• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / مقالات شرعية / الآداب والأخلاق


علامة باركود

متى يقبح الحلم؟

متى يقبح الحلم؟
محمود علي أحمد


تاريخ الإضافة: 27/10/2015 ميلادي - 13/1/1437 هجري

الزيارات: 13477

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

متى يقبح الحلم؟


الحِلمُ سيِّد الأخلاق، ورأسُ الفضائل، وأصلٌ جامع للمحامد، الحِلم ضبط النَّفس عند تهيُّجها، وكَظْمُ غيظها عند غضبها، وإلجامُ ثَورتها، وإطفاء حدَّتها، ومَن قدَر على ذلك فهو شجاع القلب، واسعُ الصدر، قويُّ الخلق، له حُكم على شهوته، له سُلطة على هواه، ومَن حَكَم شهوتَه سلِم من شرٍّ كثير، ومن تسلَّط عقلُه على هواه فاز بخيرٍ كبير، وبلغَ من الكمال منزلةً لا ينالها إلاَّ الصابرون، ومكانةً لا يرقاها إلاَّ بتأييد من ربِّه؛ لقوَّة دينه، وسلامة يقينه، وترَفُّعه عن الصَّغائر، وتَحْليقه فوق منطقة الانتقام، وفوق سُحُبِ الغيظ، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ [فصلت: 34 - 36].

 

الحلم شجاعة نفسية:

يتحاسد الناس على الدنيا، ويتقاتلون على متاعها الفاني، ويَتخاصمون فيها، ويَتزاحمون على زخرفها الزائل؛ فيَنشأ البُغض والحسد، والكُره والتعادي، ويظهر ذلك في السبِّ واللعنِ، والشَّتم والطعن، والدَّسِّ والوقيعة، والكذب والخديعة، والتلوُّن والنِّفاق، والكذب وضعف الأخلاق، فكثُر الغضبُ بين الناس، وثارَت النفوس وهاجَت، وتعدَّدَت الجرائم وزادَت؛ لِقلَّة الصبر ونفاد الحِلم، وعدم التسامح وضيق الصدر.

 

وكلُّ إنسان يستطيع أن ينقاد لغضبه، ويَسْتسلم لهياج نفسه، ويَخضع لهواه، وليس كلُّ إنسان بقادر على ضبط نفسه، وكَتْم ثورته، وحبسِ عواطفه؛ فذلك أمرٌ عسير إلاَّ على الشجعان، وخُلُق سامٍ رفيع، يعزُّ على سفيه الأحلام، بَذِيء اللِّسان، والحمقى كَثرة لا حصر لها، والمتسامحون الشجعان ندرة قليلٌ عددُها، ومَن ملَك نفسَه وحكَمها فساقَها إلى ما يريد، خيرٌ ممَّن حكَمَتْه نفسُه فساقتْه إلى ما لا يريد، ومن حبس كلمةَ السوء كان سيدًا لها، ومن لَفَظ قالَةَ الشرِّ أصبح عبدًا لها، مقيَّدًا بها، محاسَبًا عليها، ومن أَمسك الفضلَ من قوله سَلِم، ومن أطلَق لِسان الذمِّ نَدِم، وكفُّ اللِّسان خُلُق الشُّجعان، وإطلاق عنان الملام من سوء الخُلق وزَعْزعة الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله يحبُّ الحليم الحيِيَّ، ويبغض الفاحشَ البذيء))، وامتدح الله المتقين بقوله تعالى: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134].

 

فوائد الحلم:

بالحلم يُدفع السوءُ، ويُردُّ الأذى، ويَخجل المسيءُ، ويستحي المذنِب، وتحلُّ المحبَّةُ والوفاق محلَّ التباغض والشقاق، بالحلم يسُودُ الإنسان على أقرانه، ويسمو على خِلاَّنه، ويمتلك القلوبَ، ويستميل الأفئدة، ويصل لأغراضِه من طريقٍ حميد، سهلٍ مفيد، وفي الحلم راحة الجسد من آلام الانفعال، وراحةُ القلب من الغلِّ والحسَد، فطالما كان الغضب سببًا لأمراض جسديَّة، وعِلَل نفسيَّة، وصدماتٍ عنيفة قلبيَّة، الحلم دليلُ الرجولة، وعنوان الشَّهامة، ومظهر المروءة، وإن كان الصديق لا يُعرَف إلاَّ في الشدَّة، والشجاع لا يَظهر إلاَّ في الحرب، فالحليم لا يُعرف إلاَّ في الغضب، قال صلى الله عليه وسلم: ((ما تعدُّون الصُّرَعَةَ فيكم؟))، قالوا: الذي لا تَصرعه الرجال، قال: ((لا، ولكنَّه الذي يَملِك نفسَه عند الغضب)).

 

حلم الجبان ذل وعار:

يقبح الحلم إذا كان لخوفِ رئيسٍ، أو خشية عظيمٍ، أو رهبة من قويٍّ ظالم، الحلم له حُدود إذا تخطَّاها انقلب ذلاًّ وجُبنًا، وعجزًا وكَلاًّ، وضعفًا ومهانةً، والنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ من العَجز والكسَل والجُبن والبخل، واللهُ سلَّحَنا بقوَّة الغضب لندفع بها السوءَ، ونرد العدوانَ والإهانة، ونحتفظ بالعزَّة والكرامة، فمن فتر غضبُه، وبرد طبعُه، فأصبح لا يتأثَّر بإهانة، ولا ينفعل من إساءةٍ، فهو جبان خنوع حقيرٌ ذَليل، فَقَد الرجولةَ وإن كان في شكل الرِّجال، فقد الهمَّة والشَّجاعة، فقَد الحميَّة والشَّهامة، فقد الغيرة والأَنَفَة، فقَد قوَّة الدِّفاع، هان على نفسه فهان على النَّاس، وإن كان التهوُّر في الغضب حماقةً مَرْذولة، فإنَّ الخضوع للذلِّ خِسَّةٌ مَذمومة، وقد يكون الحِلم مَفسدة، وقد يصبح العفو مَعْجَزة، فالشيء إذا استُعمل في غير موضِعه، وفُهِم على غير حقيقته، صار خطرًا على صاحبه، وقد كان صلى الله عليه وسلم يغضب حتى يحمرَّ وجهُه، وكان يقول: ((اللهمَّ إنِّي بشَر، أغضب كما يغضب البشَر، فأيما مسلمٍ شتمتُه أو لعنتُه أو ضربتُه، فاجعلها صلاةً منِّي عليه، وزَكاة وقُربة تقرِّبه بها إليك يا ربَّ العالمين))، وقال الشافعي رضي الله عنه: "من استُغضِب فلم يغضب، فهو حِمار"، وورد في الأثر: "اتَّقوا غضبَ الحليم".

 

حقيقة الحلم:

الرَّجل مَن يغضب للإساءة ثمَّ يضبط نفسَه فيعفو، الرَّجل من تنفعل نفسُه للإهانة، ثمَّ يسكِّنها بالحلم، الحليم مَن يشعر بالألم فيداوي بالصَّفح، ويلجِم نفسَه بلجام التسامح، الرجل من يُحسُّ بالإيذاء ويأباه، ولكنَّه يملك قيادَ نفسه وزمام غضبِه، الحلم لا يكون إلاَّ بعد القدرة على الانتقام، والتمكُّن من دفع العدوان، والرَّحمة بالمعتدي مع استطاعة عقابه، والرِّفق بالمسيء مع إمكان تأديبه، أمَّا ترك الإساءة لعدم الإحساس بِها، أو لضعفٍ عن ردِّها، أو خوف من فاعلها، فذلك ليس من الحلم في قليلٍ ولا كثير؛ وإنَّما هو العجز أملاهُ الحِرص، أو موت الضمير جاء من برود الطبع، وفسادِ الذَّوق، قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا قدرتَ على عدوِّك، فاجعل العفوَ شكرًا للقدرة عليه))، وقال حكيم: "أحسن المكارِم عفو المقتدِر، وجودُ المفتقِر"، وقال أبو الدَّرداء لرجل يسبُّه: يا هذا، لا تفرطنَّ في سَبِّنا، ودَع للصُّلح موضعًا؛ فإنَّا لا نكافئ مَن عصى اللهَ فينا بأكثر من أن نطيعَ اللهَ فيه"، هذا هو الحِلم الحقُّ، والعفو الصحيح، والتسامح المقبول، الذي يشرِّف صاحبَه، ويرفع قدرَه، ويُعلِي ذِكْره، وما عدا ذلك فهو جُبن يستره حِلم كاذب، وذلٌّ يخفيه تسامح مَغشوش، وإعلانٌ سيِّئ عن موت الإحساس وانعدامِ الشعور.

 

الإسلام دين الكرامة:

الإسلام لا يقول: إذا ضربك أحدٌ على خدِّك الأيمن فأدِر له خدَّك الأيسر، وعِش ذليلاً حقيرًا؛ إنَّما يقول الإسلام: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 194]، وبذلك تكون حرًّا كريمًا، ولكنَّا نرى القويَّ أو العظيم إذا أهان غيرَه من الضُّعفاء والبسطاء، جاء الناسُ للمُهان المظلوم يسكِّتونه، وجاؤوا للظَّالم المسيء يحسِّنون عملَه ويتملَّقونه، وبهذا ضاعَت الكرامات، وذُبِحَت المروءات، وانتشر الفسادُ، فإذا جاءت الإهانة من عامِل أو زارعٍ أو صانع بسِيط، قام الناسُ عليه يَلعنونه، وقاموا للوجيه المُهان يحرِّضونه ويهيِّجونه، وبهذا يزداد الكُره بين الطبقات وتتولَّد الأحقاد، ولو ضربنا على يد الظَّالم المتغطرِس، لانتصرَت الكرامةُ، وانتعشَت الفضيلةُ، ولو نَصحنا الوجيهَ المتعاظِم بالصَّفح عن العامل أو الصانِع، لساد الحبُّ والوفاق، ولكن النَّاس جبناء أمامَ المظاهر، شُجعان على البسطاء والأصاغِر، إذا أُهين أمامهم رجلٌ بسيط من متكبِّر أو عظيم، ذَكَّروا البسيطَ بالحِلم، وإذا أُهين العظيمُ من البسيط، حرَّضوا العظيمَ وذكَّروه بالكرامة، وهذا من الخلطِ في فَهم الفضائل، والخبط في تعرُّف الأخلاق، بل هذا هو الانحلال والانهيار، والقرآن رسمَ لنا طريقَ الشَّرف والعزَّة؛ بدفع البَغي، أو بالعفو عند القدرة، والصفح لدى التمكُّن، ولم يرسم لنا طريقَ السكوت والاستسلام والخوف مطلقًا، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126]، وقال: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ [الحج: 60]، والله تعالى لم يجعل العفوَ والتسامح علاجًا لكلِّ إساءة، ودواءً لكلِّ مسيء، فقد يزداد مسيءٌ بالعفو بَغيًا وإيذاءً، ولكنَّه تعالى جعل العلاجَ الأول العامَّ هو الانتصار من البغي ومقابلة الشرِّ بشرٍّ يدفعه، ورد الإساءة بمثلِها، ثمَّ جعل فوق ذلك منزلةً أخرى لم يُلزِم بها أحدًا، ولم يفرِضها على العباد فَرْضًا؛ إنَّما تركها لحسنِ تصرُّفهم وجميلِ اختيارهم، فلكلِّ مقامٍ حال يناسبه، ولكل كريمٍ طريق للكرامة يسلكه، تلك هي منزِلة العفو للمقتدِر والصَّفح للقوي، حتى إذا وجد أنَّ كرامته تضيع بالسكوت عن الإهانة، أخذ بمبدأ الانتصار، وإن وجد أن مكانتَه لا تتأثَّر بالإهانة، وأنَّ منزلته عالِية لا تُتَّهم بالنذالة، أخذ بمبدأ الحِلم والصَّفح والعفو، وهذا هو الميزان العادل المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 39 - 43].

 

لا تَقبل إهانةَ المتكبرين؛ فالحلم هنا عارٌ مبين، واصفح عن البُسطاء الجاهلين؛ فالعفوُ عنهم رِفعة وفخار، وإن قدرتَ على عدوِّك، فاذكُر قدرةَ الله عليك، وتأخِيره العقابَ عنك، واذكر القبورَ وقد ضَمَّت المستبدِّين أهلَ البطش والقوَّة، واذكر فضيلة الصَّفح ومذلَّة الاعتذار بعد الانتقام، واستعِن على هياج نفسِك بذكر ربِّك، وخذ في عملٍ آخر يصرفك عن غضبِك، قال صلى الله عليه وسلم: ((ينادي منادٍ يوم القيامة: مَن له أجرٌ على الله فليقم؟ فيقوم العافُونَ عن النَّاس، ثم تلا قولَ الله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40])).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة