• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة


علامة باركود

الهجرة: دروس وعبر (خطبة)

الهجرة: دروس وعبر (خطبة)
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة


تاريخ الإضافة: 20/6/2026 ميلادي - 4/1/1448 هجري

الزيارات: 194

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: الهجرة دروس وعبر

2 محرم 1446هـ


الخطبة الأولى

عباد الله: تمر بنا هذه الأيام ذكرى من أعظم محطات الإسلام، وأكثرها تأثيرًا في نصرته وانتشاره؛ إنها ذكرى الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهي إحدى المحطات المهمة في حياة المسلمين، لم تكن الهجرة حادثةَ فرارٍ من مكان إلى مكان، بل كانت الهجرة نقطةَ تحول من مرحلة الضعف والاستضعاف إلى مرحلة القوة والتمكين.

 

لم تكن الهجرة مجرد هروب من بلد إلى بلد لإنقاذ النفس والروح، بل كانت معركة بما تعنيه كلمة معركة من بذل وتضحية وجهاد، ونحوها من المصطلحات، كانت معركةً كان النصر فيها للإسلام وأهله، فلولا الهجرة ما كانت بدرٌ ولا أُحُد ولا الخندق، ولا فُتحت مكة، ولولا الهجرة لَما تحطمت ثلاثمائة وستون صنمًا عانقت جدران الكعبة، ولَما ارتفع الأذان بالتوحيد يعلن ميلاد أمة حطَّمت الأصنام، وغرست مكانها شجرة الإيمان.

 

الهجرة حدث عظيم؛ لذلك وفِّق الصحابة رضوان الله عليهم حينما اتخذوا هذا الحدث عنوانًا للتاريخ الهجري، ولم يؤرخوا بالميلاد، ولا بالوفاة، ولا بالبعثة، ولا ببدر، ولا بفتح مكة، ولا بغيرها من الأحداث العظيمة والمهمة في حياة المسلمين، إنما أرَّخوا بالهجرة؛ لأن الهجرة - كما قلنا - بداية الانطلاق والنصر والتمكين، وكانت فتحًا ونصرًا للمسلمين، على الرغم من أن ظاهرها كان فرارًا وهروبًا من الوطن، لكنها كانت معركة لبناء الدولة المسلمة.

 

وقد تجلى هذا النصر فيما جاء بعدها من معاركَ وفتوحات، وكانت طريقًا للنصر والتمكين لعباد الله المؤمنين، وكانت بداية للانتصار للمبدأ؛ وإن ترْكَ المال والولد والأرض بداية لانتصار الحق؛ وإن كان أهله قليلون مستضعفون، وكانت عنوانًا للجِد والاجتهاد، والتضحية والبذل والعطاء.

 

كسرت حصار قريش وادِّعاءها أنها مالكة القداسة، وحامية البيت وسدانة الكعبة، وبيَّنت للمسلمين طريق العزة والتمكين، فكانت بحقٍّ نقطةَ تحول حضاري وعقدِي وتاريخي، ولذلك - كما قلنا - جُعلت بداية للتاريخ الإسلامي الهجري.

 

أيها المؤمنون: الهجرة - كما قلنا - حَدَثٌ يجب أن يقرأه الناس لاستلهام الدروس والعِبر منه، لا أن يكون مجرد تسلية أو معرفة للتاريخ، فإن الناس اليوم يقرؤون كثيرًا من السيرة وأحداثها، لكنهم لا يستفيدون منها في حياتهم اليومية.

 

والهجرة فيها من الدروس والعِبر الشيء الكثير، الذي يحتاج إلى عدة محاضرات ودروس وخطب كثيرة لسردها، لكننا اليوم سنقف مع بعض الدروس والعِبر؛ ومنها:

1. أول درس في الهجرة: أن نتذكر من قام بها، ومن ساعد عليها، ومن سار على نهجها، لقد ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الطوائفَ الثلاث في آيات متتاليات من سورة الحشر، ليسجل لنا هذا الحدث، لننظر إليه نظرة إيجابية.

 

فقد تحدث الله سبحانه وتعالى عن الصنف الأول؛ وهم المهاجرون الذين تركوا أموالهم وديارهم، وهاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرارًا بدينهم، ونصرة للمنهج والحق الذي اتبعوه، ثم ذكر أولئك القوم الذين استقبلوهم وآثَروهم على أنفسهم؛ وهم الأنصار، وكانوا عاملًا مهمًّا في نصرة الإسلام ونجاح معركة الهجرة، ثم تحدث عن الفريق الثالث، وهم من جاء بعدهم إلى اليوم، وهم من يحفظون الود والخير، ويحفظون لمن سبقهم مكانتهم، ويعرفون لهم قدرهم؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8]، فلا أحد يشكك في صدق المهاجرين وبذلهم وتضحيتهم من أولهم إلى آخرهم؛ فقد زكاهم الله بقوله: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8]، ووصفهم الله بهذا، فلا مجال لمن يكذبهم أو يشكِّك فيهم من البشر، كائنًا من كان.

 

ثم تحدث عمن استقبل وأيَّد وآثر؛ فقال: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]، فلا أحد يشكك في فلاحهم وصدقهم، وإيثارهم وبذلهم من أجل إخوانهم المسلمين المهاجرين المستضعفين، الذين جاؤوا إليهم فقراء محتاجين، فهؤلاء هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ مهاجرون وأنصار.

 

ثم تحدث عن الفريق الثالث الذي يجب أن أكون أنا وأنت منهم وعلى طريقهم وسيرتهم؛ فقال: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ [الحشر: 10]، من بعد المهاجرين والأنصار، ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10]، هذا واجبنا إلى اليوم؛ كلما ذكرنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، وغيرهم ممن أتى بعدهم ينصرون الله ورسوله، أن ندعو لهم وأن نترضى عنهم، ونترك الحقد والحسد والغل لهم، فلا نذكرهم إلا بخير، هؤلاء هم مكونات الهجرة، وهم الذين انتصر بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ونصر الله بهم دينه.

 

إذًا هذا الدرس الأول، ما واجبنا نحو من سبقنا من المهاجرين والأنصار، ونحن نتذكر هذه الذكرى العطِرة في الهجرة المباركة؟


2. الدرس الثاني: أن الإيمان بالله والحفاظ على دينه أولى من البقاء في الوطن، وإن كنت تحبه، فإذا لم يُسمح لك فيه أن تدين بالدين الصحيح، ولا أن تُظهر العقيدة السليمة، ولا أن تدعو إلى ما أمرك الله بالدعوة إليه، فاترك الوطن، وأرض الله واسعة.

 

وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الهجرة، حتى إذا كان بالحزورة وهو جبل صغير خارج مكة، التفت فنظر إلى مكة ثم قال: ((والله إنكِ لأحب البقاع إلى الله وإلى نفسي، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما خرجت))، ترك وطنه الذي ترعرع فيه ووُلد فيه، وعاش فيه 53 سنة، وخرج فارًّا بدينه، مهاجرًا إلى ربه.

 

وهنا يأتي معنى معرفة ما هو الوطن؟ وطنك هو المكان الذي تستطيع أن تعبد الله فيه على علم وبصيرة وحق، أما أن تترك دينك من أجل لُعاعة من الدنيا أو حَفنة من التراب، فهذا ليس صنيع الصادقين في دينهم واعتقاداتهم.

 

3. من الدروس والعِبر في الهجرة: الجمع بين كمال التوكل على الله سبحانه وتعالى والأخذ بالأسباب المادية، ولا يجوز للمسلم أن يعتمد على الأسباب المادية في إنجاح مشاريعه، دون أن يعتمد على الله ويتوكل عليه، كما لا يجوز له أن يفرط في الأسباب المادية وينتظر النصر وهو لا يفعل شيئًا.

 

فمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ بأسباب النصر المادية في نجاح معركة الهجرة، وأخذ بكمال التوكل على الله جل وعلا، خطط واختفى، وبحث عن مكان يأوي إليه فكان الغار، وخبَّأ المعلومات، وكل هذه من الوسائل والأسباب المادية للنجاح، ولما جاء فتيان قريش ووقفوا على الغار الذي كان يختبئ فيه، رآهم رفيقه أبو بكر رضي الله عنه فقال: "يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا"، وهنا انتهت الأسباب المادية، وبقي أن يعطي محمدٌ صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وللأمة من بعده درسًا في كمال التوكل على الله، فقال: ((يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟))، وسجل الله هذا الموقف بقوله: ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]، سبحان الله، كم يحتاج هذا الدرس إلى محاضرات وخطب، ليقذف في نفوس الناس اليوم كمال التوكل على الله والأمل فينا عنده، وقد أُصيبوا بكثرة اليأس والقنوط، وهم يشاهدون أعداء الله بقوتهم وجبروتهم، وحروبهم وبطشهم! كم درس إيماني يحتاج أن يُقذف في نفوس الناس أن يعلموا أن الله بيده ملكوت كل شيء، وأنه إذا أراد شيئًا قال له: كن فيكون! أين التوكل على الله جل وعلا؟ أين استمطار النصر منه بالعمل الصالح والإيمان، والتقوى والصلاح، والأخذ بالأسباب؟

 

4. أيضًا من الدروس المهمة في رحلة الهجرة: أن صاحب الحق المقتنع بمبادئه وعقيدته، مهما مرت به من ظروف صعبة، إلا أن قلبه مليء بالأمل، وأن النصر حليفه ولو بعد حين.

 

في قصة الهجرة جرى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصاحبه من المصائب والابتلاءات، ما يجعل الإنسان العاديَّ ييأسُ ويقنط، ولكن أنى يأتي القنوط إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو إمام المتفائلين، إمام المتوكلين، وهو من يغرس الأمل في نفوس البشرية كلها؟

 

بعد ثلاثة أيام من الاختباء وخروجهم من الغار، توجهوا نحو الساحل، وكانت قريش قد أعلنت جائزة لمن يأتي بمحمد وصاحبه حيًّا أو ميتًا؛ 100 من الإبل، فرآهم غلام لسراقة بن مالك، فجاء إليه فأخبره، فلحق بهما بفرسه، فلما اقترب منهما، سقط من فرسه وغارت قدم فرسه في الأرض، فقال: "ما هذا إلا دعوة من محمد"؛ يعني دعا عليه، فقام مرة أخرى ومشى قليلًا فسقط، ثم إذا كان في الثالثة صاح: "يا محمد"، فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ((أوَ لا أدلك على شيء غير هذا يا سراقة؟))؛ يعني خير لك من أن تقتلنا أو تأسرنا، قال: "وما هو؟" قال: ((ارجع وأعِدك بسواري كسرى وتاجه))، فوافق سراقة وهو كافر مشرك ورجع.

 

انظر إلى الثقة الموجودة في كلام محمد صلى الله عليه وسلم من ناحية، وفي تصديق عدوه ومن جاء يريد أن يقتله من ناحية أخرى، وتخيل شخصًا دمه مهدَر، وجائزة رأسه 100 من الإبل، وهو مطارَد في الصحراء مختبئ لأكثر من ثلاثة أيام، ومع ذلك ينظر بعين التفاؤل والأمل إلى ما بعد 12 أو 13 سنة، ويعِد سراقة بن مالك بسوارَي كسرى ملك الفرس وتاجه، وكانت دولة الفرس من أقوى الدول آنذاك مع الروم، لكن النبي صلى الله عليه وسلم ينظر بعين التفاؤل والأمل.

 

ارجع، وحينما ينتصر الإسلام ويسقط ملك كسرى، ستُعطى لك، وفعلًا في معركة القادسية كان قائدها سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، بعد أن انتصر على الفرس ودخل القصر نادى: "أين سراقة؟" فجاء إليه، فوفى بوعد النبي صلى الله عليه وسلم.

 

هذا هو التفاؤل الذي يجب أن يُقذف في قلوب المسلمين وقت اشتداد الكربات والمصائب، هذا هو دور وسائل الإعلام والعلماء، والخطباء والمرشدين، وكل من له كلمة، أن يقذف الأمل في قلوب الناس وقت الشدائد، لا أن يُصيبهم بالإحباط، ويقذف في قلوبهم اليأس، فإن اليأس إذا دخل إلى قلب الإنسان أهلكه.

 

5. أيضًا من الدروس العظيمة التي نأخذها من معركة الهجرة: درس التعاون والتكامل بين المسلمين.

 

لا يمكن أن ينتصر عمل عظيم إلا بالتعاون بين أفراده، والتكامل بين مكوناته، فمن أراد أن ينصر هذه الأمة المظلومة اليوم، فلا ينفرد وحده مهما عنده من قدرات، ولا يجعل مذهبه وطريقته هي الحق ودونه الباطل، فيترك التعاون مع غيره، ويجعل الخلاف معهم صفريًّا، ويسعى في مشاغلتهم وهو في معركة مع العدو الخارجي، بل يجب عليه أن يجمع الشمل، وأن يوحد الكلمة، وأن يستفيد من الآخرين، ويقتدي بمحمد صلى الله عليه وسلم كما استفاد من عبدالله بن أُريقط كدليل يدله على الطريق، وهو مشرك وليس على دينه، وكان عنده الأمانة والموثوقية، ولم يكن جاسوسًا للعدو حتى لو كان على شركه، فالتعاون لبناء المشاريع العظيمة لا يستثني أحدًا من أفراد الأمة.

 

وكم فشلت من مشاريع قديمًا وحديثًا على مستوى دول وأنظمة، وجماعات وأحزاب، حينما تعصب كل واحد منهم لنفسه ولطائفته، وأقصى الآخرين وحاربهم، ولا يريد أن يكون إلا هو، فكل مقدرات الدولة وأعمالها يريدها أن تكون مقصورة عليه وعلى أصحابه، ففشلت تلك المشاريع وذهبت! انظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم وهو يدخل المدينة مهاجرًا، ماذا فعل؟ فقد وجد يهودًا ومشركين ومؤمنين به، ماذا فعل؟ كتب وثيقة المدينة وأشرك الجميع في حماية المدينة والدفاع عنها، ولو كانوا يهودًا، ولو كانوا مشركين، أهم شيء يتم الاتفاق معهم على الهدف الأكبر، وموضوع الأهداف الصغرى تُترك إلى وقتها، ونجح محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الخطة، فحيَّد اليهود، وحيَّد المشركين، وحيَّد بعد ذلك المنافقين، وعمل هو المؤمنون الصادقون، في نشر الدين وحمايته.

 

6. أيضًا من الفوائد والدروس والعِبر: درس عظيم يسمى درس الوفاء، وكم يفتقده الناس اليوم أو كثير منهم! اليوم عندما تحتاج إلى شخص أو جهة تتملق لها، وتتقرب منها من أجل أن تساعدك في مشكلتك، فإذا انتهت مشكلتك، تنكَّرْتَ لكل من وقف معك وساعدك فخسرتهم.

 

الوفاء درس عظيم من دروس الهجرة، الأنصار جاؤوا إلى مكة وبايعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية، وكان من شروط البيعة أن يحموا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما يحمون منه أنفسهم، ولما فُتحت مكة، تخيل بعض الأنصار أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كحال بعض الناس اليوم سيتركهم، فقد فُتحت بلده وجاءه قومه مستسلمين، وعاد إلى مكة فاتحًا بعد أن خرج منها ضعيفًا، فظنوا أنه ليس وفيًّا معهم، فجمعهم وأخبرهم ووعظهم حتى ابتلَّت لِحاهم من الدموع؛ ثم قال: ((اللهم اغفر للأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، ثم قال لهم: أتظنون أني تارككم وباقٍ في دياري؟ فسكتوا، فقال: الدم الدم، والهدم الهدم، ولولا الهجرة، لكنت واحدًا من الأنصار))، ثم أعلن في أصحابه المهاجرين: ((لا يحل لمهاجر أن يبقى في مكة أكثر من ثلاث ليال بعد أن يقضي حجه))، فقد هاجرتم وتركتموها لله، فابقوا على تركها إلى قيام الساعة وارجعوا للمدينة، فهذا هو الوفاء في أعظم صوره.

 

وانظروا اليوم على مستوى الأفراد والجماعات، والأنظمة والدول من يوفي ومن يعطي حقوق الذين وقفوا معه، هذه دروس - أيها المؤمنون - عظيمة وجليلة، نحتاجها في واقعنا اليوم حينما نتذكر معركة الهجرة النبوية الشريفة.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد عباد الله:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خير الزاد؛ كما قال: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون: ومن الدروس والعبر التي نستفيدها من معركة الهجرة النبوية الشريفة:

8. درس في خطوات بناء الدولة القوية، فمن يرِد أن يقيم دولة قوية ثابتة الأركان، فليأخذِ العِظة والعبرة من محمد صلى الله عليه وسلم وهو يضع المداميك الأولى لإقامة الدولة الإسلامية في المدينة، ما الذي فعل؟ هناك عملان رئيسيان؛ أحدهما حسي، والآخر معنوي؛ الأول: أنه آخى بين المهاجرين والأنصار، وهذا هو الأساس الأول لإقامة دولة عادلة متحابَّة متآخِية قوية تقف أمام الأعداء، وأنتم تعرفون أنه كان معه مجموعة قليلة من المسلمين في المدينة، وحوله المشركون والكفار من كل جهة، بل ومعهم المنافقون واليهود داخل المدينة، فكيف يقيم دولة قوية من المؤمنين الصادقين؟ فأول شيء أن آخى بين المهاجرين والأنصار، واهتم ببناء الجبهة الداخلية، المهاجرون جاؤوا من مكة ضعفاء فقراء محتاجين، والأنصار وهم أصحاب الدار، وعندهم الأموال والأراضي والممتلكات، بماذا جمع بينهم؟ تحت أي راية؟ تحت أي شعار؟ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]، انتهى موضوع أوس وخزرج، وأنصاري ومهاجري، وغيرها من المسميات، ذابت كل أنواع العنصريات والطبقيات كلها تحت راية: لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، هنا نقطة اللقاء، هنا مكان الاجتماع، هنا شعار من قاله بلسانه وآمن به بقلبه، فهو من المسلمين، له ما له وعليه ما عليه.

 

فلم ينشئ طائفيات ولا عنصريات، وإنما دمج المجتمع تحت شعار العقيدة الصحيحة التي يعتقدها الناس جميعًا؛ وقال: ((الناس سواسية كأسنان المُشط))، هذا العامل الأول، فاجتمع الناس من سائر القبائل وسائر الأماكن، واندمجوا تحت هذا الشعار، ولا فرق بين هذا وهذا، نعم، هذا هو العنصر الأول لبناء الدولة.

 

أما العنصر الثاني؛ فهو بناء المسجد؛ لأن هؤلاء الذين آخى بينهم النبي صلى الله عليه وسلم من البشر، يحتاجون إلى برامج تربوية وقيادية، وعلمية وعسكرية، وسائر المهارات التي يحتاجونها لبناء القوة التي بها يقاتلون عدوهم، فقبل بناء الأجساد يكون بناء الأرواح، فكان المسجد مكانًا للتربية والدعوة والتعليم، وقراءة القرآن، ومدارسة السنة، وإقامة الشريعة، وتنفيذ الشعائر كلها.

 

واستمر صلى الله عليه وسلم بهاتين الوسيلتين سنةً وأشهرًا، ثم خرج إلى غزوة بدر الكبرى، وكان النصر فيها حليفًا للمسلمين.

 

هذه من الدروس والعبر التي ينبغي أن يستفيد منها ليس الأفراد وإنما الحكومات والدول، إن كانوا يريدون البقاء أقوياء في بلدانهم؛ لأننا اليوم - كما تشاهدون - نعيش في قانون الغابة، القوي يأكل الضعيف، لا شريعة تحكم ولا قوانين دولية تُطبق، ومن عنده قوة هو من يُحترم؛ قال الله: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: 60]، وليس القوة أن يكون معك صاروخ أو دبابة، ومجتمعك متناثر متقاطِع متدابِر، أول مصيبة ستُصيبك هي اختراق الجواسيس والمخبرين للمجتمع، فمهما كان عندك من القوات، ومهما كان عندك من العُدَد المادية، فإنها لا تغني عن بناء الإنسان الصادق المؤمن، الواثق بدينه، المحافظ على عقيدته ومجتمعه، هذا هو الذي يجب أن تنتبه له الدول، ويكفيهم أن يأخذوا الدروس والعبر مما يجري اليوم على ساحات المجتمع الدولي كله.

 

أيها المؤمنون: ومن الدروس والعبر، وأختم بها إن شاء الله، ألَا وهي كثيرة جدًا:

8. أن الهجرة ليست مجرد الانتقال بالأجساد من بلد إلى بلد؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((والمهاجر من هجر ما حرَّم الله)).

 

نحن نحتاج إلى معرفة نوعَي الهجرة؛ النوع الأول: تنتقل فرارًا بدينك، وتُعد العُدة لتعود لقتال وجهاد من أخرجك ظلمًا وعدوانًا، والمعنى الآخر للهجرة الذي ربما ضاع من أفهام الناس اليوم، هو كيف علاقتك بالله؟ فالمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، فهل أنت فعلًا بعيد عن المحرمات، وبعيد عن الإجرام والإفساد في الأرض، وبعيد عن البطش وأخذ أموال الناس بالباطل؟ الجميع محتاج اليوم إلى أن يعود إلى نفسه، ويحاسبها في ذكرى الهجرة ويقول لها: الهجرة الحقيقية أن أهجر ما حرَّم الله قبل أن أهجر الوطن والبلد؛ لأن أصل الهجرة هي الفرار بالدين، وإذا لم يكن عندك دين، فبماذا ستفِر؟ فانتبهوا لهذه القضية؛ فالهجرة الحقيقية أن تهجر المحرمات، أن تهجر الشرك، أن تهجر الفساد، أن تهجر أكل الحرام، أن تهجر أذية الناس وأكل أموالهم بالباطل؛ لأنك تحتاج إلى النصر الإلهي، ومن يعصي الله ويقسو ويظلم عباد الله، فلن يأتي له النصر الإلهي، فالنصر الإلهي عنوان للمحبة والتمكين؛ قال الله: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]، والنصر لا يأتي إلا للمؤمنين: ﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [المجادلة: 21]، وهم من قال الله فيهم: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 41].

 

فإذا كنا نريد النصر من الله سبحانه وتعالى، فلننصره في قلوبنا ونفوسنا، ونحافظ على الفرائض والواجبات، ونبتعد عن المعاصي والمحرمات، وخاصة المتعلقة بالخَلق؛ فإن المظالم المتعلقة بالخلق مِلفٌّ لا يُغلق، ويظل مفتوحًا إلى يوم القيامة، يحاسب الله عليه الخلائق أجمعين، فقد يغفر الله لك ما يتعلق بمعاصيك فيما بينك وبينه، ويقبل توبتك في ذلك، لأن الله غفور رحيم، لكن إن تُبت ولم ترُد المظالم التي بينك وبين الخلق، فلا فائدة من التوبة.

 

أيها الإخوة: مهم جدًّا أن نعود إلى الله سبحانه وتعالى، ونتذكر بهذه الهجرة الشريفة اللطيفة المحبَّبة إلى النفوس كيف نهجر المعاصي، وكيف نهاجر إلى الله بقلوبنا، وكيف نترك ما حرم الله سبحانه وتعالى، ونتذكر تلك الدروس والعبر، ونحاول أن نطبقها في واقعنا؛ لعل الله أن ينصرنا كما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم.

 

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، أن يجعلنا وإياكم من عباده الصالحين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة