• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / نوازل وشبهات / شبهات فكرية وعقدية


علامة باركود

الإنترنت ومواقع الإلحاد

الإنترنت ومواقع الإلحاد
عصام الدين أحمد كامل


تاريخ الإضافة: 3/6/2026 ميلادي - 17/12/1447 هجري

الزيارات: 330

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الإنترنت ومواقع الإلحاد


هناك من يستنكرون عذاب الله الأليم العظيم المؤبد لعباده في الآخرة، فهو من خلقهم وعالم بما سيكون منهم، وقد قدر لكلٍّ منهم نصيبه من الذنوب، فلماذا يعذبهم على شيء قد كتبه عليهم؟ هذا مدخل من مداخل الشيطان على الإنترنت في مواقع الإلحاد المهولة العدد، التي تستقطب عقول أبنائنا وبناتنا من حيث لا ندري، وذلك بزعم الإنسانية وحقوق الإنسان، وغيرها من الشعارات التي يرفعها الغرب وهو منها براء، وبشبهات عدة لا حصر لها.

 

وبداية فإن من يقل هذا الكلام يناقض نفسه؛ إذ يقر بالخالق واجب الوجود، ويعترف بما قدره، ولكنه ينكر ما ينبغي للإله العظيم الكبير من صفات مطلقة كعلمه وعدله، وقدرته وحكمته، وللرد على هذا نقول: إن الميكانيكي الشاطر يعرف العطل من صوت الماتور، والطبيب الذكي يعرف علة المريض من مظهره، فكيف لا يعلم الخالق بما سيكون منك، وهو قد أرشدك بما أرسله من رسل وما أنزله من كتب، وهداك لطريق الفلاح والصلاح، فهناك من أبى واستنكف واستكبر، وهناك من اعترف واستجاب؟ هل يكون من العدل أن يستوي الجميع في الجزاء؟ وهل يكون من الصواب ألَّا يثيب ويجازي من أطاعه؟ وهل من الحكمة أن يدع من خالفه دون تخويف ووعيد؟ إذا ساوى بين الجميع فهو ليس بالعادل ولا بالقادر ولا بالحكيم، وبذلك لا يصلح بأن يكون إلهًا.

 

كما أن هذا الكلام يتخذ مما هو لا يزال في علم الغيب ذريعة للهرب من المسؤولية الملقاة عليه في الواقع، وهربًا مما لا يكلفه شيئًا بل وفيه له كل الخير والصلاح، وموقفه هذا يذكِّر بموقف لأحد منكري البعث مع سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فما زاد علي أن قال له: "إن كان ما تقوله حقًّا – وليس هناك بعث ولا حساب – فقد نجوت أنا وأنت، وإن كان ما تقوله باطل – وهناك بعث وحساب - فقد نجوت أنا وهلكت أنت".

 

لقد قال الله تعالى مبينًا عن حكمته في خلق العالم: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7]؛ أي إن هناك اختبارًا كبيرًا مفروضًا على الناس يتحقق بعده مصيرهم، فما هذا المصير؟ ويقول جل شأنه في آية أخرى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم: 31]؛ أي إن هناك مسيئًا ينتظره العقاب ومحسنًا ينتظره الثواب، وتلك عدالة لا مطعن فيها.

 

بيد أن بعض الناس يقول: هذا الامتحان مزور، وهذه النتائج مغشوشة، والذي حدث أن الله هيأ للجنة أناسًا وأجرى الأمور كما شاء، وستر مشيئته وراء فصول هذه التمثيلية الهازلة، ويرد الله على هؤلاء فيقول: إنه أرسل للبشر رسلًا يدلونهم على الصراط المستقيم، وقد منحهم عقولًا يحسنون بها التفكير ويستطيعون بها الاختيار، وقال لهم: إني أقطع بهذا كله أعذاركم لئلا تقولوا يوم القيامة: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172، 173].

 

ومع هذا البيان يجيء أناس معتوهون يقولون: لا شيء إلا الله، لا عمل إلا الله، أصابعه وراء كل شيء، وبقي أن يقولوا: ما في الجنة إلا الله، لا موجود غيره، نحن وَهْمٌ، وما نصنعه وهم، من هؤلاء من يزعم التصوف فينكر الإرادة البشرية والقدرية البشرية بمزاعم التقوى، ومن هؤلاء عملاء لدى الجبارين ليذلوا العباد فيمتطوهم كالدواب، ومن هؤلاء من يتخذون القدر ذريعة لعجزهم فهم عبيد لأهوائهم وشهواتهم، فمن أي تلك الفرق أنت؟

 

إذا كنت لست منهم، فأنت من هؤلاء الذين يسيئون فهم آيات القرآن فيخلطون ما بين مواطن الاختيار الحق، ومواطن الجبر القاهر، وعلى العلماء والدعاة أن يأخذوا بأيديهم، فنقول:

• إن قلوبنا تدق دون استئذان، وتمضي في أداء وظيفتها دون تدخل من إرادتنا، أفكذلك ألسنتنا حين نتكلم؟

 

• وقد يكون بعضنا أبيض الجلد والآخر أسوده، أيُسأل عن هذا التلوين، كما يُسأل الإنسان عندما يحسد ذا نعمة أو يزدري ذا عاهة؟

 

ولنضرب مثالًا للتوضيح: "إننا نستغل الكهرباء في بيوتنا للإنارة والإذاعة والتبريد والتسخين، فتصور ساكنًا جاءه المحصل يطلب منه ثمن ما أفاد من كهرباء، فقال له: إن التيار مر في الأسلاك من عندكم، والمصباح عندي لا يمكن أن يضيء من ذاته ولو بقي دهرًا، فيقول له المحصل: ماذا تقصد؟ يقول: لا أدفع ثمن شيء أنتم السبب الأول فيه، فيقول المحصل: إنك تحرك المفاتيح فتسمع الإذاعة، وتنير المنزل... إلخ، فيقول له الساكن: لولا التيار الذي أرسلتموه ما تم شيء".

 

هكذا يقول بعض الناس لله: لولا إرادتك ما كان شيء، فلماذا أحاسب؟

وكمثال آخر: تصور فلاحًا زرع حشيشًا أو أفيونًا أو أي نبت مخدِّر، ثم وقف أمام القضاء يدافع عن نفسه يقول: كيف أحاسب على ما زرع الله؟ صحيح أني وضعت بذرة تافهة، لكن من الذي نماها وحملها ثمرها؟ إنه القائل: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾ [الواقعة: 63، 64].

 

كثير من الناس يعالج قضاياه الدينية بهذا المنطق.

 

نحن نعلم أن الإنسان إذا أراد الذهاب إلى المسجد أو إلى الخمارة، ففي الحالتين بقي قلبه يدق بقدر الله، وبقي جهازه العصبي يصدر أوامره إلى الأقدام لتتحرك بقدر الله، وبقيت الأرض من تحته دون خسف ولا زلزال باسم الله، فهل معنى ذلك أن الله هو الذي دفع هذا إلى المسجد دفعًا، ودفع ذلك إلى الخمارة دفعًا؟

 

من يقُل بهذا ينكر واقعًا محسوسًا؛ هو أن للإنسان إرادة حرة، بها كُلف، وبها صح اختياره، وبها تم جزاؤه، وكون الله أعانه على ما أراد لنفسه، أو أنضج له ما بذر في أرضه، أو أمده بالتيار الكهربي الذي أنار بيته لا ينفي مسؤوليته التامة عما فعل؛ فهو يتخذ من القول بالقدر ذريعة لعجزه وضعف إرادته وقدرته على السيطرة على نفسه، وهذه هي مهمة الدين والشرع، فعبادة الله هدفها الأسمى زرع الإرادة وتقوية اليقين وقهر الهوى، فهناك من يتساءل عن جدوى الصيام والاستيقاظ من النوم في الشتاء القارس للوضوء لصلاة الفجر، والرد هو تنمية الإرادة وجعل الإنسان مسيطرًا على هواه وشهواته ونزعات نفسه، وليس العكس.

 

والخالق عز وجل جعل الإرادة ميزة محققة مؤكدة في الكيان الإنساني، وبها حمل الإنسان أمانة التكليف، وبها تميز عن الجماد الأصم والحيوان الأعجم، وبها يعلو أو يهوي، ويشكر أو يكفر.

 

فعندما يتجه المرء - بمحض اختياره - إلى الإحسان والإساءة، فإن تيار الإرادة المبعوث في أرجاء الوجود طوع إرادته، إن شاء أضاء فمشى في النور، أو أطفأ فخبط في الظلام.

 

أن عِلم الله شامل ومحيط بكل شيء (ما كان وما سيكون)، وعلاقته بأفعال البشر هي علاقة كشف وإحاطة وليست علاقةَ إجبارٍ أو إكراه أو إعدام؛ أي إن الله يعلم كل شيء دون أن يسلب الإنسان إرادته الحرة، فالله يحيط بكل شيء علمًا، لكن الإنسان يختار طريقه.

 

وآيات القرآن تؤكد هذه الحقائق، ويجب أن نعلم أن القرآن يفسر بعضه بعضًا ويصدقه ويكمله؛ فإذا قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: 31]، فلنسأل أنفسنا: من الذين يشاء الله إضلالهم؟ ولنسمع الإجابة من القرآن نفسه: ﴿ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾ [إبراهيم: 27]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3]، ﴿ كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴾ [غافر: 34]، وحاشاه جل جلاله أن يهدي إلا إلى الصلاح فهو الغني عن كل ما خلق؛ ألم يقل في كتابه الكريم: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7]، وقال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾ [النساء: 147]، فليس في الأمر كما يتوهم البعض بالباطل إكراهٌ لرجل صالح كي يتعرض لعذاب الله، لأن الله شاء إضلاله وتعذيبه، كلا وحاشا للبر الرحيم العدل الكريم أن يفعل ذلك.

 

هذا امرؤ اتجه إلى الشر فدفعته الأقدار في طريقه الذي اختاره، وكلما أوغل الشرير في الطريق، زاد سمك الغشاوة المضروبة على بصيرته، فيظلم القلب وتعجز أهل الأرض عن إنارته: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]، وهكذا يصنع الله بالمجادلين في آياته المستكبرين على الحق: ﴿ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾ [غافر: 35]، ولو كان الأمر كذلك ما كان قد شرع لعباده التوبة، وجعل من تاب من الذنب كمن لا ذنب له؛ بل وقال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: 70]، وفي الحديث: ((لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته التي عليها طعامه وشرابه، فأضلها في أرض فلاة، فاضطجع قد أيس منها، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمةً على رأسه، فلما رآها أخذ بخطامها، وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح))؛ [متفق عليه].

 

الأساس أن هذا الذي شاء الله إضلاله أضل نفسه أولًا فاستكبر وعاند ولم يقر بذنبه، فأتم الله له مراده؛ كما قال: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾ [النساء: 115]، والحق تعالى لا يأخذ العبد بجريرته بغتةً ومن أول مرة، حاشاه، وباب توبته مفتوح لأعتى العصاة؛ فهو القائل: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، وفي الحديث في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل: ((إن عبدًا أصاب ذنبًا - وربما قال: أذنب ذنبًا - فقال: رب أذنبت - وربما قال: أصبت - فاغفر لي، فقال ربه: أعلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبًا، أو أذنب ذنبًا، فقال: رب أذنبت - أو أصبت - آخر، فاغفره، فقال: أعلِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، وربما قال: أصاب ذنبًا، قال: قال: رب أصبت - أو قال أذنبت - آخر، فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثلاثًا، فليعمل ما شاء))، فمن السفاهة الظن بأن الله أزاغ طالب هدًى أو أضل من اتبع سبيل المؤمنين.

 

وكما شاء الله إضلال هؤلاء يهدي إلى الحق من ابتغاه ونشده؛ يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17]، وقال تبارك اسمه: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ [يونس: 9]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11]، وقال تعالى: ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 27، 28]، فالحق سبحانه لا يطلب من عبده سوى الإيمان به، والإقرار بوجوده وما له من صفات، والإنابة والرجوع إليه.

 

إن المشيئة الإلهية ليست رمزًا للفوضى؛ وعندما يقول الله: ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ﴾ [الزمر: 36، 37]، فالأمر بيَّنته الآيات: ﴿ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ [مريم: 75]؛ أي يزيده حيرة وعمًى فيستحيل أن يعينه أو ينقذه أحد؛ ويقول تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ [مريم: 76]، فيستحيل أن يضرهم أحدٌ بعد هذا العون الأعلى.

 

وحيث يكون التكليف الإلهي تكون الإرادة الحرة، وتكون المسؤولية الخلقية والجنائية في الدنيا والآخرة، فإذا انعدمت الإرادة لسبب ما فلا مسؤولية ألبتة، وكيف يكلف الإنسان بما لا يطيق والله سبحانه يقول: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286]؟

 

فإن قال لي أحدهم بعد ذلك: كيف يكون للإنسان اختيار، وإرادة الله نافذة في خلقه جميعًا؟ قلت: إن الله فاوت بين خلقه، فهناك فارق بين الجدار والحمار والإنسان، الجدار لا يحس، والحمار لا يعقل، والإنسان يحس ويعقل، وله ميزة في تكوينه تجعل له معاملة أخرى غير معاملة الجدار والحمار؛ فالمساواة بينهما في التكليف حمق.

 

وذكر لي آخر قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125]، وقال: أليست هذه الآية نصًّا في سبق الهداية الإلهية والإضلال الإلهي؟ قلت له: أنت واهم، تدبر ختام تلك الآية الكريمة تجد مفتاح المعنى الذي غاب عنك: ﴿ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125]، فهذا الرجس الذي خنق صدورهم نشأ عن عدم إيمانهم، فلما رفضوا الإيمان وغصت به حلوقهم، جُوزوا بهذا الضيق والحرج، أما الذين رضوا بالحق واستراحوا إليه، فقد استحقوا الهداية العليا وكوفئوا بشرح الصدر، ذلك، والاختيار بين النهجين يصحب المرء في كل يوم، بل في كل لحظة، وهذا هو السر في أننا نطلب من الله الهدى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6] في صلواتنا اليومية نحو عشرين مرة بالليل والنهار، ونطلب العون والاستعانة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، إن ظروفًا هائلة تحيط بنا لا تعرف إرادتنا ولا قدراتنا ما تصنع بإزائها، فالإنسان في الحياة كزورق هشِّ الصنع، يعوم في بحر لجي يغشاه موج من فوقه سحاب، هنا يتشبث الإنسان بالتوفيق الإلهي ويسأل ربه النجاة.

 

ومن العقل أن نميز بين الأقدار التي تحيط بنا وتتحكم فينا، والأعمال التي طولبنا بها ونُسأل غدًا عنها، وأرى أن إنكار الاختيار البشري فرار من وظائف العبودية واتهام لصفات الربوبية، وهذه جريمة، ما الذي نحاوله بهذا المسلك؟ يقول الله سبحانه: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يونس: 26]، ثم يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ [يونس: 27]، ثم يقول عن الجزاء الأخير: ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ﴾ [يونس: 30]، فأين الظلم أو الجبر في هذا الصنيع؟

 

إن في هذا شبهًا بطالب لا يذاكر، فيقول له المعلم: إذا لم تذاكر فسترسب، ومع ذلك يسترسل في عدم المذاكرة، فيرسب بالفعل، ويتهم معلمه بأنه السبب فهو من قال له ذلك، رغم أن المعلم حذره ولم ينصَع له، ولم يكن قول المعلم له سوى لإصلاح حاله المعوج، وما كان اتهامه للمعلم إلا من قبيل التهرب من مسؤوليته، ومن ضعف إرادته ومن غبائه وعناده واستكباره، وما الكفر في حقيقته إلا غباء وعناد، واستكبار وكِبر عن الانصياع للحق، وما هو في المجمل إلا التذرع بالغيب لتغطية الفشل في التعامل مع الواقع.

 

والحق تعالى يحاسب المرء البالغ العاقل الحر فيما هو مكلف به وحده، وليس يحاسِب أباه ولا يحاسب المجنون أو المختل عقليًّا، ولا يحاسَب إن نسيَ أو أخطأ، ولا يحاسِب السكران ولا المغمي عليه، ولا يحاسب المكره ولا يحاسب الجاهل الذي لا يعقل الأشياء، كما أن الله عز وجل كما قلنا سابقًا لا يرضى لعباده الكفر ولا يأمر بالفحشاء ولا يأمر إلا بالقسط؛ يقول تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴾ [الأعراف: 28، 29]، فهؤلاء يقولون على الله ما لا يعلمون كي يتهربوا من المسؤولية، بل ويتبرؤون من عقولهم، فهل يقال بعد ذلك بأن الإنسان مسير في كل شيء؟





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة