• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن / تفسير القرآن الكريم


علامة باركود

سورة الحجرات: ميثاق الأدب الإلهي وبناء المجتمع المؤمن

سورة الحجرات: ميثاق الأدب الإلهي وبناء المجتمع المؤمن
د. علي شومان محمد علي أبو دية


تاريخ الإضافة: 2/11/2026 ميلادي - 23/5/1448 هجري

الزيارات: 417

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سورة الحجرات: ميثاق الأدب الإلهي وبناء المجتمع المؤمن


الحمد لله الذي أنزل كتابه هدىً للناس، وجعله ميزانًا تقوم به القلوب، وتهذب به الأخلاق، وتضبط به مسارات الحياة، والصلاة والسلام على نبيه الذي رباه الوحي، فأحسن تأديبه، حتى صار خلقه القرآن؛ أما بعد:

فإن سورة الحجرات من السور المدنية الجامعة، التي ترسم معالم المجتمع الإيماني في أدق تفاصيله، وتؤسس لبناء أخلاقي متكامل، يبدأ من تعظيم الوحي، والأدب مع الله ورسوله، ويمتد إلى ضبط العلاقات، وتهذيب السلوك، وإقامة ميزان العدل بين الناس، لتنتج نموذجًا إنسانيًّا راقيًا، قوامه التقوى، وروحه الرحمة، ونظامه الأدب، وقد سميت هذه السورة بـالحجرات نسبةً إلى حجرات النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بيوت أزواجه الطاهرات، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ ﴾ [الحجرات: 4]، وهذه التسمية ليست وصفًا مكانيًّا فحسب، بل تحمل دلالةً تربوية عميقة؛ إذ ارتبطت بحادثة كشفت خللًا في الأدب، حين نادى بعض الأعراب النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجراته بغير توقير، فجاءت السورة لتقوم هذا السلوك، وتؤسس لمنهج كامل في الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم مع المجتمع بأسره، فكأنها تقرر أن من لم يتأدب عند باب النبوة، لم يحسن الأدب في سائر شؤون حياته.

 

أولًا: تعظيم الوحي وأدب التعامل مع الله ورسوله: افتتحت السورة بنداء الإيمان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [الحجرات: 1]، وهو تأسيس لمنهج كامل: أن المؤمن لا يسبق الوحي برأي، ولا يقدم هواه على حكم الله ورسوله، ولا يستقل بتشريع أو حكم في حضرة النص؛ ثم جاء قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231]؛ ليربط هذا الأدب برقابة إيمانية، تحول الامتثال من سلوك ظاهري إلى عبادة قلبية قائمة على الخشية.

 

ثانيًا: أدب الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ [الحجرات: 2]، وهنا ينتقل الخطاب من أدب الحكم إلى أدب الخطاب، ليؤسس لمبدأ عظيم: أن مقام النبوة ليس كمقام سائر البشر، وأن توقيره جزء من الإيمان به، وقد بلغ من امتثال الصحابة أن خفضوا أصواتهم عنده حتى كأنها همس، خشية أن تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون.



ثالثًا: التثبت في الأخبار وحماية المجتمع من الفوضى؛ قال تعالى:
﴿ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [الحجرات: 6]، وهي قاعدة منهجية تحفظ المجتمع من الفتن، وتمنع انتشار الكذب وسوء الظن؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع))؛ [صحيح مسلم]، فدل على أن نقل الأخبار بلا تمحيص صورة من صور الكذب الاجتماعي.

 

رابعًا: معالجة الفتن الداخلية وإصلاح ذات البين
قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾ [الحجرات: 9]، ثم قرر القاعدة الكبرى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: 10]، فالأخوة الإيمانية تفرض الإصلاح، وتمنع ترك النزاعات حتى تتفاقم.

 

خامسًا: تطهير المجتمع من آفات اللسان والسلوك:

﴿ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ [الحجرات: 11]، ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11]، ﴿ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ﴾ [الحجرات: 11]، ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [الحجرات: 12]، فالسخرية تهدم الكرامة، واللمز يزرع العداوة، والتجسس يهدم الثقة، والغيبة تقتل المحبة.

 

وجاء التصوير القرآني البليغ ليغرس النفور:

﴿ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا ﴾ [الحجرات: 12].

 

سادسًا: معيار التفاضل الحقيقي:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، فأبطلت السورة معايير الجاهلية، وأقامت معيارًا واحدًا: التقوى.

 

سابعًا: حقيقة الإيمان بين الدعوى والواقع:

﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴾ [الحجرات: 14]، تفريق دقيق بين الإسلام الظاهر والإيمان الباطن، تأكيدًا أن الإيمان حقيقة تصدقها الأعمال لا مجرد الدعوى.

 

ثامنًا: إنزال الناس منازلهم … ميزان العدل والاستقامة:

ومن المعاني الجامعة في هذه السورة: أصل إنزال الناس منازلهم، وهو ميزان دقيق تستقيم به العلاقات، فالشريعة لم تأمر بالأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا لتؤسس قاعدة عامة:

أن لكل مقام حقه، ولكل منزلة قدرها.

 

ومن صوره:

توقير النبي صلى الله عليه وسلم وعدم مساواته بغيره.

 

حفظ حرمة المؤمنين.

 

التثبت من خبر الفاسق.

 

التفريق بين الظالم والمظلوم.

 

فليس من العدل التسوية بين المختلفين، ولا من الحكمة رفع من لا يستحق، ولا إهدار حق ذي الفضل.

 

تاسعًا: توقير الكبير وتعظيم رب البيت… امتداد الأدب إلى بنية الأسرة:

ومن تمام هذا الميزان: توقير الكبير، وتعظيم صاحب الولاية في موضعه، وعلى رأس ذلك رب البيت.

 

فكما قررت السورة توقير النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها تغرس في الأمة مبدأً عامًّا:

أن الهيبة المحمودة، وحفظ المقامات، من ضرورات انتظام الحياة.

 

فتوقير الكبير سنًّا وخبرةً من إجلال الله، واحترامه أدب قبل أن يكون خلقًا.

 

وأما رب البيت – القائم على شؤونه، الساعي في مصالحه – فإن له حق القيادة والتقديم، لا استعلاءً، بل قيامًا بوظيفة شرعية تحفظ نظام الأسرة.

 

فلا ينازع في موضعه، ولا يقابل إحسانه بالجفاء، ولا يجعل كأحد لا اعتبار له.

 

بل يعامل بالتوقير، ولين الخطاب، وحسن المعاشرة، صيانةً للأسرة من التفكك، وحفظًا لوحدتها.

 

فإذا سقطت هذه المعاني، واختل ميزان المقامات، ظهرت الفوضى في صورة مساواة زائفة، يهدر فيها الفضل، ويضيع الحق.

 

خاتمة:

يتبين أن سورة الحجرات ليست توجيهات متفرقة، بل بناء متكامل لعالم أخلاقي رباني:

 

يبدأ بتعظيم الوحي، ويقوم على ضبط اللسان، ويحكم العلاقات، ويقيم ميزان المقامات، وينتهي ببناء مجتمع متماسك.

 

مجتمع:

لا يسبق الوحي، ولا يشيع فيه الكذب، ولا تهدر فيه الكرامة، ولا تختل فيه الموازين، بل تحكمه التقوى، وتجمعه الأخوة، ويضبطه الأدب.

 

نسأل الله أن يرزقنا فقه كتابه، وحسن التأدب بآدابه، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة