• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / محمد صلى الله عليه وسلم / مقالات
علامة باركود

الموازنة بين سؤال موسى انشراح صدره وبين شرح الله للنبي صدره دون سؤال

الموازنة بين سؤال موسى انشراح صدره وبين شرح الله للنبي صدره دون سؤال
د. أحمد خضر حسنين الحسن

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 8/6/2026 ميلادي - 22/12/1447 هجري

الزيارات: 131

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الموازنة بين سؤال موسى انشراح صدره

وبين شرح الله للنبي صدره دون سؤال

 

المحور الأول: سؤال موسى عليه السلام ربَّه أن يشرح له صدره:

ابتداءً نقول: دعا موسى عليه السلام ربه فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ [طه: 25]، بينما أعطى الله النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسأل، فقال الله له: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: 1].

 

إن من أعظم الأدعية التي دعا بها موسى عليه السلام ربَّه أن سأله أن يَشرَح له صدره؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾، وذلك بعد أن كلَّفه الله سبحانه بالرسالة مباشرة، وذلك لعلمه بأنه ما لم يكن واسع الصدر لن يتمكَّن من أداء الرسالة، وخاصة إذا كان الذي أُرسل إليه هو فرعون الذي ادَّعى الألوهية، وكان من أعتى جبابرة الأرض، فكان هذا أول سؤال سأله موسى عليه السلام ربَّه؛ لكي يتيسر له تبليغ الرسالة إلى فرعون، وليدعوه إلى الإيمان بالله، وقد استجاب الله له عليه السلام؛ كما هو معلوم من السياق في سورة طه.

 

وهكذا الأمر في حق كل الدعاة، فما لم تتسع صدورهم للصبر على المدعوين، فإن الفشل سيكون حليفهم، والضجر سيكون هو قائدهم إلى ترك الدعوة إلى الله تعالى.

 

ولكي نعلم مدى أهمية اتساع الصدر، يَكفينا سؤال موسى عليه السلام، واستجابة الله له، ثم الامتنان على سيد الأنام عليه الصلاة والسلام بأن شرح الله له صدره منذ صغره كما سيأتي.

 

ولَما كان الموضوع على هذا القدر من الأهمية، أطلتُ الكلام فيه من خلال النقول من كلام أهل التفسير، فقد وقف الفخر الرازي في تفسيره عند هذه الآية وقفة طويلة، بيَّن فيها عِظَمَ انشراح الصدر وأهميته، ونحن سننقل بعض ما قال على حسب ما يقتضيه المقام بشيء من التقديم والتأخير والاختصار؛ قال رحمه الله:

المسألة الأولى: في حقيقة شرح الصدر، ذكر العلماء فيه وجهين:

الأول:ألا يَبقى للقلب التفات إلى الدنيا لا بالرغبة ولا بالرهبة؛ أما الرغبة فهي أن يكون متعلق القلب بالأهل والولد، وبتحصيل مصالحهم، ودفع المضار عنهم، وأما الرهبة فهي أن يكون خائفًا من الأعداء والمنازعين، فإذا شرح الله صدره صغُر كلُّ ما يتعلق بالدنيا في عين هِمَّته، فيَصير كالذباب والبق والبعوض، لا تدعوه رغبة إليها ولا تَمنعه رهبة عنها، فيصير الكل عنده كالعدم، وحينئذ يُقبل القلب بالكلية نحو طلب مرضاة الله تعالى، فإن القلب في المثال كيَنبوع من الماء، والقوة البشرية لضَعفها كالينبوع الصغير، فإذا فرَّقت ماء العين الواحدة على الجداول الكثيرة ضعُف الكل، فأما إذا انصب الكل في موضع واحد قَوِيَ، فسأل موسى عليه السلام ربه أن يَشرَح له صدره بأن يُوقِفه على معايب الدنيا وقُبح صفاتها؛ حتى يصير قلبه نَفُورًا عنها، فإذا حصلت النَّفْرة توجَّه إلى عالم القدس، ومنازل الروحانيات بالكلية.

 

قلت: وجاء في هذا المعنى حديث رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ [الأنعام: 125]، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن النور إذا دخل الصدر انفسَح)، فقيل: يا رسول الله، هل لذلك من علمٍ يُعرَف؟ قال: (نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله)؛ الحديث رواه الترمذي والحاكم.

 

الثاني: أن يشرح صدره بأن يفيض عليه كمالًا من القوة؛ لتكون قوته وافية بضبط العالمين، وبيان ذلك أن يقال: أن موسى عليه السلام لَما نُصِّب لذلك المنصب العظيم احتاج إلى تكاليف شاقَّة؛ منها: ضبط الوحي والمواظبة على خدمة الخالق سبحانه وتعالى، ومنها إصلاح العالم الجسداني، فكأنه صار مكلفًا بتدبير العالمين، والالتفات إلى أحدهما يَمنع من الاشتغال بالآخر، ألا ترى أن المشتغل بالإبصار يصير ممنوعًا عن السماع، والمشتغل بالسماع يصير ممنوعًا عن الإبصار والخيال، فهذه القوى متجاذبة متنازعة، وأن موسى عليه السلام كان محتاجًا إلى الكل، ومن استأنَس بجمال الحق استوحش من جمال الخلق، فسأل موسى ربه أن يشرح صدره بأن يُفيض عليه كمالًا من القوة؛ لتكون قوته وافية بضبط العالمين، فهذا هو المراد من شرح الصدر.

 

المسألة الثانية: لماذا سأل ربَّه هذا السؤال؟ وفيه وجوه:

الوجه الأولى: أنه تعالى لما خاطبه بالأشياء الستة، وهي:

أحدها: معرفة التوحيد: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ﴾ [طه: 14].

وثانيها: أمره بالعبادة والصلاة: ﴿ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14].

وثالثها: معرفة الآخرة: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ ﴾ [طه: 15].

ورابعها: حكمة أفعاله في الدنيا: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 17].

وخامسها: عرض المعجزات الباهرة عليه: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى ﴾ [طه: 23].

وسادسها: إرساله إلى أعظم الناس كفرًا وعُتوًّا (فرعون).

 

فكانت هذه التكاليف الشاقة سببًا للقهر، فأراد موسى عليه السلام جبر هذا القهر بالمعجز، فعرَّفه أن كلَّ مَن سأله قَرُبَ منه، فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ [طه: 25]، فأراد جبر القهر الحاصل من هذه التكاليف بالقرب منه، فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾، أو يُقال: خاف شياطين الإنس والجن، فدعا ليَصل بسبب الدعاء إلى مقام القرب، فيصير مأمونًا من غوائل شياطين الجن والإنس.

 

الوجه الثاني: أن المراد أنه أراد الذهاب إلى فرعون وقومه، فأراد أن يقطع طمعَ الخلق عن نفسه بالكلية، فعرَف أن من دعا ربَّه قرَّبه له وقرَّبه لديه، فحينئذ تنقطع الأطماع بالكلية، فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾.

 

الوجه الثالث: الوجود كالنور، والعدم كالظلمة، وكل ما سوى الله تعالى، فهو عدمٌ مَحض، فكل شيء هالك إلا وجهه، فالكل كأنهم في ظلمات العدم، وإظلال عالم الأجسام والإمكان، فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾؛ حتى يجلس قلبي في بهي ضوءِ المعرفة وسادةِ شرح الصدر، والجالس في الضوء لا يرى من كان جالسًا في الظلمة، فحين جلس في ضوء شرح الصدر لا يرى أحدًا في الوجود، فلهذا عقَّبه بقوله: ﴿ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ [طه: 26]، فإن العبد في مقام الاستغراق لا يتفرَّغ لشيء من المهمات.

 

الوجه الرابع: قال موسى عليه السلام: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾، وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [ الشرح: 1 ]، ثم إنه تعالى ما تركه على هذه الحالة، بل قال: ﴿ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ [الأحزاب: 46]، فانظُر إلى التفاوت، فإن شرح الصدر هو أن يصير الصدر قابلًا للنور، والسراج المنير هو أن يعطي النور، فالتفاوت بين موسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم كالتفاوت بين الآخذ والمعطي، ثم نقول: إلهنا، إن ديننا وهي كلمة لا إله إلا الله نور، والوضوء نور، والصلاة نور، والقبر نور، والجنة نور، فبحق أنوارك التي أعطيتنا في الدنيا لا تَحرِمنا أنوارَ فضلك وإحسانك يوم القيامة

.

وختامًا قال بعض العلماء: وتلك أعظمُ نعمة وأقوى عُدة في تبليغ الدعوة، وتحمُّل أعباء الرسالة، ولذا توجه نبي الله موسى إلى ربه يطلبه إياها، لما كلِّف الذهاب إلى الطاغية فرعون؛ كما في قوله تعالى: ﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ﴾ [طه: 24 - 32].

 

فذكر هنا من دواعي العون على أداء الرسالة أربعة عوامل: بدأها بشرح الصدر، ثم تيسير الأمر، وهذان عاملان ذاتيان، ثم الوسيلة بينه وبين فرعون، وهو اللسان في الإقناع: ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾، ثم العامل المادي أخيرًا في المؤازرة: ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾، فقدَّم شرح الصدر على هذا كله لأهميته؛ لأنه به يقابل كلَّ الصعاب، ولذا قابل به ما جاء به السحرةُ من سحر عظيم، وما قابلهم به فرعون مِن عنتٍ أعظمَ.

 

المحور الثاني: بيان أن الله تعالى شرح للنبي صلى الله عليه وسلم صدره دون سؤال:

وهو يختلف تمامًا ليعرف المؤمن الفرق بين مقام موسى عليه السلام، ومقام نبينا صلى الله عليه وسلم، إذ بادَره الله بالعطاء وشرَح له صدره، فامتنَّ عليه قائلًا: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾ [الشرح: 1]، وإليك تفسيرها من كلام بعض المفسرين:

قال في تتمة أضواء البيان:

واختلف في معنى شرح الصدر، إلا أنه لا منافاة فيما قالوا، وكلها يُكمِل بعضها بعضًا، فقيل: هو شق الصدر؛ سواء كان مرة أو أكثر، وغسْله وملؤه إيمانًا وحكمة؛ كما في رواية مالك بن صعصعة في ليلة الإسراء، ورواية أبي هريرة في غيرها.

 

وفيه كما في رواية أحمد: أنه شق صدره، وأخرج منه الغلَّ والحسد، في شيء كهيئة العلقة، وأدخلت الرأفة والرحمة، وقيل: شرح الصدر إنما هو توسيعه للمعرفة والإيمان ومعرفة الحق، وجعْل قلبه وعاءً للحكمة.

 

ثم قال بعد أسطر: وفي حاشية الشيخ زادة على البيضاوي، قال: لم يُشرَح صدرُ أحدٍ من العالمين، كما شُرِحَ صدرُه عليه السلام، حتى وَسِعَ علوم الأولين والآخرين، فقال: "أُوتيت جوامع الكلم"؛ اهـ.

 

ومُراده بعلوم الأولين والآخرين: ما جاء في القرآن من أخبار الأمم الماضية مع رُسلهم، وأخبار المعاد، وما بينه وبين ذلك مما علمه الله تعالى.

 

والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أن شرح الصدر الممتن به عليه - صلى الله عليه وسلم - أوسع وأعم من ذلك، حتى إنه ليشمَل صبرَه وصفحه وعفوَه عن أعدائه، ومقابلته الإساءة بالإحسان، حتى إنه ليَسع العدو كما يسع الصديق.

 

كقصة عودته من ثقيف؛ إذ آذوه سفهاؤهم، حتى ضاق ملك الجبال بفعلهم، وقال له جبريل: إن ملك الجبال معي، إن أردت أن يُطبق عليهم الأخشبين فعَل، فينشرح صدره إلى ما هو أبعد من ذلك، ولكأنهم لم يُسيؤوا إليه فيقول: "اللهم اهدِ قومي، فإنهم لا يعلمون، إني لأرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله".

 

وقد بيَّن تعالى من دواعي انشراح الصدر وإنارته، ما يكون من رِفعة وحكمة وتيسير، وقد يكون من هذا الباب مما يساعد عليه تلقي تلك التعاليم من الوحي؛ كقوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وكقوله: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾[آل عمران: 134]، مما لا يتأتَّى إلا ممن شرح الله صدره، ومما يعين الملازمة عليه على انشراح الصدر، وفعلًا قد صبر على أذى المشركين بمكة، ومخادعة المنافقين بالمدينة، وتلقَّى كل ذلك بصدرٍ رحب، وفي هذا كما قدمنا توجيه لكل داعية إلى الله أن يكون رحب الصدر، هادئ النفس، متجملًا بالصبر.

 

تقول الأستاذة: أمل حميد محمد العوفي:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴾: أما شرحنا لك صدرك، فصار وسيعًا فسيحًا لا ضيق فيه، ولا حرجَ ولا همَّ ولا غمَّ ولا حزن، بل ملأناه لك نورًا وسرورًا وحُبورًا، أما شرحنا لك صدرك وملأناه حكمة ورحمة وإيمانًا وبرًّا وإحسانًا، وشرحنا لك صدرك فوسِعت أخلاق الناس، وعفوتَ عن تقصيرهم، وصفَحت عن أخطائهم، وسترت عيوبَهم، وحلُمت على سفيههم، وأعرَضتَ عن جاهلهم، ورحِمتَ ضعيفهم، شرحنا لك صدرك فكنت كالغيث جوادًا، وكالبحر كرمًا، وكالنسيم لُطفًا، تعطي السائل، وتمنح الراغب، وتُكرم القاصد، وتجود على المؤمِّل، شرحنا لك صدرك فصار بردًا وسلامًا يُطفئ الكلمة الجافية، ويُبرِّد العبارة الجارحة، فإذا العفو والحلم والصفح والغفران، شرحنا لك صدرك فصبرت على جفاء الأعراب، ونيل السُّفهاء، وعَجرفة الجبابرة، وتطاوُل التافهين، وإعراض المتكبرين، ومَقْت الحَسَدَةِ، وسهام الشامتين، وتجهُّم القرابة، شرحنا لك صدرك فكنت بسَّامًا في الأزمات، ضحَّاكًا في الْمُلِمَّات، مسرورًا وأنت في عين العاصفة، مطمئنًّا وأنت في جَفن الرَّدى، تُداهمك المصائب وأنت ساكن، وتلتفُّ بك الحوادث وأنت ثابت؛ لأنك مشروح الصدر، عامر الفؤاد، حيُّ النفس، شرحنا لك صدرك فلم تكن فظًّا قاسيًا غليظًا جافيًا، بل كنت رحمةً وسلامًا وبِرًّا وحنانًا ولُطفًا، فالحِلم يُطلَب منك، والجود يُتعلَّم مِن سيرتك، والعفو يؤخَذ من ديوانك)[1].

 

وقال الشيخ عبد الحليم توميات[2]: العبر من هذه الحادثة:

• كما سبق فهي من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، ومن الإرهاصات والمقدِّمات لبَعثته.

 

فيه إعداد للعصمة من الشرِّ ومن عبادة غير الله:

فلا يحلُّ في قلبه شيء إلا التوحيد، وقد دلَّت أحداث صباه على تحقُّق ذلك، فلم يركب الآثام، ولم يعبد الأصنام من صغره؛ روى الإمام أحمد عَن الزبير بن العوام قَالَ: حَدَّثَنِي جَارٌ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ لِخَدِيجَةَ: (أَيْ خَدِيجَةُ، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَاللَّهِ لَا أَعْبُدُ أَبَدًا)).

 

وإنَّ الله كان يربِّيه على مكارم الأخلاق، فقد روى البخاري ومسلم عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْقُلُ مَعَهُمْ الْحِجَارَةَ لِلْكَعْبَةِ، وَعَلَيْهِ إِزَارُهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ عَمُّهُ: يَا بْنَ أَخِي، لَوْ حَلَلْتَ إِزَارَكَ فَجَعَلْتَهُ عَلَى مَنْكِبَيْكَ دُونَ الْحِجَارَةِ، قَالَ: فَحَلَّهُ فَجَعَلَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْيَانًا صلى الله عليه وسلم.

 

وقال أحد الباحثين[3]: أولًا: روايات قصة شق الصدر: وردت هذه القصة في روايات كثيرة منها ما يلي: روى البخاري: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أنس بن مالك، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رضي الله عنه - أَنَّ نَبِيَّ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: "بَيْنَمَا أَنَا فِي الحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ، (شَكٌّ مِنْ قَتَادَةَ، وَالْمُرَادُ بِالْحَطِيمِ هُنَا الْحِجْرُ) - مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَقَدَّ، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ، فَقُلْتُ (أي قتادة) لِلْجَارُودِ - وهو أحد أصحاب أنس رضي الله عنه - وَهُوَ إِلَى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ - فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ..".

 

وفي رواية للبخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان أبو ذر رضي الله عنه يُحَدِّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ..".

 

وفي رواية البخاري التي ذكرناها سابقًا عن أنس رضي الله عنه في أمر الرؤيا التي كانت قبل الوحي، قال: "فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوًّا إِيمَانًا وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أَطْبَقَهُ..".

 

ثانيًا: وقفات مع حادثة شق صدر رسول الله:

لقد بدأت الليلة بدخول مفاجئ لجبريل عليه السلام بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يَلْقه بشكل مألوف كما اعتاد في السنوات السابقة؛ إنما دخل عليه من سقف البيت! فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي.."، وهذا يعني أن السقف قد انشقَّ ليدخل منه جبريل عليه السلام، ولهذا دلالات كثيرة لعلَّ منها تنبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن هذه الليلة لن تكون ليلة عادية، إنما ليلة خوارق ومعجزات، فيكون هذا تمهيدًا نفسيًّا له؛ ليتحمَّل المفاجآت القادمة، ولعلَّ منها كذلك تطمينه صلى الله عليه وسلم إلى أن عملية شقِّ الصدر التي ستحدث بعد قليل، هي عملية بسيطة بالنسبة إلى القدرات التي أعطاها الله لجبريل عليه السلام، وكأنه يقول: كما سَهُل على جبريل عليه السلام أن يَفرُجَ سقف البيت ثم يُطبقه وكأن شيئًا لم يكن، فإنه يسهل عليه كذلك أن يَفرج عن صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يُعيد إطباقه دون مشكلة، والذي يدعم هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استخدم اللفظة نفسها ليشرَح ما حدث مع السقف، ثم مع الصدر، فقال: "(فُرِجَ) عَنْ سَقْفِ بَيْتِي.."، ثم قال: "(فَفَرَجَ) صَدْرِي.."

 

وفي البيت الحرام عند الحِجْر حدثت مفاجأة أخرى كبيرة، وهي حادثة شقِّ الصدر! إذ قام جبريل عليه السلام بشقِّ صدر وبطن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكامل؛ وذلك من أسفل العنق إلى أسفل البطن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستيقظًا متنبِّهًا مُدركًا لما يحدث، وقد رأى جبريلَ عليه السلام يُخرج قلبه إلى خارج جسده، ويغسل تجويف صدره وبطنه بماء زمزم، ويحشو قلبه وعروق حلقه بالإيمان والحكمة!

 

إنها أعجب العمليات الجراحية في التاريخ كله!

 

ولم تكن هذه هي المرَّة الأولى التي يحدث فيها هذا الأمر العجيب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل حدث هذا معه على الحقيقة في مرحلة طفولته، ثم رآه في رؤيا قبيل بَعثته، والآن يتكرَّر الحدث المعجز نفسه! ولقد كانت العملية حقيقية ومادية إلى درجة أن إغلاق الصدر احتاج إلى خيوط جراحية خاطها جبريل عليه السلام! وكان أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: "وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ"!.

 

وإذا كنا نتعجَّب من الحدث، فإن عجبنا يزول حتمًا إذا أدركنا قدرة الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا ﴾ [فاطر: 44]، بل إنني صرتُ على قناعة أن الإيمان والحكمة أشياءُ مادية يُمكن أن "تُحشَى"، أو أن "تُفَرَّغ" في القلب! ولنراجع اللفظ النبوي العجيب: "ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي"، فهما أمران يُحملان في طَست، ويُفرغان في الصدر، بل إنه في رواية الرؤيا التي حكاها أنس بن مالك رضي الله عنه فصَّل في الشرح، فقال: "فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ.."، فهو لم يكتفِ بحشو الصدر أو القلب، إنما أضاف لذلك حشوَ عروق الحلق! وهناك مؤيِّدات كثيرة في القرآن الكريم والسُّنَّة النبوية لهذا المعنى، ولكن المجال لا يتسع هنا لهذا التفصيل.

 

كانت هذه العملية العجيبة بمنزلة الإعداد للرحلة المهولة القادمة - رحلة الإسراء والمعراج - بل إن شئتَ فقل: إن عملية شقِّ الصدر ورحلة الإسراء، كانتا بمنزلة الإعداد لرحلة المعراج إلى الملكوت الأعلى، واختراق السماوات، والحوار مباشرة مع ربِّ العالمين! لقد كان إفراغ الإيمان والحكمة في القلب بشكلٍ مباشر أمرًا ضروريًّا لإتمام الحدث المهيب! ومع أنَّ الله قادرٌ على أن ينقل رسوله صلى الله عليه وسلم دون شقِّ صدر أو إعداد، فإننا تعوَّدنا في رؤية تفاصيل حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملاحظة مبدأ احترام الأسباب، والأخذ بها، بل إننا سنرى هذا مرارًا في رحلة الإسراء والمعراج، وذلك من ركوبه دابَّةً معينة للذهاب إلى بيت المقدس، ومن ربطه الدابَّة عند دخوله المسجد، ومن طلب جبريل عليه السلام من حُرَّاس السماوات أن يفتحوا لهم أبوابها، وغير ذلك من أمور تُعَلِّمنا أن الكون له معاييرُ وسننٌ وضعها الله عز وجل، ولا يجوز أن يتجاوزها أحدٌ.



[1] أخلاق خاتم الأنبياء وإعجازها؛ لأمل العوفي.

[2] باختصار من موقع نبراس الحق.

[3] موقع قصة الإسلام.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • امتنان الله تعالى على الخليل عليه السلام بالهداية
  • امتنان الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم بالهداية
  • رعاية الله تعالى للخليل عليه السلام وحمايته من شر الأعداء
  • بيان ما أعطيه النبي محمد من معرفة ملكوت السماوات والأرض
  • الموازنة بين معجزة موسى في انفلاق البحر ومعجزة النبي في انشقاق القمر
  • الموازنة بين معجزات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزات موسى عليه السلام الحسية

مختارات من الشبكة

  • الموازنة بين معجزة تكسير الخليل إبراهيم للأصنام وتكسير النبي محمد لها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل عليه السلام لربه وبين عطاء الله للنبي صلى الله عليه وسلم (1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين دعائه صلى الله عليه وسلم لأمته وبين دعاء كل نبي لأمته(مقالة - ملفات خاصة)
  • الموازنة بين معجزة إلقاء الخليل عليه السلام في النار وما أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم مقابل ذلك(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قراءات اقتصادية (65) رأس المال في القرن الحادي والعشرين(مقالة - موقع د. زيد بن محمد الرماني)
  • تضرع وقنوت(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رعاية الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم وحمايته من شر الأعداء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من أدعية الاستفتاح: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب(مقالة - موقع الشيخ عبد القادر شيبة الحمد)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا
  • مسجد جديد متكامل الخدمات بعد عام من أعمال البناء في نوفوشيشمينسكي
  • "الذكاء الاصطناعي في يد المسلم" عنوان فعالية علمية في تتارستان
  • مسجد في بلاكبيرن يطلق ثلاجة غذائية لدعم الأسر المحتاجة
  • مسجد جديد في قراتشاي – تشيركيسيا
  • إحياء الذكرى الـ450 لتأسيس مسجد شوجدين في روغاتيكا
  • دراسة علمية حول تناول الإسلام والمسلمين في الدوريات العلمية الكرواتية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 22/12/1447هـ - الساعة: 10:18
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب