• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / مقالات شرعية / سيرة


علامة باركود

غزوة مؤتة.. دروس وعبر في عصرنا الحاضر

غزوة مؤتة.. دروس وعبر في عصرنا الحاضر
د. ثامر عبدالمهدي محمود حتاملة


تاريخ الإضافة: 6/6/2026 ميلادي - 20/12/1447 هجري

الزيارات: 148

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

غزوة مؤتة... دروس وعِبر في عصرنا الحاضر


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

ففي شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة وقعت غزوة مؤتة، على أرض الأردن المباركة، أرض الأردن الطيبة، فكانت أول مواجهة للمسلمين خارج جزيرة العرب، وأول احتكاك مباشر مع قوة عظمى في ذلك الزمان؛ ألا وهي قوة الروم.

 

كانت الغزوة رسالة قوية من الإسلام إلى العالم كله:

إن الكرامة لا تداس، وإن رسالة الحق لا تُهان، فقد خرج الجيش الإسلامي ليثأر لدم رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه، الذي قُتل ظلمًا وعدوانًا وهو يحمل رسالة سلام ودعوة.

 

لم تكن غزوة مؤتة غزوة توسع أو سيطرة، بل كانت غزوة كرامة وعدل وإنصاف، جاءت لتقول للعالم: إن المسلم لا يرضى بالذل، ولا يسكت عن الظلم، وإن الإسلام دين سلام، لكنه لا يقبل الإهانة ولا الرضا بالباطل.

قاد الجيش ثلاثة من أعظم القادة: زيد بن حارثة (وعمره 55 سنة)، وجعفر بن أبي طالب[1] (وكان عمره قرابة 40 سنة)، وعبدالله بن رواحة[2] رضي الله عنهم.

 

وكلهم استشهدوا في سبيل الله، لتبقى راية التوحيد مرفوعة.

 

فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان في غزوة مؤتة قال: فالتمسنا جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فوجدناه في القتلى فوجدنا بما أقبل من جسده بضعًا وتسعين بين ضربة ورمية وطعنة، وفي رواية: فعددنا به خمسين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره[3].

 

ثم تسلم الراية خالد بن الوليد رضي الله عنه، فأنقذ الجيش بخطة عبقرية، حتى قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليه))؛ [رواه البخاري].

 

ولنا وقفة هنا وعرة في زمننا:

قد يكون الموت في سبيل الله صعبًا، ولكن الحياة في سبيل الله أصعب، السير وفق منهج الله مع كل نفَس أصعب.


ما الذي نتعلمه اليوم من مؤتة؟

أولًا: الثبات عند الشدائد:

واجه الصحابة جيشًا يفوقهم عددًا وعدة، لكنهم لم يتراجعوا، لأنهم كانوا يرون أن الثبات عبادة وأن النصر من عند الله وحده.

 

وفي زماننا هذا نحن بحاجة إلى هذا الثبات أمام التحديات الفكرية، وأمام حملات التشويه للإسلام والسنة النبوية، وأمام الضغوط السياسية والثقافية التي تحاول أن تُضعف هُويتنا وديننا.

 

إننا نعيش في زمن كثرت فيه الفتن والمغريات، وتزاحمت فيه الشهوات والشبهات، حتى صار الإنسان يمتحن في دينه كل يوم بل كل ساعة، امتحانًا لا يقل خطرًا عن امتحان السيوف في ميادين القتال، بل هو أشد، لأنه امتحان الإيمان في الخفاء، بين العبد وربه؛ حيث لا رقيب إلا الله.

 

لقد أصبحت المغريات من حولنا تطرق الأبواب، بل تدخل البيوت والقلوب عبر الشاشات والوسائل الحديثة، وصار من السهل على الإنسان أن يضعف أو ينحرف، ومن الصعب أن يثبت على الحق، ومع ذلك فإن الثبات ممكن لمن صدق الله.

 

لقد تغير الزمان، لكن طبيعة الفتنة لم تتغير؛ كانت بالأمس سيفًا يواجه الأجساد، وأصبحت اليوم شاشةً تغزو العقول والقلوب.

 

كانت بالأمس تعرض على الإنسان في الطريق، واليوم تعرض عليه في جيبه، في هاتفه، في بيته، في عمله.

 

ومن هنا كان الثبات اليوم أشدَّ وأثمن؛ لأن الفتنة صارت خفية، والمغريات مغلفة بالزينة والحرية والتقنية.

 

لكن المؤمن الصادق يذكر نفسه بقول الله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 99].

 

فيعلم أن الله أراد منا أن نختار الإيمان اختيارًا، لا إكراهًا، وأن نثبت عليه رغم العواصف.

 

ثانيًا: القيادة بالإخلاص لا بالمصلحة:

قد كان هذا الترتيب لقادة المعركة إعلانًا نبويًّا عظيمًا بأن القيادة في الإسلام تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا وجاهة، فالإمام أو القائد عندنا ليس من يتقدم الناس ليمتاز عنهم، بل من يتقدم ليخدمهم، ويقودهم نحو ما يرضي الله؛ يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58].

 

فالأمانة هنا تشمل أمانة القيادة والمسؤولية، فهي لا تُعطى إلا لمن يستحقها بالإيمان والكفاءة والإخلاص.

 

وفي الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا وُسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة))؛ [رواه البخاري].

 

وهذا تحذير صريح من أن تسند القيادة لمن يسعى إليها لمصلحة أو جاه أو نفوذ، دون إخلاص أو كفاءة، لأن فساد القيادة يفسد المجتمع بأسره، إننا في زمن كثرت فيه المصالح وتشابكت فيه الدوافع، نحتاج إلى أن نعيد بناء مفهوم القيادة على الإخلاص، لا على المصلحة، نحتاج إلى قادة صادقين ينهضون بالأمة علمًا وعدلًا، لا قادة يجرُّونها وراء أهوائهم وشهواتهم؛ فالقائد الحقيقي هو من يخلص لله في عمله، ويعتبر المنصب وسيلة للإصلاح، لا مطمعًا دنيويًّا.

 

لقد قاد زيد وجعفر وعبدالله بن رواحة جيوش الإسلام لا رغبة في دنيا، ولكن إخلاصًا لله تعالى، فكتب الله لهم الخلود في التاريخ والشهادة في سبيله، وهكذا تبقى سيرتهم منارةً لنا نقيس بها كل من تولى أمرًا من أمور المسلمين: هل يقوده إخلاصه، أم تحركه مصلحته؟

 

ثالثًا: التخطيط والحكمة في إدارة الأزمات:

لم تكن بطولة خالد في القتال فقط، بل في الانسحاب المنظم الذي حفظ جيش المسلمين، وهذا درس بليغ في فقه الموازنات، وفي أن النصر ليس دائمًا بالقتل والغلبة، بل أحيانًا بالنجاة والحكمة.

 

وهذا ما نحتاجه اليوم في إدارة أزماتنا ومؤسساتنا ومجتمعاتنا: الحكمة في اتخاذ القرار وعدم الانفعال أو الاندفاع غير المحسوب.

 

رابعًا: وحدة الصف:

في مؤتة لم يختلف الصحابة حين قُتل القادة الثلاثة، بل سلموا الراية لمن بعدهم بسلاسة وانسجام؛ لأنهم كانوا مؤمنين أن الهدف واحد.

 

وفي واقعنا، نحن أحوج ما نكون إلى هذا الاجتماع والائتلاف، في مواجهة ما يفرق الأمة من تعصب فكري أو حزبي أو طائفي.

 

خامسًا: من فقه القيادة: إنه درس عظيم يقدمه لنا الصحابي الجليل ثابت بن أقرم العجلاني، عندما أخذ اللواء بعد استشهاد عبدالله بن رواحة آخر الأمراء، وذلك أداء منه للواجب؛ لأن وقوع الراية معناه هزيمة الجيش، ثم نادى المسلمين أن يختاروا لهم قائدًا، وفي زحمة الأحداث قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد، وفي رواية أن ثابتًا مشى باللواء إلى خالد، فقال خالد: لا آخذه منك، أنت أحق به، فقال: والله ما أخذته إلا لك.

 

إن مضمون كلتا الروايتين واحد، أن ثابتًا جمع المسلمين أولًا وأعطى القوس باريها، فأعطى الراية أبا سليمان خالد بن الوليد، ولم يقبل قول المسلمين: أنت أميرنا، ذلك أنه يرى فيهم من هو أكفأ منه لهذا العمل، وحينما يتولى العمل من ليس له بأهل، فإن الفساد متوقع، والعمل حينما يكون لله تعالى، لا يكون فيه أثرٌ لحب الشهرة، أو حظ النفس.

 

إن ثابتًا لم يكن عاجزًا عن قيادة المسلمين، وهو ممن حضر بدرًا، ولكنه رأى من الظلم أن يتولى عملًا وفي المسلمين من هو أجدر به منه، حتى ولو لم يمضِ على إسلامه أكثر من ثلاثة أشهر؛ لأن الغاية هي السعي لتنفيذ أوامر الله على الوجه الأحسن والطريقة المثلى.

 

لا يخفى أن بعض من يتصدرون ميادين الدعوة اليوم قد يترددون في إفساح المجال أمام الطاقات الشابة والقدرات المتجددة، خشية فقدان المكانة أو النفوذ، غير أن القيادة الدعوية الحقة تقوم على الإخلاص والتمكين للكفء، لا على الاحتفاظ بالمناصب، فليتأمل القادة في هذا الدرس النبوي البليغ، وليجعلوا قدواتهم أولئك الذين قادوا بإيمان لا بمصلحة، ﴿ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37][4].

 

سادسًا: مؤتة ليست ذكرى، بل وعد وبشارة:

فقد كانت مقدمة لفتوح الشام واليرموك، لتقول للأمة: إن بذور النصر تزرع بالثبات والتضحية.

 

واليوم، إذا ثبتنا على قيم الإسلام الحق، وعُدنا إلى روح الجهاد بالبذل والعلم والعمل، فإن لنا – بإذن الله – يرموكًا جديدة في ميدان النهضة والبناء لا في ميدان القتال.

 

لقد كانت مؤتة رسالة نبوية خالدة: أن المسلم لا يعرف اليأس، وأن الكثرة لا تُرهب من كان الله معه.


ففي كل عصر هناك مؤتة جديدة تواجه الأمة: في ميادين الفكر، والسياسة، والإعلام، والتربية، ونحن بحاجة إلى رجال يحملون راية الحق كما حملها زيد وجعفر وابن رواحة رضي الله عنهم، بالإيمان والإخلاص والصبر.


نسأل الله أن يجعلنا من الكرارين لا الفرارين، وأن يردنا إلى ديننا ردًّا جميلًا، وأن يوفِّق أمتنا لما فيه عزها وكرامتها.

 

والحمد لله رب العالمين.

 


[1] قال ابن حجر في كتاب الإصابة في تمييز الصحابة:" وروى البغوي من طريق المقبري عن أبي هريرة قال: كان جعفر يحب المساكين ويجلس إليهم ويخدمهم ويخدمونه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنيه أبا المساكين، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أشبهت خلقي وخلقي))؛ [رواه البخاري ومسلم من طريق حديث البراء]، وفي المسند من حديث علي رفعه: ((أُعطيت رفقاء نجباء فذكره منهم))، وهاجر إلى الحبشة فأسلم النجاشي ومن تبعه على يديه وأقام جعفر عنده ثم هاجر منها إلى المدينة، فقدم والنبي صلى الله عليه و سلم بخيبر"؛ [ج1/ص486].
[2] ليس له عقب، من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أحد النقباء ليلة العقبة وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة؛ [ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة، ج4/ص83].
[3] البخاري، الجامع الصحيح، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة، حديث 4012.
[4] صالح الشامي، من معين السيرة، ص376.




حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة