• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع الإصدارات والمسابقات / مسابقات الألوكة المستمرة / مسابقة كاتب الألوكة الأولى / المشاركات التي رشحت للفوز في مسابقة كاتب الألوكة الأولى


علامة باركود

أيهما نورث أولادنا

رضا محمد


تاريخ الإضافة: 26/4/2009 ميلادي - 1/5/1430 هجري

الزيارات: 14070

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أيهما نورث أولادنا
(مادة مرشحة للفوز في مسابقة كاتب الألوكة)


شاء القدر أن أعاصر امرأتين:

أولاهما: احْتَكَكْتُ بها في السنين الأولى من حياتي، وكان لها الأثر الكبير في حياتي، فقد تربيتُ يتيمةَ الأمِّ منذ نعومة أظافري، ووجدتُ عند هذه المرأة الحبَّ، والحنان، والأمان، وحُسن الرعاية في الأوقات التي كنتُ أقضيها عندها.

فهذه المرأة تربَّتْ بين والدين منفصِلَيْن في طفولتها، وكل له حياة مستقلة مع طرف آخر، فتعذَّبتْ كثيرًا في طُفُولتِها وشبابها؛ من جَرَّاء هذا الأمر، ثُمَّ تزوجتْ وبدأتْ أقسى فُصُول حياتها؛ فتزوَّجَتْ رجلاًّ نرجسيًّا إلى أقصى ما يَتَصَوَّره إنسانٌ، فهي لا تأكل إلا بعد أن يأكل، وإذا احتاجتْ لأي شيء لا يلبِّيها لها، حتى لو كان من أشد ضروريات الحياة؛ من دواء أو كساء أو طعام.

وأنْجَبَتْ له البنين والبنات، فلم يكونوا أفضل حظًّا مِن أمهم، وكان أشد شيء قسوة من هذا الرجل هو علاقاته النِّسائية الكثيرة، على مسمع ومرأى منها، ومِن أولادِه، وتوقع الكثيرُ من حولها أن تمتلئ بالحقد، والحسد، والضغينة، والغلِّ، والقسوة، وعدم الرغبة في الاستقرار لما مَرَّتْ به في حياتها، ولكنَّها خَيَّبَتْ توقُّعات كلِّ من حولها؛ فكانتْ شُعلةً منَ الحَنَان والحبِّ والاحتواء لكلِّ مَن حولها، وكانتْ كالشجرة الوارفة الأغصان، يحتمي بأوراقِها كلُّ مَن حولها، كانتْ كذلك لأولادها، وإخوانها، وأخواتها مِن أبيها وأمها، وأقارب زَوْجها، وأولادهم.

فكانت تجمع حوالي تسعة من الأسر وأولادهم، وكانت تعاملنا كلنا معاملة واحدة بما فيهم أولادها، فتَعَلَّمنَا منها العدلَ، والرحمة، ووصل الأرحام، حتى لو قطعونا، وتَعَلَّمنا منها الإحسان إلى مَن يُسيء إلينا، والصبر، فكان أولادها وأولاد إخوانها وأخواتها، وأولاد أخوات وإخوان زوجها ما يزيد عن خمسة وعشرين فتى وفتاة، وكان بيتُها هو المحضن لنا جميعًا، وكانت تجمعنا فتحكي لنا القِصص التي تَحْوي العِبَر والدروس منَ الوفاء والصِّدق، والنَّقاء والتضحية، وتحيك لنا العرائس من بقايا ملابسها القديمة، وتَعَلَّمْنا منها الرضا بالقليل.

وتعلمنا منها الابتسامة، رغم مرارة الأَلَم وعدم الشكوى إلا لله، فكانتْ تحتفظ بالألم داخلها، ولا يراها أحدٌ تَبْكي أبدًا إلا أنا، فكنتُ مِن حبي لها أتابعها في كلِّ حركاتِها، وكنتُ أنا موضعَ سرِّها رغم صغر سني، فكنتُ أنا الصديقةَ لها، والأم أحيانًا، والأب إن احْتاج الأمر.

فقد كانتْ وما زالت هذه المرأة كالنخلة، كلَّما رميتها بالحجر، رمتْك بالثمر، ومرض زوجُها مدة كبيرة في آخر عمره لأكثر مِن عشر سنين، فقامتْ بِدَوْرِها نحوه على أكْمَل وجْه، فلم يكنْ يراها أحدٌ إلاَّ ظَنَّهَا امرأة مُحبَّة لزَوْجِها إلى أبْعَد الحدُود، ولم تَتَشَفَّى فيه، أو تهينه، ولم أسْمَعْها تَبَرَّمَتْ مِن خدمته يومًا، ولم تَذْكُرْه بسوءٍ قط بعد موته، رغم أنني كنتُ أرى ما أَلَمَّ به عاجل حساب من الله؛ لما فَعَلَهُ لها طيلة حياتها هي وأولادها، من شقاء وحرمان وإهانة.

وكبر أولادها، وعَوَّضَهَا الله فيهم بحسن برِّها، ووسع الله عليهم منَ الرزق الحلال، والبركة فيهم، واحتَضَننا أولادها، وكبرنا واحتضنا أولادهم، وكبر أبناؤهم، واحتضنوا بدورهم أولادنا، والآن يكبر أولادنا، وسيقومون بنفس الدور مع الجيل القادم، فانظروا ماذا ورَّثت تلك المرأة، لم تورثْ مالاً، ولكنها ورَّثَتْ كنوزًا، لا تضاهيها أموال الدنيا، ولوِ اجْتَمَعَتْ فقد ورثتِ الحب والعطاء، وإن كانَ مع الفقر.

أما المرأة الأخرى، فقدِّر لي الاحتكاكُ بها في شبابي، فقد تربَّتْ هذه المرأة يتيمة الأب، ولكنَّها تربَّتْ مُدَلَّلة لِيُتْمِها، وتزوج أمَّها رجلٌ صالحٌ حنونٌ، وكان مبتلى بموتِ أولادِه عند سنِّ السادسة إلى السابعة، وضمها وإخوانه إلى ابنه المتبقي، وأحْسَنَ إليهم، وأغْدَقَ عليهم، فقد كان ميسورَ الحال، كريمًا جوادًا، وعندما كبرتْ زَوَّجَها لابنه إكرامًا لها، وحِفاظًا عليها مِن أنْ يَتَزَوَّجَهَا رجلٌ لا يصونها، ولكن كان هذا رغمًا عن ابنه، وكان يريد الارتباط بأخرى، وسَبَّبَ ذلك ضيقًا خفيًّا في نفسها، وضاق الحالُ بالرجلِ الصالحِ، وطبعًا تأثَّرَ لذلك حالُ ابنه، فكان هذان سببين لأن تحقدَ هذه المرأة على كلِّ امرأةٍ يعزها زوجُها، ويكون ميسورًا، واسْتَحْكَمَ هذا الحسد والحقد، وصار غِلاًّ، وللأسف وَرَّثَتْ هذا إلى أوْلادِها، سواء البنين والبنات.

وكان للبنات الحظُّ الأوفر، ولم تهتم هذه المرأة بزَرْع الحبِّ والإيثار بين أوْلادها؛ بل أصْبَحَ الأبناءُ يغارون مِن بعضهم، ويحسدون بعضهم، وورَّثوا أولادهم هذا البلاء، إلاَّ مَن رَحِم اللهُ ببعض أبنائهم، بأن رَزَقَهُم زوجاتٍ تتقين اللهَ قدْر الاستطاعة، ووفقهم الله بالتنبُّه لهذا الأمر، واستعَنَّ بالله على ألاَّ يُوَرِّثوا أولادهم هذا البلاء، ويزرعوا فيهم ما زرعتْه المرأةُ الأولى.

فعلينا جميعًا العبرة كما كان أبو الدَّرْدَاء، حين سُئِلَتْ زوجه عن أرجى عمل لزوجها، فقالتْ: العبرة والعظة، فكان إذا خَرَجَ لا يقعُ عينُه على شيء إلا واتَّعَظَ منه.

وأخيرًا:
فلنقفْ لحظةً صادقةً مع أنفسنا ولنسألها: ماذا نُوَرِّث أولادنا؟ هل الحب والعطاء والخير لمن حولهم، وإن كان مع الفقر؟ أم المال وإن كان مع الحقد والحسد والغل؟





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مسابقة كاتب الألوكة ...
  • مسابقة الألوكة ...
  • المسابقة ...
  • أنشطة دار الألوكة
  • مسابقة شبكة الألوكة ...
  • أخبار الألوكة
  • إصدارات الألوكة
  • مسابقات الألوكة ...
  • مسابقة الألوكة ...
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة