• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / نوازل وشبهات / شبهات فكرية وعقدية


علامة باركود

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (6) القداسة بين دوركايم والتوقيف الشرعي

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (6) القداسة بين دوركايم والتوقيف الشرعي
د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر


تاريخ الإضافة: 29/10/2026 ميلادي - 19/5/1448 هجري

الزيارات: 287

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات: المقال السادس

القداسة بين دوركايم والتوقيف الشرعي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

يختلف الناس في تعظيم الأماكن والأشياء؛ فما يراه أتباع دين مقدَّسًا قد يراه غيرهم بناءً أو حجرًا أو نهرًا، لا يثير في نفوسهم شعورًا خاصًّا، ومن هذه الملاحظة تنطلق شبهة تقول: إن المجتمع هو الذي يصنع القداسة كلَّها، وإن الشيء المعظَّم لا يستمد حُرمته إلا من اتفاق الناس عليه، ويُستدعى اسم عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم لتأييد هذا التفسير، ثم يُطبَّق على الكعبة وسائر شعائر الإسلام.

 

ولا تُجاب هذه الدعوى بإنكار أثر التربية والبيئة في مشاعر الناس، ولا بالقول: إن كل ما يتوارثونه من تعظيم صحيح، وإنما يبدأ الجواب بالتمييز بين كيفية تعلُّم الإنسان اعتقادًا، والدليل على صحة ذلك الاعتقاد، ثم نبيِّن ما يقصده المسلم بحرمة المكان؛ حتى تتوجه المناقشة إلى قوله الذي يعتقده، لا إلى معنى آخر يُنسب إليه.

 

أولًا: ما الذي يقوله دوركايم:

في كتاب «الأشكال الأولية للحياة الدينية»: يربط دوركايم المقدَّس بالقوة التي تستشعرها الجماعة في اجتماعها، وبالرموز التي تعبِّر عنها، ويقرِّر أن الصفة المقدَّسة لا تُستمَد من الخصائص المادية للشيء وحدها، بل تُضاف إليه في الحياة الجمعية[1]، ولهذا فإن تلخيص رأيه بأن للجماعة دورًا في إضفاء القداسة، له أصل في نظريته، وإن لم تكن كل عبارة عربية متداولة ترجمة حرفية لكلامه.

 

لكن الإنصاف يقتضي ألا نختزل نظريته في وصف محايد لطقوس الناس، فهو يذهب إلى تفسير المبدأ المقدَّس بالمجتمع في صورة متحوَّلة ومشخَّصة، ويجعل الآلهة تعبيرًا رمزيًّا عنه[2].

 

إذًا فهو يقدم تفسيرًا لأصل الظاهرة، ولا يكتفي ببيان آثارها، ومناقشته تكون بفحص هذا التفسير ومدى كفايته، لا بنفي ما قاله، ثم الاحتجاج باسمه.

 

ومع ذلك، يظل رأيه نظريةً لها مقدماتها واستدلالاتها، فلا يكفي ذكر اسم عالم كبير لتصبح النتيجة لازمة، كما لا يكفي اختلافنا معه لإسقاط كل ما رصَده من أثر الجماعة في شعور أفرادها وسلوكهم.

 

ثانيًا: بين منشأ الاعتقاد ودليل صحته:

يتعلَّم الطفل لغة قومه وعاداتهم وكثيرًا من معتقداتهم من محيطه، وقد يكون ما تعلَّمه صحيحًا أو باطلًا؛ فمعرفة الطريق الذي وصل به القول إليه، لا تحسم وحدها قيمة القول، وإذا تعلَّم إنسان حقيقة حسابية من أسرته، فإن دور الأسرة في تعليمه لا يجعل صحتها مِن صنع الأسرة، ولا يُغنيه عن معرفة برهانها.

 

وهذا المثال يوضح الفرق المنطقي، ولا يجعل القضايا الدينية والحسابية متماثلة في أدلتها، فالسؤال عن سبب شيوع الاعتقاد يختلف عن السؤال عن الشواهد التي تؤيِّده، وقد تجتمع في الاعتقاد أسباب اجتماعية لانتشاره وأدلة مستقلة على صحته، وقد ينتشر مع ضعف دليله، فلا بد من النظر في الحال المعينة.

 

وليس البحث في منشأ الاعتقاد عديم الفائدة، فقد يكشف تلاعبًا أو تلقينًا أو اعتمادًا على مصدر غير موثوق، فيؤثر في تقديرنا له، إنما يقع الخلل حين تتحول ملاحظة عامة - مثل تأثر الناس بمجتمعاتهم - إلى حكم شامل بأن كل دعوى دينية باطلة، فهذه النتيجة أوسع من المقدمة، وتحتاج إلى حجة أخرى.

 

وكذلك اختلاف أتباع الأديان في مقدَّساتهم، يدل على اختلاف اعتقاداتهم، لكنه لا يثبت بمجرده استحالة أن يكون بعضها حقًّا، ولا يجوز للمؤمن أيضًا أن يعكس الاستدلال، فيجعل كثرة المعظِّمين أو شدة تأثُّرهم دليلًا كافيًا على صحة كل ما يعظِّمونه.

 

ثالثًا: مصدر الحرمة في الإسلام:

المقصود بالتوقيف الشرعي هنا أن تخصيص مكان أو شيء بفضل ديني، أو تخصيصه بعبادة معينة، يُرجَع فيه إلى دليل من الوحي، فلا يَملِك الناس إنشاء عبادة جديدة لمجرَّد أنهم استحسنوا موضعها، أو وجدوا عنده مشاعر مؤثرة، أما الاحترام العادي للأشخاص والذكريات والممتلكات، فليس كلُّه ادعاءً لقداسة دينية حتى يُسوَّى بهذا الباب؛ قال الله تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 91].

 

فنسبة الشعائر إلى الله، والتصريح بأنه حرَّم البلدة، يبيِّنان المرجع الذي يحتكم إليه المسلم، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم عن مكة: «فإن هذا بلد حرَّم الله يوم خلق السماوات والأرض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة»[3]، فالحكم في الاعتقاد الإسلامي لا ينتظر أن يتفق عليه جميعُ الناس، ولا يزول؛ لأن زائرًا لم يَشعُر به.

 

وهذا لا يعني أن الحجارة تَملِك قدرة مستقلة على النفع والضر، ولا أن الحرمة خاصية مادية تُقاس بوزن الحجر أو تركيبه، إنه تشريف وحكم من الله، تترتَّب عليه أعمالٌ وحدود شرعية، ومن ثَم فإن النظر إلى الكعبة بوصفها بناءً ماديًّا لا يستنفد السؤال عن منزلتها الدينية، كما أن وصف مادة المصحف لا يُجيب وحده عن حقيقة الكلام المكتوب فيه.

 

رابعًا: ما الذي يبيِّنه قول عمر عند الحجر الأسود:

ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبَّل الحجر الأسود، وقال: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلك، ما قبَّلتُك»[4]، والكلام من قول عمر، وفيه إخباره عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ننسب العبارة كلَّها إلى النبي على أنها قوله.

 

يجمع هذا الأثر بين الاتباع ونفي اعتقاد النفع والضر في الحجر نفسه، فسبب التقبيل الذي صرَّح به عمر هو الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وليس المعنى نفي كل فضيلة شرعية عن الحجر، وإلا لم يكن لهذا الاتباع موضع، وإنما يبيِّن الأثر أن تعظيمه لا يساوي عبادته، أو الاعتقاد في استقلاله بالتأثير، وهنا تظهر حدود الاستدلال أيضًا: الأثر يوضح حقيقة الممارسة الإسلامية، ويرد تصويرَها باعتبارها عبادةً للمادة، لكنه ليس وحدَه برهانًا يُلزِم مَن ينكر النبوة بأن مصدر التشريع إلهي؛ فذلك يُناقش في أدلة النبوة والوحي، وبهذا نحفظ للدليل قوته في موضعه، من غير أن نكلِّفه إثبات كل مسائل الخلاف.

 

خامسًا: تعدد المقاربات لا يغني عن الدليل:

لم يُكتب عن المقدَّس من منظور واحد، فميرتشا إلياده في «المقدَّس والدنيوي»، يشرح أن الشيء الذي يراه المتدين مظهرًا للمقدَّس، يبقى من جهة مادته الشيء نفسه، فالحجر يظل حجرًا، مع اختلاف دلالته في التجربة الدينية[5]، وهذه ملاحظة تساعد على فَهْم أن الوصف المادي ووصف التجربة ليسا سؤالًا واحدًا.

 

لكن مقاربة إلياده لا تُتخذ تصحيحًا لجميع الأديان، ولا إثباتًا تلقائيًّا للمفهوم الإسلامي؛ فتصوراته عن تجلِّي المقدَّس، لا تطابق بالضرورة معنى التشريف والتوقيف في الإسلام، كما أن وجود باحث يخالف تفسيرًا اجتماعيًّا لا يُجيز القول: إن الدراسات الأكاديمية كلَّها رفضت ذلك التفسير، المطلوب مناقشة الحجة، لا مقابلة اسم مشهور باسم آخر.

 

نستطيع إذًا أن نَدرُس كيف يتعلم المسلم تعظيمَ الكعبة، وكيف تؤثر فيه الجماعة والعبادة، مع بقاء سؤال مصدر هذا التعظيم مفتوحًا للفحص بأدلته، فبيان وسائط انتقال الإيمان غير البرهنة على أن مضمونه اختراع بشري، والدفاع عن الإيمان لا يتطلب إنكار تلك الوسائط.

 

خلاصة للشباب:

إذا قيل لك: إن المجتمع يصنع المقدَّسات، فحدِّد المقصود: أهو أن الناس يتعلمون التعظيم من بيئتهم، أم أن كل حرمة دينية وهمٌ لا أصلَ له؟ للأول شواهد ظاهرة، وأما الثاني فيحتاج إلى دليل زائد، واقرأ دوركايم بأمانة، ولا تنسب إليه مجرَّد الوصف، ثم ناقِش تفسيره دون أن تجعل شهرة صاحبه حجةً، وتعظيم المسلم لشعائر الله مبني على الدليل الشرعي، فلا يُنشئه الشعور وحدَه، ولا يُبطله اختلاف المشاعر، ومَن أحسَنَ التمييز بين حقيقة الاعتقاد وطريقة انتقاله، سَلِمَ من كثيرٍ من الخلط في هذا الباب.

 

والحمد لله ربِّ العالمين.



[1] إميل دوركايم، «الأشكال الأولية للحياة الدينية»، ترجمة جوزيف وارد سوين الإنجليزية، نُشرت أولًا سنة 1915، الكتاب الثاني، الفصل السابع، القسم الرابع، ص 229 في الترقيم المعروض بالنص الإلكتروني، العرض هنا تلخيص للمعنى، لا نقل حرفي لعبارة عربية منسوبة إليه.

[2] دوركايم، المصدر نفسه، الكتاب الثالث، الفصل الثاني، ص 347؛ في تفسير المبدأ المقدَّس والآلهة بالمجتمع.

[3] صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب لا يحل القتال بمكة، حديث 1834، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

[4] صحيح البخاري، كتاب الحج، باب ما ذكر في الحجر الأسود، حديث 1597، واللفظ له. وأخرجه مسلم، كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف، حديث 1270، بألفاظ.

[5] ميرتشا إلياده، «المقدَّس والدنيوي»؛ ترجمة ويلارد تراسك الإنجليزية، المقدمة، ص 12؛ في تمييز مادة الشيء من دلالته لدى صاحب التجربة الدينية.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة