• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات


علامة باركود

مزدلفة ليلة السكينة

مزدلفة ليلة السكينة
عدنان بن سلمان الدريويش


تاريخ الإضافة: 26/5/2026 ميلادي - 9/12/1447 هجري

الزيارات: 1024

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مُزْدَلِفَة ليلة السَّكينة


بعد يوم طويل في عرفات، امتلأت فيها قلوب الحجاج بالدعاء، وارتفعت أكفهم إلى السماء، سائلة التوبة وراجية المغفرة، سالت معها الدموع خوفًا وطمعًا، يتحرك الحجيج مع غروب شمس عرفة إلى مزدلفة، في مشهد هادئ مهيب، وكأن الأرواح بعد بكائها الطويل جاءت لتسكن وتهدأ قليلًا، مزدلفة ليست مجرد محطة للمبيت، بل ليلة تربوية عظيمة، يتعلم فيها الحاج معنى السكينة، والتأمل، والافتقار إلى الله؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، وسميت بالمشعر الحرام لأن القلوب فيها تستشعر قرب الله، وتهدأ بعد اضطراب الدنيا.


أيها الحاج، في مزدلفة ينام الناس على الأرض، بلا تكلف ولا ترف، السماء سقفهم، والأرض فراشهم، والنجوم تلمع فوقهم في سكون عجيب، هناك يشعر الإنسان كم هو ضعيف، وكم أن الحياة التي شغلته طويلًا أصغر مما كان يظن، قد ينام الوزير بجوار العامل، والغني بجوار الفقير، لا حواجز ولا امتيازات، إنها ليلة تسقط فيها الأقنعة، وتعيد الإنسان إلى فطرته الأولى؛ عبدًا فقيرًا إلى الله، فيها يتربى القلب على السكينة.


يا أخي، فبعد زحام عرفات وكثرة الأصوات، تأتي مزدلفة وكأنها تقول للحاج: اهدأ، ثم اجلس مع نفسك، وتأمل رحلتك مع الله، وتذكر سَير النبي صلى الله عليه وسلم إلى مزدلفة وهو يسير بسكينة وطمأنينة؛ جاء في صحيح البخاري عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: ((أنه دُفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا وصوتًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: أيها الناس، عليكم بالسكينة؛ فإن البر ليس بالإيضاع))، فليست العبادة صخبًا دائمًا، بل أعظم العبادات سكون القلب وهدوء الروح.


أيها المبارك، كم من إنسان عاش سنوات طويلة لم يجلس ولو مرة مع نفسه لحظة صدق واحدة! لكن في مزدلفة، بعيدًا عن مشاغل الحياة، يجد الإنسان فرصة نادرة للتأمل؛ يتأمل ذنوبه، وعمره الذي مضى، ونعم الله عليه، وحاجته إلى التوبة والعودة، كان الحسن البصري يقول: "رحم الله عبدًا وقف عند همه، فإن كان لله أمضاه، وإن كان لغير الله تأخر"، لأننا نحتاج أحيانًا إلى لحظات صمت مع الله أكثر من حاجتنا إلى كثرة الكلام.


يا أخي، يتعلم المسلم من مزدلفة دروسًا كثيرة؛ منها: التواضع عندما يبيت على الأرض، وهو في حياته يتنافس على الفرش الفاخرة والمساكن الواسعة، لكن الحاج في مزدلفة ينام على الأرض، وربما جعل حقيبته وسادةً له، وكأن الله يذكره بأن راحة الدنيا مؤقتة، وأن الإنسان مهما علا سيعود يومًا إلى التراب، مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه على قوم في الحج فرأى تواضعهم وبساطة حالهم فقال: "هكذا تكون العبودية"، لأنها ليلة تُكسر فيها نزعة الكبر، ويشعر الإنسان أن قيمته الحقيقية ليست فيما يملك، بل فيما يحمل من إيمان.


ومن دروس مزدلفة أن نتعلم معنى الاستعداد، فعندما يلتقط الحاج حصيات الجمار، وكأنه يعد نفسه لمعركة مع الشيطان، لا بالحجارة فقط، بل بعزيمة القلب، فالشيطان الذي سيرمى غدًا ليس الشيطان الذي نعرفه، بل شياطين الهوى والغفلة والذنوب، ولهذا كان بعض السلف يقول: ليس الشأن أن ترمي الحصى، بل الشأن أن ترمي ما في قلبك من معصية، ومن دروسها القناعة والبساطة، ففي تلك الليلة يقل الطعام، ويخف الترف، ويعيش الناس ببساطة شديدة، ومع ذلك يجد كثير منهم راحة عجيبة لم يجدوها في الفنادق الفاخرة، لأن الطمأنينة الحقيقية ليست في وفرة الأشياء، بل في قرب القلب من الله؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].


فيا ضيف الرحمن، إذا نزلت مزدلفة، فلا تجعلها مجرد مكان للنوم والراحة، بل اجعلها ليلة مراجعة للقلب، اهدأ قليلًا، وانظر إلى السماء، وتذكر أن الحياة مهما ازدحمت فإن أجمل لحظاتها تلك التي يكون فيها القلب قريبًا من الله، فطوبى لمن خرج من مزدلفة وقد خفَّ تعلقه بالدنيا، وزاد تعلقه بالآخرة، وعرف أن السكينة الحقيقية لا تُشترى، وإنما تُوهب لمن أقبل على الله بصدق.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة