأس، بل يتذكر سنة المداولة ويتيقن أن العاقبة للمتقين.

 

للمربي: التمكين الحقيقي لمن يربيهم لن يأتي دفعة واحدة، بل يمر بمراحل شدة تصقل النفوس وتصلبها.

 

للأمة: الأمة التي تفهم سنة المداولة لا تيأس عند الهزيمة ولا تغتر عند الانتصار، بل تراجع نفسها وتصحح مسارها.

 

قال الحسن البصري: "لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة"؛ [الزهد للإمام أحمد].

 

خامسًا: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [آل عمران: 140]، حكمة الابتلاء في التمييز والتمحيص:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142].

 

معنى "ليعلم الله": مسألة دقيقة في التفسير:

قد يتساءل المتأمل: وهل يحتاج الله إلى الابتلاء ليعلم؟ علمه محيط بكل شيء سلفًا، والجواب ما أجاب به الإمام الرازي في مفاتيح الغيب بأن العلم في الآية هو علم الظهور والوقوع؛ أي ليخرج إلى الوجود الظاهري ما سبق في علمه سبحانه، فيقوم الجزاء على ما ظهر لا على ما بطن.

 

وأضاف ابن القيم في مدارج السالكين: "العلم هنا علم الجزاء والمجازاة، وهو العلم الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، وهذا لا يكون إلا بعد وقوع الفعل من العبد"، فالابتلاء إقامة حجة، لا كشف جهل.

 

حكم التمحيص في أحد:

﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141].

 

قال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: "التمحيص التخليص؛ يقال: محص الذهب إذا خلص من الغش، فكذلك يخلص الله المؤمنين من الذنوب والنفاق بالابتلاء"، وهذا يكشف أن ما يبدو عقوبةً هو في حقيقته صناعة ربانية للنفوس.

 

ومن حكم التمحيص: تمييز أهل الإيمان الصادق من المدعين، ورفع درجات الصابرين وتكثير حسناتهم، واستحقاق درجة الشهادة التي هي من أعلى المنازل، وتعليم الأمة فقه الشروط حتى لا تقع في الغرور.

 

الربط النفسي والسلوكي:

يؤكد الباحثون في علم النفس أن الأزمات الكبرى هي أكثر اللحظات تشكيلًا للشخصية وبناءً لها، وهذا ما قرره القرآن منذ أربعة عشر قرنًا؛ فأحد لم تكسر الصحابة بل صنعتهم، الذين خرجوا من أحد كانوا أنضج إيمانًا وأعمق يقينًا مما كانوا عليه حين دخلوا.

 

"الناس ما داموا في عافية مستورون، فإذا نزل البلاء تبين الرجال"؛ [الإمام أبو نعيم الأصبهاني نقلًا عن الفضيل بن عياض، حلية الأولياء (8 /109)].

 

سادسًا: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾ [آل عمران: 128]، التربية على حدود الدور البشري:

﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [آل عمران: 128].

 

سبب النزول: روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو على قوم من المشركين بأعيانهم لما أصيب في وجهه يوم أحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وفي رواية أنس عند البخاري أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته وشج وجهه، فجعل الدم يسيل فقال: ((كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟))، فنزلت.

 

التفسير: حدود الدور البشري:

قال الإمام ابن كثير في تفسير القرآن العظيم: "يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ليس لك من أمر هؤلاء المشركين شيء، إن شاء الله تاب عليهم فهداهم للإيمان، وإن شاء أهلكهم بذنوبهم"، وهذا تأديب رباني رفيع: أن الداعية لا يملك الهداية بيده، وأن تقلُّب القلوب بيد الله وحده.

 

تأمل: خالد بن الوليد والقدر:

يقف المتأمل هنا أمام مشهد مبهر من مشاهد القدر: خالد بن الوليد الذي كان يومئذٍ سيف المشركين وعقل الثغرة في أحد، صار بعد سنوات هو "سيف الله المسلول" الذي لا يُهزم، لو أن النبي صلى الله عليه وسلم استُجيب له في دعوته يومئذٍ لمات خالد كافرًا، فكان في إمهاله رحمة خفية وخير موعود.

 

وهكذا عكرمة بن أبي جهل الذي كان من أشد الناس عداوةً للإسلام، أسلم وحسن إسلامه وجاهد في سبيل الله، وهذا يربي المؤمن على قاعدة إيمانية عميقة: ألَّا ييأس من أحد، فقلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء.

 

((يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك))؛ [رواه الترمذي وصححه الألباني، قال الترمذي: حسن].

 

استطالة الكفار وحكمة الإمهال:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [آل عمران: 178].

 

فالاستطالة الظاهرة ليست دليلًا على صحة الباطل، بل هي إمهال ينتهي بالحساب، والتاريخ كله شاهد على أن الأمم المتجبرة مهما طال ليلها فإن نهاية أمرها إلى زوال.

 

سابعًا: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ [آل عمران: 139]، بناء الإرادة بعد الكسر:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139].

 

قال الإمام الطبري في جامع البيان: "نهى الله المؤمنين عن الوهن وهو الضعف في الأمر، وعن الحزن المؤدي إلى القعود والتراخي، وأخبرهم أنهم الأعلون بالحجة والعاقبة إن صح إيمانهم وصدق توكلهم".

 

وقال الإمام ابن عاشور في التحرير والتنوير: "جمعت الآية نهيين متكاملين؛ نهي عن الوهن وهو ضعف الإرادة في الفعل، ونهي عن الحزن وهو الاسترسال في الألم حتى يعطل الحركة، وكلاهما إذا استولى على النفس أقعدها عن العمل".

 

الفرق بين الحزن الطبيعي والوهن المنهي عنه:

لم تنهَ الآية عن الحزن بإطلاق؛ فالحزن على المصيبة طبيعة بشرية، والنبي صلى الله عليه وسلم بكى على ابنه إبراهيم وقال:

((العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا))؛ [رواه البخاري في صحيحه].

 

وإنما المنهي عنه هو الحزن الذي يُفقد صاحبه توازنه ويشل إرادته ويقوده إلى اليأس والانهزام الداخلي، فالحزن المنهي عنه هو حزن المستسلم، لا حزن المتألم المجاهد.

 

بناء النفس من الداخل: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]:

كان أخطر ما يمكن أن يحدث يوم أحد ليس الجرح المادي، بل الانهيار الداخلي، فلو انهار الصحابة نفسيًّا لكانت أحد نهايةً لا بداية، لكن القرآن أتى ليعيد بناء النفس من الداخل بكلمتين: "وأنتم الأعلون"، أنتم الأعلون قيمةً وهدفًا ومآلًا، حتى في لحظة الجرح.

 

والعلو المقصود ليس علو القوة المادية - فهم كانوا في لحظة جرح وكسر - بل هو علو المبدأ واليقين والعاقبة، وهذا الفرق بين من يحسن قراءة المشهد ومن لا يحسنها.

 

المرونة النفسية في ضوء القرآن:

يتحدث علماء النفس المعاصرون عن مفهوم "المرونة النفسية"؛ وهي قدرة الإنسان على الاسترداد بعد الصدمة واستئناف السير، والقرآن سبق إلى هذا المعنى لكنه ربطه بالإيمان لا بمجرد القدرة الذاتية، فالمؤمن لا يسترد نفسه بقوته المجردة، بل بعلمه أن الله معه وأن العاقبة له.

 

ثامنًا: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾ [آل عمران: 152]، حين تصبح الدنيا ثغرةً في الصف:

﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾ [آل عمران: 152].

 

الكشف القرآني، الخلل من الداخل:

كشفت هذه الآية حقيقة جذرية: أن الهزيمة في أحد لم تبدأ في ميدان القتال، بل بدأت في قلوب بعض الرماة حين رأوا الغنائم، تحركت شهوة الدنيا فنزلوا من مواقعهم مخالفين الأمر الصريح، ففتحت الثغرة في الصف العسكري لأنها كانت قبلها ثغرةً في الصف الروحي.

 

قال الإمام الزمخشري في الكشاف: "كان منهم من آثر الدنيا وأسرع إلى الغنيمة، فدل ذلك على أن الاختلاف في النية والقصد هو الأصل الذي نشأت عنه الفتنة".

 

النبوءة المحمدية، الخوف من الدنيا لا الفقر:

((والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم))؛ [متفق عليه].

 

هذا الحديث نبوءة نبوية تؤكد أن الدنيا أخطر على الأمة من الفقر؛ فالفقر قد يصفي القلب ويفجر طاقة التوكل، أما البسط والنعمة فقد يغريان وينسيان، وما أشبه هذا الحديث بحال الرماة يوم أحد لما رأوا الغنائم!

 

تطبيقات تربوية معاصرة:

في تربية الأبناء: أكبر خطر على الجيل القادم ليس العدو الخارجي، بل التنشئة على الترف وحب الراحة؛ فإنها تضعف الإرادة وتغلق القلب عن المثل العليا.

 

في العمل الدعوي: كم من مشروع دعويٍّ عظيم انهار لما انكشف فيه خلاف حول المناصب والمكاسب، تمامًا كما انكسر الصف يوم أحد بسبب الغنائم!

 

في الحياة الشخصية: راقب قلبك: متى صارت الدنيا هي المحرك الأول لقراراتك فاعلم أنك قد فتحت ثغرةً في نفسك.

 

تاسعًا: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ ﴾ [آل عمران: 152]، الطاعة والانضباط صمام أمان الأمة:

﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 152].

 

ثلاثة أسباب للإخفاق:

جمعت الآية أسباب الإخفاق في ثلاثة متتالية: الفشل وهو الجبن وضعف العزيمة، ثم التنازع وهو الاختلاف بعد الاتفاق، ثم المعصية وهي مخالفة أمر الله ورسوله، وهذه الثلاثة ليست حكرًا على أحد، بل هي أسباب هزيمة أي أمة أو مؤسسة أو بيت في أي زمان.

 

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].

 

درس القرار الفردي على المجموع:

في أحد يظهر بجلاء كيف أن القرار الفردي الخاطئ يؤثر على الجميع؛ فالرماة الذين نزلوا لم يكونوا كلهم، لكن نزول بعضهم كان كافيًا لفتح الثغرة، وهذا يعلِّم المؤمن قيمة الانضباط والمسؤولية الجماعية: خطؤه في العمل الجماعي ليس خطأه وحده.

 

أثر النزاع الداخلي في تاريخ الأمم: إن استقراء التاريخ يثبت أن أشد الهزائم وأعمقها لم تأتِ من عدو خارجي قوي، بل من نزاع داخلي وتفرق في الصف؛ قال تعالى: ﴿ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46]؛ فالريح هي القوة المعنوية والهيبة، وهي لا تذهب بضربة من خارج، بل تتسرب بالنزاع من الداخل.

 

عاشرًا: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ﴾ [آل عمران: 144]، التربية على احتمال الصدمات الكبرى:

﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144].

 

سبب النزول: لما انتشر النداء في أحد بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قُتل، اضطرب بعض الصحابة وقعدوا، فنزلت هذه الآية لتعيد ترتيب العلاقة بين الدين والشخص، وتقرر أن الإسلام أكبر من كل فرد حتى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه.

 

الدين أكبر من الأشخاص: قال الإمام القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: "أعلَم الله المؤمنين أن الأنبياء بشر يموتون، وأن الدين لا يرتبط ببقائهم، بل هو دين الله الباقي بعدهم"، وهذا تأسيس لمبدأ تربوي جوهري: ألَّا يُبنى العمل الإسلامي على أشخاص مهما بلغت منزلتهم.

 

وثمرة هذه التربية: يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان أعظم اختبار لهذه الآية يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، حين مات عليه الصلاة والسلام خرج عمر بن الخطاب يتوعد من يقول: إنه مات، فجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وتلا هذه الآية، فكأن الناس لم يسمعوها قبل تلك اللحظة؛ [رواه البخاري في صحيحه]، فثبتت الأمة بالتربية القرآنية التي زُرعت في أحد بعد سبع سنوات.

 

وهذا المشهد يثبت أن التربية القرآنية تعمل في الزمن الطويل: الآية التي نزلت في أحد أنقذت الأمة من أكبر صدمة في تاريخها.

 

من التطبيقات التربوية:

في بناء المؤسسات: المشاريع التي تُبنى على أشخاص تنتهي بموتهم، والمشاريع التي تبنى على منهج ورسالة تبقى بعد أصحابها.

 

في تربية الأجيال: علِّم من تربيه أن يحب القدوة والشيخ والعالم، لكن ألا يربط الدين بهم؛ فإن ذهبوا مضى في طريق المبدأ.

 

الحادي عشر: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران: 146]، صناعة الثبات:

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146].

 

"الربيون": من هم؟

قال ابن عباس رضي الله عنهما فيما رواه ابن جرير في تفسيره: "الربيون هم الجموع الكثيرة العلماء الصبر"، وقال مجاهد: "هم الذين تعلموا وعلموا ولزموا الأنبياء"، فهم ليسوا مجرد مقاتلين، بل علماء عاملون جمعوا بين العلم والصبر والثبات.

 

وسموا ربيين لأنهم ربوا بتربية ربانية فانعكست على سلوكهم ثباتًا في الشدائد، والثبات ليس خلقًا فطريًّا مجردًا، بل ثمرة تربية طويلة.

 

ثلاث جمل منفية تصف المثبتين:

جاءت الآية بثلاث جمل منفية تصف حال الربيين: ﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾ [آل عمران: 146] لم يضعف جسمهم وعزيمتهم، ﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾ [آل عمران: 146] لم تتراجع قدرتهم على الاستمرار، ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146] لم يخضعوا ذلًّا ومهانة، وهذه الثلاثة تمثل المستويات التي يصيبها الكسر: مستوى الجسد، ومستوى الإرادة، ومستوى الكرامة، فجمعت الآية الثبات كاملًا.

 

الثبات يُصنع قبل المعركة:

من أعمق دروس هذه الآية: أن الثبات يوم الشدة ليس قرارًا آنيًّا يتخذ في لحظة الأزمة، بل هو حصيلة تربية طويلة سابقة، فالصحابة الذين ثبتوا حول النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد لم يثبتوا بمعجزة، بل لأنهم قضوا سنوات في مدرسة الوحي يتعلمون ويتهذبون.

 

وهذا يلقي على المربين مسؤولية الإعداد المسبق: لا تنتظر الأزمة لتعلم الثبات، بل علمه في أيام الرخاء، الثبات في الميدان يُزرع في المسجد والبيت والكتاب قبل سنوات.

 

قال ابن المبارك: "إنما يُنال العلم والصبر بالمكابدة، ومن لم يكابد لم يصبر"؛ [كتاب الزهد والرقائق].

 

الثاني عشر: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، الشورى أصل لا تنسخه النتائج:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].

 

سياق الآية: الشورى بعد الهزيمة مباشرة:

من أبهر ما في هذه الآية أنها جاءت في سياق آيات أحد، فبعد الهزيمة، وبعد أن أفضى رأي الخروج إلى ما أفضى إليه، تأتي الآية لتقول: شاورهم، لم تقل: لا تشاورهم بعد اليوم، لم تلغِ التجربة المؤلمة أصل المنهج.

 

الفرق بين خطأ النتائج وصحة المنهج:

هذا درس منهجي عميق: الشورى أصل شرعي وإداري وتربوي، وخطؤها في نتيجة واحدة لا يلغيها، تمامًا كما أن خطأ طبيب في تشخيص واحد لا يلغي الطب علمًا، المنهج صحيح وإن أخطأ التطبيق مرةً أو مرات.

 

وهذا يرد على نمط شائع في التفكير الإداري والتربوي: حين تفشل تجربة يبادر بعضهم إلى إلغاء المنهج كله، بينما الأصوب مراجعة التطبيق مع الحفاظ على المنهج.

 

الرحمة واللين أساس الشورى الحقيقية:

جاء أمر الشورى مسبوقًا بذكر اللين والرحمة، وهذا يعلمنا أن الشورى الحقيقية لا تكون إلا في جوٍّ من الثقة والاحترام، فمن يشاور الناس وهو يحتقرهم في قلبه لا ينتفع بمشورتهم؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس شورى مع أصحابه لأنه أوسعهم حبًّا لهم.

 

الثالث عشر: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ [آل عمران: 167]، تمحيص الصف وكشف المنافقين:

﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾ [آل عمران: 167].

 

مشهد الانسحاب والخيانة:

في طريق أحد انسحب عبدالله بن أبي بن سلول بثلاثمائة رجل قائلًا: لماذا نذهب إلى القتل؟ وكان هذا الانسحاب طعنةً في ظهر الجيش في أصعب اللحظات، ذكر ذلك ابن هشام في السيرة النبوية، لكن القرآن كشف حقيقته: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾ [آل عمران: 167]، وكان في هذا الكشف رحمة: أن تعرف عدوك من أين يأتي خير من أن يظل مخفيًّا في صفك.

 

الشدة كاشفة لا كاسرة:

الشدائد تكشف ما في النفوس ولا تنشئه، المنافق لم ينشأ نفاقه يوم أحد، بل كان موجودًا من قبل، غير أن العافية سترته، وحين جاءت الشدة ظهر ما كان مختبئًا، وهذا يعلمنا أن بعض الأزمات نعمة خفية؛ لأنها تكشف مواضع الضعف قبل المعارك الكبرى.

 

أثر استزلال الشيطان:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155].

 

أضافت هذه الآية بعدًا دقيقًا: الشيطان لا يستزل إلا من له في قلبه باب مفتوح، ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي بسبب ذنوب سابقة أو غفلات ماضية أضعفت الحصن الداخلي، فالشيطان لا يصنع الضعف بل يستغله.

 

قال ابن القيم في إغاثة اللهفان: "الشيطان لا يجد للعبد مدخلًا إلا من باب فتحه العبد لنفسه، فإن أغلق أبواب قلبه بالذكر والتوبة والمراقبة أعجز الشيطان عنه"، وهذا يعلم المؤمن أن يغلق الأبواب قبل أن تفتح الثغرات.

 

الرابع عشر: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 138]، القرآن السلوة الكبرى بعد الانكسار:

﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 138].

 

الوحي علاج لا مجرد تسجيل:

جاءت آيات آل عمران في أحد علاجًا ربانيًّا متكاملًا؛ فبعد الجراح والدماء والإشاعات والاضطراب النفسي، كان القرآن هو الدواء الذي أنزله الله، لم يأت بتحليلات بشرية ولا خطط عسكرية، بل جاء بما هو أعمق: إعادة ترتيب القلب وربطه بالله.

 

قال الإمام ابن كثير: "أخبر الله تعالى أن هذا القرآن بيان للناس عامة، وهداية وموعظة للمتقين خاصة؛ فهم الذين ينتفعون به لصفاء قلوبهم وقبولها للحق"؛ [تفسير القرآن العظيم].

 

اللفتة التدبرية: ثلاثة أوصاف للقرآن:

جاءت الآية بثلاثة أوصاف متكاملة: بيان للناس جميعًا، وهدى يوجه، وموعظة تلين، والعلاج الكامل يحتاج الثلاثة: أن تعرف الحق (البيان)، وأن توجه إليه (الهداية)، وأن يلين قلبك له (الموعظة)، ومن اكتفى بواحدة دون الأُخريين نقصه شيء من الشفاء.

 

الأمة والقرآن في لحظات الأزمة:

الأمة الإسلامية عبر تاريخها كلما اضطربت وتزعزعت عادت إلى القرآن: تقرأ وتتأمل وتستمد منه الثبات، وحين انفصلت عنه أو اكتفت بقراءته بلا فهم ولا تدبر، تاهت في الأزمات وتخبطت مع كل حدث.

 

قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "من أراد العلم فليثوِّر القرآن؛ فإن فيه علم الأولين والآخرين"؛ [رواه الطبراني في المعجم الكبير].

 

الفصل الخامس عشر: الانتصار الأعظم، الانتصار على النفس:

ما خرج به الصحابة من أحد:

لقد خرج الصحابة الكرام من أحد بقلوب أعمق إيمانًا وأكثر نضجًا مما دخلوا، تعلموا ما لا تعلمه المدارس:

أولًا: أن النصر من الله وحده، لا يُنال بالعدد ولا بالبطولة المجردة.

ثانيًا: أن معصية أمر القيادة لها ثمن يدفعه الجميع لا المخطئ وحده.

ثالثًا: أن الدنيا خطر حقيقي على الصف حين تدخل القلب.

رابعًا: أن الثبات يُبنى بالإيمان قبل الأزمة لا في وقتها.

خامسًا: أن الهزيمة الميدانية ليست نهاية الطريق بل قد تكون بدايته.

 

المقارنة النفسية: من ينهزم حقًّا؟

المهزوم حقًّا ليس من سقط في ميدان، بل من سقط في قلبه، الذي يسقط جسدًا ويقوم روحًا قد ينتصر في النهاية، والذي يقف جسدًا وتنهزم روحه قد لا يفيد قيامه شيئًا؛ ولذلك نهى الله عن الوهن قبل أن يذكر الجراح؛ لأن الوهن الداخلي أخطر من الجرح الخارجي.

 

نموذج النهوض: غزوة حمراء الأسد:

في اليوم التالي لأحد مباشرةً أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالخروج لتتبع المشركين في غزوة حمراء الأسد، وكان كثير منهم جرحى، لكنهم لبوا النداء، ذكر ذلك ابن هشام في السيرة، فكان هذا الخروج أعظم انتصار نفسي: أن يخرج الجريح في الصباح التالي لهزيمته، وهذا النموذج النبوي في قيادة النهوض يستحق أن يُدرس.

 

الخاتمة: أحد لم تنتهِ، إنها قصة كل زمان:

إن غزوة أحد لم تكن هزيمة كسرت الأمة، بل كانت تربية صنعت الأمة، أراد الله عز وجل أن يعلم الجيل الأول - ومن بعده كل الأجيال - أن الطريق إلى التمكين ليس مفروشًا بالنصر الدائم، بل بالابتلاء والتمحيص والمراجعة والصبر.

 

وقد تجلت في أحد سنن ربانية خالدة؛ سنة المداولة: فالأيام تتداول بين الناس، والنصر الدائم لأحد في الدنيا لا وجود له، وسنة التمحيص: فالشدائد تصفي الأمة كما تكشف النار جودة المعدن، وسنة الربط بين المعصية والهزيمة: فالخلل في الداخل يفضي إلى الانكسار في الخارج، وسنة أن القرآن هو العلاج الأعظم: ما من أزمة إلا وفيه ما يكفيها.

 

ولذلك بقيت أحد حيةً في القرآن الكريم بستين آية وزيادة؛ لأنها ليست قصة معركة انتهت، بل قصة بناء إنسان لا تنتهي.

 

فكم في حياتنا من أحد: في البيوت حين تُصاب الأسر بالشدائد، وفي التربية حين يصطدم المربي بالإخفاق، وفي الدعوة حين يرى الداعية ثمار جهده تتأخر، وفي المجتمعات حين تنكسر أمام تيارات الباطل، وكم من إنسانٍ ظنَّ أن سقوطه نهاية الطريق، بينما أراد الله أن يبدأ به تربيته الحقيقية!

 

إن الأمة التي تفهم أحد لا تيأس عند العثرات، ولا تغتر عند الانتصارات، بل تسير إلى الله بين الخوف والرجاء، والمحاسبة والتوكل، والصبر والثبات.

 

نسأل الله أن يبصرنا بسننه، وأن يرزقنا فقه كتابه، وثباتًا عند الفتن، وصبرًا عند البلاء، وإخلاصًا في القول والعمل، وأن يجعل ما أصابنا رفعةً وتمحيصًا لا خذلانًا وعقوبة، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • غزوة أحد
  • غزوة أحد (2) الابتلاءات والمصائب
  • غزوة أحد: دروس وعبر (1)
  • غزوة أحد: دروس وعبر (2)
  • غزوة أحد نصر في البداية وابتلاء تمحيص النهاية
  • قصة غزوة أحد والمسائل المستنبطة منها
  • غزوة أحد: نصر أم هزيمة؟

مختارات من الشبكة

  • في ظلال عرش الرحمن سبحانه وتعالى (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • خطبة: في ظلال آية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (ولا الظل ولا الحرور)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • في ظلال التلبية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إضاءات في ظلال السيرة (1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الاتجار بالبشر وتأثيراته على أفريقيا، ظلال قاتمة على التنمية المستدامة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • في ظلال أول بيت وضع للناس (4)(مقالة - موقع د. حيدر الغدير)
  • في ظلال أول بيت وضع للناس (3)(مقالة - موقع د. حيدر الغدير)
  • في ظلال أول بيت وضع للناس (2)(مقالة - موقع د. حيدر الغدير)
  • في ظلال أول بيت وضع للناس (1)(مقالة - موقع د. حيدر الغدير)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بينزا تستضيف برنامجا صيفيا لتعليم الأطفال القرآن والعلوم الإسلامية
  • اختتام النسخة الـ18 من مسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في البوسنة والهرسك
  • انطلاق دورات «القرآن في قلوبهن» للفتيات بالمسجد التاريخي في إندركا
  • انطلاق الحملة السنوية لتوفير المستلزمات المدرسية لأبناء المسلمين في تتارستان
  • انطلاق برنامج قرآني صيفي لتنمية مهارات التلاوة في عاصمة بولندا
  • تخريج دفعة جديدة من دارسي العلوم الإسلامية في ألبانيا
  • مسجد أكسينوفو يختتم دوراته الصيفية بنجاح بموردوفيا
  • أزناكايفو تستضيف النسخة التاسعة من مسابقة «الإسلام» للقرآن الكريم

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/2/1448هـ - الساعة: 15:30
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب