• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / نوازل وشبهات / شبهات فكرية وعقدية


علامة باركود

أحاديث الفتن وأشراط الساعة والواقع المعاصر: رؤية متوازنة

أحاديث الفتن وأشراط الساعة والواقع المعاصر: رؤية متوازنة
شعيب الحسيني الندوي


تاريخ الإضافة: 31/10/2026 ميلادي - 21/5/1448 هجري

الزيارات: 734

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

أحاديث الفتن وأشراط الساعة والواقع المعاصر: رؤية متوازنة

 

من الشائع بين المسلمين في هذا العصر أن تُفَسَّرَ أحداثُ العالم وتطوُّراتُه في ضوء أحاديثِ الفِتَنِ وأشراطِ الساعة، فكُلَّما وقعَ حدثٌ كبيرٌ، أو نشبت حربٌ، أو حَدَثَ اضطرابٌ سياسيٌّ، أو أصابَتِ المسلمين مصائبُ، سارَعَ كثيرٌ من الناس إلى ربْطِ هذه الأحداثِ بخروجِ الدجَّال، وعلاماتِ قُرْبِ القيامة، وظهور الإمام المهدي، ونزول عيسى عليه السلام، حتى أصبح تفسيرُ الواقع من خلال منظور آخر الزمان توجُّهًا فكريًّا عامًّا عند كثيرٍ مِن الناس.

 

ولا شكَّ أن أحاديثَ الفِتَن وأشراطِ الساعة تُمثِّل ثروةً علميَّةً عظيمةً وجزءًا مهمًّا من تراثنا الإسلامي، فقد أخبرت الأمة بالفتن القادمة، وبيَّنت طرق الوقاية منها، وأرشدت إلى وسائل حفظ الإيمان والدين؛ ولذلك فهي مصدرٌ مهمٌّ من مصادر الهداية والتوجيه والتربية الإيمانية في حياة الأمة.

 

لكن المشكلة لم تكن في أحاديث الفِتَن نفسِها، وإنَّما في طريقة فَهْمِها وتنزيلها على الواقع، فقد وقع خطأ في الفهم أدَّى إلى آثار سلبية في فكر بعض المسلمين وسلوكهم؛ إذ أصبح كثير من الناس ينظرون إلى كل حدث بنظرة تشاؤمية، ويظنون أن الإصلاح أو النصر لن يتحقق بالسنن الطبيعية والعمل البشري، بل لا بُدَّ أن يحدُثَ تغييرٌ خارقٌ للعادة عن طريق نزولِ عيسى عليه السلام أو ظهورِ الإمام المهدي، ولذلك لا مسؤولية -في نظرِهم- تقعُ على عاتقِنا لتغيير الأوضاع وإصلاح الأحوال، وإنما يكفي الانتظارُ وترقُّبُ الأحداث.

 

وهذا الفهم في الحقيقة يُخالفُ المنهجَ العامَّ للتعاليم الإسلامية؛ لأنَّ الإسلامَ لم يُرَبِّ الأمَّةَ على الانتظار والجمود، بل ربَّاها على العمل والإصلاح والسَّعْي وتحمُّل المسؤولية.

 

فلو نظرنا إلى أحاديثِ أشراطِ الساعة وحدَها دونَ الالتفاتِ إلى منهجِ الأنبياء في الدعوة والإصلاح، فقد يتولَّد اليأسُ والتواكُلُ، ولكن إذا نظرنا إلى نصوص القرآن والسُّنَّة ومنهج الأنبياء وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم جملةً واحدةً، فسنجد صورةً مختلفةً تمامًا؛ فالإسلام لا يدعو إلى الاستسلام للواقع، بل يدعو إلى تغييره وإصلاحه، والقرآنُ الكريمُ مليءٌ بالدعوة إلى العمل والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوقوف في وجه الظلم، وبناء المجتمع الصالح، وكذلك سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تُعَلِّمُنا أن المسلم لا يترك العمل مهما ساءت الظروفُ، ولا يستسلم للواقع مهما اشتدَّتِ الأزماتُ، بل يعمل في أصعب الظروف كما يعمل في أسهلِها.

 

ومن الأحاديث العظيمة التي تُبيِّن هذا المنهجَ قولُ النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه بإسنادٍ صحيحٍ عن أنسِ بنِ مالِكٍ رضي الله عنه: «إنْ قامتِ الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فَسِيلةٌ، فإنِ استطاعَ ألَّا تقومَ حتى يَغرِسَها فَلْيَغرِسْها».

 

فهذا الحديثُ يُبيِّن أن المسلمَ لا يترك العمل حتى لو قامت القيامةُ، بل يواصِلُ عملَه لعِمارة الأرض ونَفْعِ الناس وإن لم يبقَ عنده أملٌ ليؤتي أكله المادي، فكيف بمن يترك العمل بحجَّة قُرْب الفتن أو آخر الزمان؟

 

وخذ حديثًا آخر كما أخرجه الإمامُ مسلمٌ عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه أنه سمِعَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».

 

إن كان هذا الحديثُ يدلُّ على شيء فإنما يدلُّ على أن مسؤولية الإصلاح باقيةٌ في كل زمان، ولا تتوقَّف بانتشار الفتن أو كثرة الفساد، بل تزداد وتتفاقم عند تضاعُف الفِتَن والفساد.

 

نظرًا إلى الحديثَيْن اللذين مَضَيا، نفهمُ أنَّ أحاديثَ الفِتَن لم تأتِ لتجعل الأمَّةَ أمةَ انتظارٍ، بل لتجعلها أمةَ استعدادٍ، ولم تأتِ لتصنع اليأسَ، بل لتصنع الوعيَ والثباتَ.

 

ومن الأخطاء الشائعة في الواقع المعاصر الإسقاطُ المتعجِّلُ لأحاديثِ الفِتَن على الأحداث السياسية والعسكرية المعاصرة، فكلُّ حربٍ عند بعضِ الناس هي الملحمةُ الكبرى، وكلُّ قوةٍ عالميةٍ هي يأجوجُ ومأجوجُ، وكل زعيم سياسي هو الدجَّالُ، وهذا منهجٌ غيرُ علمي؛ لأن تنزيل النصوص على الوقائع يحتاج إلى علم واسع وفَهْم عميق، وقد كان كبار العلماء عبرَ التاريخ يحذرون من التسرُّع في تفسير أحداث الزمان بأحاديثِ الفِتَن.

 

كما أن من الأخطاء الشائعة أن بعض الناس يُفسِّرون انتشارَ الظلم وضعف المسلمين تفسيرًا غيبيًّا فقط، ويهملون الأسباب الواقعية من التخلُّف العلمي، والضعف الاقتصادي، والانقسام السياسي، وترك العمل، مع أن الإسلام يأمر بالأخذ بالأسباب كما يأمر بالتوكُّل على الله.

 

فالمنهجُ الصحيحُ في فهم الواقع ليس أن نفسِّره تفسيرًا غيبيًّا فقط، ولا أن نفسره تفسيرًا مادِيًّا فقط، بل أن نجمعَ بين فَهْم السُّنَن الكونيَّة والأسباب الواقعية، وبين الإيمان بالقَدَر والسُّنَن الإلهيَّة في الأُمَم.

 

إن تحليلَ أي حَدَثٍ في العالم يحتاج إلى دراسة أسبابه التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومعرفة نتائجه وآثاره، وهذا هو المنهج العلمي في فهم الواقع، أما تفسير كل شيء تفسيرًا غيبيًّا وربطه مباشرة بأشراط الساعة، فهذا ليس منهجَ العلماء، بل قد يؤدي إلى تضليل الناس ونَشْر اليأس والسلبية بينهم.

 

ونحن في الحقيقة بحاجة إلى فهم متوازن لأحاديث الفتن، فهذه الأحاديث تُعطينا الوعي بخطورة الفِتَن، وتحذرنا من الانحراف، وتعلمنا كيف نحافظ على ديننا في زمن الاضطراب، لكنها لا تُعفينا من مسؤولية العمل والإصلاح وبناء المجتمع، ولن تدعونا إلى التواكُل والتكاسُل، بل تحثُّنا على مواصلة السير لتغيير الواقع وإن ضعُفت الأسبابُ وكثُرت المخاطرُ.

 

إنَّ القرآن والسُّنَّةَ يُربِّيان المسلمَ على أن يكون إيجابيًّا عاملًا، لا يائسًا سلبيًّا، وأن يكون واقعيًّا يفهم الأسباب، ومؤمنًا يتوكَّل على الله، وعلى أن يجمع بين فقه النصِّ وفقه الواقع.

 

فالمسلمُ الصحيح لا يكون غافلًا عن الفتن، ولا يكون غارقًا في تفسير كل شيء بها، بل يفهم واقعَه فَهْمًا صحيحًا، ويدرُس الأسباب، ويعمل بحكمةٍ، ويتوكَّل على الله، ويؤدي مسؤوليته في إصلاح نفسِه ومجتمعِه وأمَّتِه.

 

وفي النهاية، فإن التاريخ لا يُغيِّره الذين يبكون على الواقع، ولا الذين ينتظرون المعجزات، وإنما يُغيِّره الذين يفهمون الواقع، ويأخذون بالأسباب، ويعملون بصَبْرٍ وحِكْمةٍ، ويؤمنون بأن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسِهم.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة