• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رأس السنة الهجرية
علامة باركود

العام الهجري الجديد 1448هـ: وقفات وتأملات وبدايات وإشراقات..

العام الهجري الجديد 1448هـ: وقفات وتأملات وبدايات وإشراقات..
د. عوض بن حمد الحسني

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/6/2026 ميلادي - 1/1/1448 هجري

الزيارات: 383

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

العام الهجري الجديد 1448هـ: وقفات وتأملات وبدايات وإشراقات...

 

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فها نحن نودع عامًا مضى ونستقبل عامًا جديدًا، وهكذا تمضي الأعوام وتمر الأيام، وتنقضي اللحظات من أعمارنا بسرعة مدهشة، وكأن الزمن يبعث برسالة متجددة إلى كل واحد منا، ما دام في فسحة من العمر، أن يقف مع نفسه وقفات صادقة، يستعرض فيها ما مضى من أعماله وتجارب حياته خلال عام أوشك على الرحيل، فيأخذ منها الدروس والعبر النافعة، ويتجاوز ما سواها، ويستشرف في الوقت نفسه ما هو آتٍ بعزيمة وأمل وتفاؤل، مع بداية مطلع عام هجري جديد 1448هـ، عند ذلك تتجدد الآمال وتتسع الآفاق ليرسم كل منا ملامح مستقبل واعد بإذن الله، مستلهمًا من الهجرة النبوية - على صاحبها أفضل صلاة وأتم تسليم - ذلك المشروع الحضاري الذي غيَّر مجرى التاريخ، فغرس في النفوس معاني الإيمان والتضحية والتجديد والعمل والبناء، وتجاوز التحديات وتحقيق المستهدفات بصبر وثبات وقيم عليا؛ لذا حاولت أن أطرح جملةً من التساؤلات التي أرجو أن تكون مدخلًا للتأمل والمراجعة والاستفادة، ومنطلقًا للتجديد والبناء والإصلاح وتصحيح المسار، واستثمار ما بقي من العمر فيما ينفع في الدنيا والآخرة.

 

ومن هذا المنطلق، فإن استقبال العام الهجري الجديد يستدعي منا وقفات صادقة مع الذات، وتأملات واعية في واقعنا ومسؤولياتنا، وإشراقات متجددة تبعث الأمل وتدفع نحو العمل والبناء والإحسان، ومن هذه المعاني، ومن واقع مسؤولية الإنسان تجاه نفسه ودينه ووطنه ومجتمعه، كانت هذه الوقفات والتأملات والإشراقات التي أضعها بين يدي القارئ الكريم، علها أن تكون تذكرةً نافعة للكاتب والقارئ، وفكرةً ملهمة، وخطوةً في طريق البناء والإصلاح.

 

المحور الأول: ماذا يعني لنا حلول عام هجري جديد 1448هـ؟ وللإجابة على هذا التساؤل الجوهري: فإنني انظر إلى هذه المناسبة من منظور تربوي مستمد من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، من خلال ثلاثة زوايا رئيسة:

أولًا: الدلالة الإيمانية والحضارية للعام الهجري الجديد: يرتبط التقويم الهجري بحدث عظيم في تاريخ الأمة الإسلامية، وهو الهجرة النبوية المباركة - على صاحبها أفضل صلاة وأتم تسليم - التي جسدت معاني الإيمان والتضحية، والتخطيط والأخذ بالأسباب، والصبر على التحديات وتجاوزها، والسعي إلى صناعة التغيير الإيجابي في حياة الفرد والمجتمع معًا؛ ومن هنا فإن استقبال عامنا الهجري الجديد ليس مجرد مناسبة زمنية، بل تذكير متجدد بهذه القيم العظيمة، وترسيخ لقناعة أن التغيير نحو الأفضل ممكن متى صدقت النيات، وحسن العمل، واستقام المنهج.

 

ثانيًا: رسائل مهمة تنبعث من عامنا الهجري الجديد، منها: أن الحياة فرصة متجددة للإصلاح والتطوير. أن النجاح لا يتحقق بالتمني والأماني بل بالعمل والتخطيط. أن المسلم يعيش بروح الأمل مهما كانت التحديات. أن كل بداية جديدة تستحق أن تُستثمر فيما ينفع الإنسان في دينه ودنياه وأخراه.

 

ثالثًا: قيمة الزمن في حياة المسلم: فالوقت نعمة عظيمة ورأس مال الإنسان الحقيقي، ولذلك أقسم الله تعالى بالزمن في مواضع متعددة من كتابه الكريم: "والعصر"، "والضحى"، "والليل"، "والنهار"، "والصبح"، "والفجر"؛ تنبيهًا إلى أهميته وعظيم أثره، وقد أحسن الوزير يحيى بن هبيرة حين قال:

الوقت أنفس ما عنيت بحفظه
وأراه أسهل ما عليك يضيع

يقول ابن القيم: السنة شجرة والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمرها، فمن كانت أنفاسه في طاعة، فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرته حنظل، وإنما يكون الحصاد يوم المعاد، فعند الحصاد يتبين حلو الثمار من مرها ولذلك فإن الأعوام لا تقاس بعدد أيامها وشهورها فحسب، بل بما يتحقق فيها من إيمان وعلم وعمل وإنجاز وأثر ملموس نافع ينعكس على الفرد والأسرة والمجتمع، فالقاعدة التربوية تقول: ما لا يقاس لا يمكن تقويمه ولا تطويره. ومن هنا فإن العام الهجري الجديد ليس مجرد انتقال من سنة إلى أخرى، بل فرصة للتأمل والمراجعة ومحاسبة النفس وتصحيح المسار، وتجديد الإيمان والنية الصالحة، واستثمار ما بقي من العمر فيما ينفع في الدنيا والآخرة، فكلما طال عمر الإنسان ووفق للعمل الصالح، فإن الله أراد به خيرًا، قال صلى الله عليه وسلم: ((خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالًا))؛ [رواه أحمد وصححه الألباني]، وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا مع بداية كل عام: ماذا أضفنا إلى حياتنا؟ وما الأثر الذي تركناه؟ وما القيمة التي قدمناها لأنفسنا وللآخرين؟ فليكن عامنا الجديد إضافةً حقيقية إلى أعمارنا، لا مجرد رقم جديد يضاف إلى سجل السنين، بل مرحلة جديدة من النمو والعطاء والإنجازات وتجاوز التحديات وتحقيق المستهدفات بإذن الله عز وجل، وفي ختام هذا المحور، فإن من أهم الرسائل التربوية التي نلخصها للاستفادة من حلول العام الهجري الجديد: استحضار معاني الهجرة في حياتنا واقعًا وسلوكًا، بالانتقال من الجهل إلى المعرفة، ومن الضعف إلى القوة، ومن الجمود الفكري إلى التفكر والتدبر والتأمل في النفس وفي الكون، ومن التبعية العمياء إلى الوعي والبصيرة وحسن الاختيار ومسؤولية القرار، ومن التقصير إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى اليقظة، كما تدعونا هذه المناسبة إلى تعظيم قيمة الوقت، ومحاسبة النفس، والتخطيط الواعي للمستقبل، والعمل الجاد النافع الذي يحقق الخير للإنسان ومجتمعه، ويترك أثرًا طيبًا يمتد نفعه في الدنيا، ويُرجى أجره وثوابه في الآخرة.

 

نسأل الله أن يجعل عامنا، عام خير وبركة وتوفيق وسداد لنا ولبلادنا وللمسلمين عامة.

 

المحور الثاني: كيف نجعل العام الجديد أفضل من سابقه؟ إذا كنا قد تحدثنا عن أهمية مراجعة النفس مع نهاية عام وبداية عام جديد، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نجعل عامنا الجديد أفضل من سابقه؟ والحقيقة أن التحسن لا يحدث بالتمني والأماني، وإنما يتحقق بإذن الله من خلال مجموعة من الممارسات العملية، التي يجب أن يحددها من يريد أن يجعل عامه الجديد أفضل من السابق، أهمها:

أولًا: تحديد أهداف واضحة وواقعية؛ فكثير منا يتمنى الإنجاز ويحلم به، لكن القليل من يحدد أهدافه بدقة ويضع لها خطة زمن؛ فالنجاحات الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة متكررة، وقد قيل: الاستمرار على القليل النافع خير من الكثير المنقطع، فكلما كانت الأهداف واضحة وواقعية وقابلة للقياس وفي الإمكان تحقيقها مع شيء من التحدي ومحددة زمنيًّا مع المتابعة، كلما كانت أقرب إلى التحقيق بإذن الله.

 

من أهم الدروس التربوية المستفادة من السيرة النبوية في تحديد الأهداف الواضحة والواقعية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعمل بعشوائية أو ارتجال، بل كان يحدد أهدافًا واضحة، ويختار الوسائل المناسبة لتحقيقها، ويراعي الإمكانات والظروف المحيطة، ومن ذلك:

• وضوح الهدف منذ بداية الدعوة: فقد كان هدف النبي صلى الله عليه وسلم واضحًا منذ اللحظة الأولى، وهو إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وتوحيد الله تعالى، فتركزت جهوده في المرحلة المكية على ترسيخ العقيدة وبناء الإنسان قبل الانتقال إلى بناء المكان والمجتمع.

 

• الهجرة النبوية نموذج للتخطيط الواقعي: فعندما أذن الله له بالهجرة لم يكتف بالرغبة في الوصول إلى المدينة، بل حدد الهدف بدقة، وأعد له الأسباب المناسبة، فاختار الرفيق، وحدد الطريق، واستأجر الدليل الخبير، وهيأ وسائل التموين والأخبار، مما يبرز أهمية وضوح الهدف وربط الطموح بالأخذ بالأسباب.

 

• بناء المسجد قبل بقية المؤسسات: عند وصوله إلى المدينة بدأ ببناء المسجد، لأنه أدرك أن إقامة مجتمع مسلم متماسك تحتاج أولًا إلى مركز يجمع الناس على العبادة والتربية والتوجيه، فكان ترتيب الأولويات جزءًا من وضوح الرؤية والهدف.

 

• صلح الحديبية نموذج للهدف الإستراتيجي: فقد رأى بعض الصحابة أن شروط الصلح مجحفة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى الهدف الأكبر؛ وهو تأمين الدعوة وفتح أبواب التواصل مع القبائل ونشر الإسلام في أجواء مستقرة، فكانت النتائج أعظم مما توقعه كثير من الناس آنذاك.

 

• مراعاة الواقعية والتدرج: لم يكلف النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ما لا يطيقون، بل رباهم على التدرج في التكاليف والمسؤوليات، مما يؤكد أن الأهداف الناجحة هي التي تراعي الإمكانات والقدرات وتُبنى على خطوات عملية قابلة للتحقيق، ولذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بكسر صنم أو نحوه أثناء وجوده مكة، فلما كان يوم الفتح وهو منتصر كسر تلك الأصنام التي حول الكعبة وأرسل في تكسير بقية الأصنام.

 

• إرسال الدعاة والمربين والمعلمين إلى الناس وفق احتياجاتهم مع مراعاة أحوالهم، فأرسل صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن وأخبره أنهم أهل كتاب، ثم وجهه إلى البدء بالأهم فالمهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُرد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب))؛ [صحيح البخاري]، ويمكن أن نقول في خلاصة هذا الجانب من ناحية تربوية: أن السيرة النبوية تعلمنا أن النجاح لا يتحقق بمجرد الأمنيات، وإنما يبدأ بتحديد أهداف واضحة ومحددة وواقعية، وترتيب الأولويات، واختيار الوسائل المناسبة، والأخذ بالأسباب، مع المرونة في التعامل مع المتغيرات والثبات على الغايات الكبرى، فكل إنجاز عظيم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كان مسبوقًا برؤية واضحة، وهدف محدد، وعمل متقن، وتوكل صادق على الله تعالى.

 

ثانيًا: المحافظة على العادات الإيجابية التي اكتسبت سابقًا وبناء عادات جديدة. يؤكد علماء التربية أهمية ذلك الجانب، وأن الحفاظ على العادات الإيجابية وبناء أخرى جديدة يساهم أولًا في المحافظة على العادات الإيجابية المكتسبة سابقًا، ثم ثانيًا في سرعة اكتساب العادات الإيجابية الجديدة، وذلك من خلال ربط العادة الإيجابية الجديدة بالروتين اليومي حتى تصبح عادة محكمة ولكن بوعي ليحذر من العادة السلبية، ويعتمد هذا على مبدأ التدرج والمكافأة، وأن تكون البيئة مهيأة ومناسبة، ثم ثالثًا التركيز على الاستمرارية بخطوات صغيرة دون استسلام أو ملل، فقد ورد في الحديث الصحيح: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل))، فالقليل المستمر خير من الكثير المتقطع، وكذلك حماية من الملل والإرهاق الذي يؤدي إلى ترك العمل سواءً كان للدنيا أو للآخرة. يمكن تعزيز هذا المحور بأمثلة تربوية من السيرة النبوية تجسد مبدأ المحافظة على العادات الإيجابية، والتدرج في بناء العادات الجديدة، ومن ذلك:

• المحافظة على الأعمال الصالحة واستمرارها: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا أثبته وداوم عليه، حتى قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((وكان أحب العمل إليه ما داوم عليه صاحبه))، وهذا يرسخ قيمة الاستمرارية وعدم الاندفاع المؤقت الذي يعقبه الانقطاع.

 

• التدرج في بناء العادات والتكاليف: ومن أوضح الأمثلة تدرج التشريع في تحريم الخمر؛ حيث انتقل الناس من الإلف والعادة الراسخة إلى الترك التام عبر مراحل متدرجة، مما يؤكد أن تغيير السلوك والعادات يحتاج إلى الحكمة والتدرج ومراعاة طبيعة النفس البشرية.

 

• ربط العادات بالروتين اليومي: فقد ربط الإسلام كثيرًا من الأعمال الصالحة بأوقات ثابتة ومتكررة، كالصلوات الخمس، وأذكار الصباح والمساء، والنوافل الرواتب، مما يجعل ممارسة الخير جزءًا من الحياة اليومية ويسهل تحوله إلى عادة مستقرة.

 

• البدء بالقليل الممكن ثم الزيادة: عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد فرأى حبلًا ممدودًا بين ساريتين، فقيل له إنه لامرأة تصلي فإذا فترت تعلقت به، فقال: ((حلوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد))، وفي ذلك توجيه نبوي إلى الاعتدال والابتعاد عن التكلف، لأن الاستمرار أهم من الكثرة المؤقتة.

 

• تهيئة البيئة المعينة على السلوك الإيجابي: فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وأنشأ مجتمعًا صالحًا يعين أفراده بعضهم بعضًا على الطاعة والخير، مما يدل على أن البيئة الإيجابية من أهم عوامل تثبيت العادات الحسنة واستدامتها. ومما ينبغي أن نؤكد عليه، مما سبق من أمثلة، أن هديَ النبي صلى الله عليه وسلم في بناء العادات الإيجابية لا يقوم على الحماس العابر، بل على التدرج والوعي والاستمرارية، مع تهيئة البيئة المناسبة، ومجاهدة النفس على القليل الدائم، فبه تبنى الإنجازات في شؤون الدين والدنيا، وتترسخ السلوكيات النافعة حتى تصبح جزءًا من شخصية الإنسان وهويته لا تنفك عنه في الغالب.

 

ثالثًا: الاستثمار في بناء الذات؛ من خلال القراءة، والتعلم، واكتساب المهارات، وتنمية القدرات، فالمعرفة اليوم من أهم أدوات النجاح والتميز، في ظل تحدي العصر اليوم هو تجدد المعرفة المتسارع في وقت وجيز.

 

رابعًا: العناية بالعلاقات الأسرية والاجتماعية. فنجاح الإنسان لا يقاس بإنجازاته الفردية فقط، بل بما يتركه من أثر إيجابي في أسرته ومجتمعه وعلاقاته مع الآخرين.

 

خامسًا: المراجعة الدورية والتقويم المستمر، وهذه من مستلزمات الجودة وإتقان العمل، ومتى وجد الإنسان نفسه أنه بلغ منزلة لا يمكن أن يتقدم فهو حقيقة يتأخر ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴾ [المدثر: 37]، فالوقوف عن التطوير المستمر والتحسن، هو تأخر، رأى رجل الإمام أحمد بن حنبل وهو يحمل محبرته فقال: يا إمام بلغت ما بلغت من العلم فإلى متى تظل تحمل المحبرة؟ فقال له: من المحبرة إلى المقبرة؛ أي لا توقف ما دام هناك عرق ينبض، فمن المهم أن يقف الإنسان منا مع نفسه، ليتأكد من أنه يسير في الاتجاه الصحيح، ويصحح ما يحتاج إلى تصحيح، ويعزز جوانب القوة والتميز.

 

أيها القراء الكرام، إن العام الجديد لن يكون مختلفًا لمجرد أنه عام جديد، وإنما سيكون أفضل حين نكون نحن أفضل، وحين نحول الأمنيات إلى أهداف، والأهداف إلى خطط، والخطط إلى أعمال وإنجازات، ونحقق المستهدفات. فليكن لكل واحد منا مشروع تطوير شخصي لهذا العام، يسعى من خلاله إلى زيادة إيمانه، وتنمية علمه، وتحسين عمله، وتعظيم أثره في الحياة، فالأعوام لا تتغير بتقلب الأيام، وإنما تتغير حين تتغير أعمالنا وقراراتنا.

 

نسأل الله أن يجعل عامنا الجديد عام خير وبركة وتوفيق، وأن يعيننا فيه على اغتنام الأوقات، وتحقيق الطاعات، وصناعة أثر نافع يبقى لنا في الدنيا ويدخر لنا في الآخرة.

 

وختامًا لهذا المحور: لا ننتظر أن يحمل لنا العام الجديد نجاحًا مختلفًا ونحن نمارس الأساليب نفسها، فالتغيير الحقيقي يبدأ حين نغير ما بأنفسنا، إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

 

المحور الثالث: الإيجابية والتفاؤل حماس بدايات العام الجديد، ووقود توهج نهاياته وإنجازاته بإذن الله:

أيها القراء الكرام، ختمنا المحور السابق بأن التغيير يبدأ من الداخل، ولا بد لهذا التغيير من وقود يحركه ويجعله مستمرًّا، وهذا الوقود هو الإيجابية والتفاؤل. فالإيجابية هي الانتقال من دائرة التمني إلى دائرة العمل، ومن الشكوى إلى المبادرة، ومن الانتظار إلى الإنجاز. أما التفاؤل فهو حسن الظن بالله تعالى، وانتظار الخير مع الأخذ بالأسباب. وقد يكون الإنسان متفائلًا، لكنه غير مبادر، بينما الإيجابية تضيف عنصر الحركة والعمل، ولذلك فالمسلم بحاجة إلى التفاؤل والإيجابية معًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا يبدأ كثير من الناس أعوامهم بحماس كبير، ثم لا يلبث هذا الحماس أن يتراجع بعد أسابيع أو أشهر قليلة؟ والجواب أن المشكلة ليست في ضعف الرغبة في النجاح، وإنما في الاعتقاد أن الحماس وحده يكفي، بينما الإنجاز الحقيقي يقوم على الانضباط والاستمرارية. ولذلك فإن من أهم الوسائل للمحافظة على الحماس والإنجاز طوال العام، ما يلي:

أولًا: ألا نجعل نجاحنا مرتبطًا بمزاجنا أو مشاعرنا المتحولة والمتقلبة، بل بأهدافنا وقيمنا وقناعاتنا.

 

ثانيًا: أن نبدأ بخطوات صغيرة ولكن مستمرة، فالأعمال العظيمة غالبًا ما تبدأ بإنجازات صغيرة متراكمة.

 

ثالثًا: أن تحتفل بالتقدم لا بالكمال، فالتقدم المستمر وإن كان قليلًا أفضل من التوقف انتظارًا للمثالية.

 

رابعًا: أن نحيط أنفسنا ببيئة إيجابية محفزة من الأسرة والأصدقاء والقراءة والبرامج التطويرية، وما نتابعه ونشاهده ونستمع إليه.

 

خامسًا: أن نراجع تقدمنا بصورة دورية، لأن المراجعة المستمرة تعيد شحن الحماس فتكشف جوانب القوة، وتحدد فرص التحسين، وتبرز نقاط الضعف التي تحتاج إلى معالجة لنحول ذلك كله فرصًا للتحسين والتطوير المستمر. لا نسأل أنفسنا: كيف نبقى متحمسين طوال العام؟ بل نسأل: كيف نبقى ملتزمين بأهدافنا حتى آخر لحظات عامنا وحتى عندما ينخفض الحماس لأي سبب من الأسباب؟ وختامًا: فالتفاؤل يمنحنا الطاقة للانطلاق، والإيجابية تدفعنا للعمل، والانضباط يضمن الاستمرار، والاستمرار هو الذي يصنع الإنجاز؛ ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس أن نبدأ بقوة، فالبدايات القوية يجيدها كثير من الناس، وإنما التحدي أن نستمر بوعي وثبات حتى نرى نتائج جهدنا وإنجازنا بإذن الله في نهاية عامنا، والرسالة الخاتمة لهذا المحور: الحماس يشعل البداية، لكن الانضباط والاستمرار هما اللذان يصنعان الإنجاز.

 

المحور الرابع: العام الجديد 1448 هـ والإجازة الصيفية:

أيها القراء الكرام، يتزامن استقبال العام الهجري الجديد 1448هـ مع مشارف الإجازة الصيفية، وهذا يدعونا إلى أن ننظر إلى الإجازة نظرة مختلفة، فهي ليست فترة فراغ واستهلاك للوقت فحسب، بل فرصة للبناء والنماء والاستثمار في النفس والذات والأسرة والمجتمع؛ فالإجازة الناجحة ليست بعدد الأيام التي نقضيها، وإنما بما نحققه خلالها من فوائد وآثار تبقى معنا بعد انتهائها. ومن أجمل ما يمكن أن نستثمر فيه الإجازة الصيفية:

أولًا: القراءة والتعلم، فكم من كتاب نافع لم نجد وقتًا لقراءته أثناء العام، وكم من مهارة أو دورة تدريبية كنا نؤجلها! فالآن الفرصة متاحة، ومن أعظم ما ينبغي أن يتصدر برامج القراءة في الإجازة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهما مصدر بناء الإيمان والوعي والفكر والوجدان، ثم بعد ذلك كل كتاب يبني فكرًا ويرسخ قيمًا ويكسب مهارة ويضيف جديدًا مفيدًا للقارئ.

 

ثانيًا: العمل التطوعي وخدمة المجتمع، فالعطاء من أفضل صور استثمار الوقت، ويكسب الإنسان خبرات ومهارات وقيمًا عظيمة، فكلما ازداد نصيب الإنسان من العطاء وخدمة الآخرين، ازداد نصيبه بإذن الله من التوفيق والبركة في ماله وأهله ووقته وحياته، فالتطوع طريق إلى سعادة النفس، وبناء الذات وخدمة المجتمع، ووفاء بحق الوطن، الذي قدم لنا كل ما بوسعه من أمن ونماء وتقدم وازدهار، فحقه علينا عظيم، مجال التطوع من المجالات التي تضمنتها رؤية المملكة العربية السعودية 2030. فقد حقق مواطنو هذه البلاد المباركة مستهدف رؤية 2030 بالوصول إلى مليون متطوع قبل حلول عام 2030 بست سنوات، حيث بلغ العدد الفعلي مليون متطوع في أواخر عام 2024، واستمر في النمو ليسجل 1.7 مليون متطوع بحلول النصف الأول من عام 2026.

 

• وحاليًّا بتاريخ (29/ 12/ 1447هـ)، في المنصة الوطنية يبلغ عدد الأفراد المسجلين والمتطوعين أكثر من 2.8 مليون متطوع ومتطوعة في مختلف أنحاء المملكة.

 

وتتوزع أبرز إحصائيات المنصة على النحو التالي:

• إجمالي المتطوعين: أكثر من 2,810,400 فرد.

• الساعات التطوعية المنفذة: تجاوزت 471 مليون ساعة تطوعية.

• الفرص التطوعية المطروحة: أكثر من 2.6 مليون فرصة.

 

وأكد معالي وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية رئيس مجلس إدارة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي المهندس أحمد بن سليمان الراجحي على ذلك رسميًّا، وأكد أن العمل التطوعي اليوم يعد وسيلةً من وسائل النهوض بالمجتمعات، ورمزًا للتكافل والتكاتف بين أفراد المجتمع، وينعكس أثره واقعًا إيجابيًّا في حياة المجتمع والوطن، وهو ما أكدته بجلاء رؤية السعودية 2030، وقال معاليه: بفضل الله ثم بما يشهده العمل التطوعي في بلادنا من دعم غير محدود من قيادتنا الرشيدة أيدها الله، وبيَّن أنه تم تحقيق ما نسبته (11%) في مؤشر التطوع الاحترافي في المملكة، مقارنة مع نسبة (5%) عالميًّا، مؤكدًا أن العمل التطوعي في المملكة لديه منهجية مؤسسية متكاملة، مستندةً على الخطط الإستراتيجية والتنفيذية، مشيرًا إلى حرص القيادة على العمل التطوعي بصفته ركنًا أساسيًّا في خريطة التنمية الوطنية.

 

• وقدم معاليه الشكر لجميع المتطوعين على مشاركاتهم المتميزة وبذلهم لأوقاتهم وجهدهم، وكذلك لكل الشركاء في القطاعات الحكومية وغير الربحية والخاصة لإسهامهم في تحقيق تلك النجاحات وتذليل التحديات في سبيل دعم العمل التطوعي.

 

ثالثًا: الأسرة وصلة الرحم، فالإجازة فرصة ثمينة لتعزيز العلاقات الأسرية، والحوار مع الأبناء، وقضاء أوقات نوعية مع الوالدين والأقارب.

 

رابعًا: العناية بالصحة، من خلال ممارسة الرياضة المناسبة، وتنظيم النوم، والعناية بالغذاء، فالصحة من أعظم نعم الله على الإنسان؛ ولذلك فإن من الجميل أن يدخل كل واحد منا إجازته بخطة مختصرة، يوازن فيها بين الراحة والاستمتاع من جهة، وبين البناء والتطوير من جهة أخرى.

 

وختامًا: فلنجعل من إجازتنا الصيفية فرصة للبناء لا للاستهلاك، وللنماء لا للفراغ، وللإنجاز لا للتأجيل، حتى تكون بداية عامنا الهجري الجديد بدايةً حقيقية لمسيرة من التطور والعطاء والأثر النافع بإذن الله.

 

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه، شاكرًا مقدرًا للقائمين على هذا البرنامج الهادف هذه الاستضافة، وشكر موصول للمستمعين والمستمعات لهذا البرنامج على حرصهم للاستفادة من هذا البرنامج الهادف.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • العام الهجري الجديد وآفاق التطوع
  • العام الهجري الجديد وقفات ودروس
  • إذاعة عن العام الهجري الجديد
  • وقفات مع العام الهجري الجديد (خطبة)
  • خطبة: وقفات مع العام الهجري الجديد

مختارات من الشبكة

  • خطبة أول العام الهجري(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع ختام العام الهجري(مقالة - ملفات خاصة)
  • موقف جمهور العلماء عند تعارض العام والخاص(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • دروس وعبر من يوم عاشوراء وبداية العام الهجري (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: بداية العام الهجري وصيام يوم عاشوراء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة " العام الجديد والتغيير المنشود "(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • خطبة: العام الجديد وعِبر أولي الأبصار(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العام الجديد والتغيير المنشود (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • جريمة الخروج على السكينة العامة والنسيج الاجتماعي العام في الشريعة والنظام السعودي (PDF)(كتاب - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • أنواع العام(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد بضواحي شيكاغو يستقبل الزوار للتعرف على الإسلام
  • مسجد ينظم حوارات مفتوحة للتعريف بالإسلام في شوارع بيرو
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا
  • مسجد جديد في أيتونا يلبي احتياجات المصلين الزائدة
  • مساجد تتارستان تستعد لاستقبال مئات الأطفال في الدورات الصيفية
  • أهالي تاتارسكوي تيكاشيفو يحتفلون بافتتاح مسجد الإخلاص
  • تخريج 23 باحثا في الدراسات الإسلامية بالأكاديمية الإسلامية البلغارية
  • انطلاق فعاليات المدرسة الصيفية الإسلامية للباحثين في بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 30/12/1447هـ - الساعة: 18:19
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب