• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة


علامة باركود

التردد في المواقف: خطره وأثره (خطبة)

التردد في المواقف: خطره وأثره (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد


تاريخ الإضافة: 6/11/2026 ميلادي - 27/5/1448 هجري

الزيارات: 293

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

التردد في المواقف: خطره وأثره (خطبة)

 

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ الذي هدى إلى الإيمانِ، وأعانَ على الثباتِ والإحسانِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ، ونعوذُ بهِ منَ الترددِ والخذلانِ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، الملكُ الديانُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، ثابتُ العزمِ، صادقُ البيانِ؛ صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أهلِ الفضلِ والإيمانِ.

 

أهميةُ الحديثِ عن خطرِ الترددِ في المواقفِ:

أيها المسلمونَ، تمضي حياةُ الإنسانِ بين أحداثٍ تتعاقبُ، وأحوالٍ تتبدلُ، ومواقفَ تتجددُ؛ وفي كلِّ ذلكَ يُمتحنُ إيمانُهُ، ويُختبرُ عقلُهُ، وتظهرُ حقيقةُ إرادتِهِ.

 

فليستِ الحياةُ أمانيَّ نرددُها، ولا قناعاتٍ نحملُها في صدورِنا فحسبُ؛ إنها أعمالٌ نؤديها، وقراراتٌ نتخذُها، ومواقفُ تتركُ آثارَها في أنفسِنا وفيمن حولَنا.

 

وإنَّ للأفرادِ والأممِ في مسيرتِهم مواطنَ يتحددُ بها اتجاهُهم، ويتشكلُ بها مستقبلُهم؛ وقد يمتدُّ أثرُ ما يختارونَهُ اليومَ أعوامًا طويلةً، ويتجاوزُهم إلى أجيالٍ من بعدِهم.

 

ولهذا يحتاجُ الإنسانُ عندَ اتخاذِ قراراتِهِ إلى بصيرةٍ تهديهِ، وحكمةٍ تضبطُ تصرفَهُ، وعزيمةٍ تحملُهُ على العملِ حينَ يتبينُ لهُ سبيلُهُ.

 

فكم من إنسانٍ عرفَ سبيلَ الخيرِ، ثمَّ أثقلَ الترددُ خطاهُ! وكم من صاحبِ رأيٍ سديدٍ ظلَّ يقلبُ وجوهَ الأمرِ، حتى مضى وقتُ العملِ! فإنَّ النفسَ قد تتنازعُها الرغباتُ، وتحاصرُها الاحتمالاتُ، فتضعفُ عزيمتُها، وتترددُ خطواتُها؛ حتى يصبحَ ما كانَ في مقدورِها بالأمسِ حسرةً في قلبِها اليومَ.

 

وقد يثقلُ الترددُ في بعضِ الأحيانِ مسؤوليةَ الإنسانِ؛ حينَ يُطلبُ منهُ القيامُ بأمرٍ يجبُ عليهِ، ويكونُ قادرًا على أدائِهِ، ثمَّ يترددُ ويتأخرُ، حتى تزدادَ المشقةُ، وتضعفَ الإرادةُ.

 

ومن هنا كانتْ حاجتُنا إلى أن نبنيَ في نفوسِنا بصيرةً تحسنُ الاختيارَ، وعزيمةً تمضي بنا إلى الصوابِ، وتوكلًا على اللهِ يثبتُ القلوبَ ويقوي الهممَ.

 

حديثُ القرآنِ والسنةِ عن خطرِ الترددِ في المواقفِ والتكاليفِ:

أيها المسلمون: لقد كشفَ لنا القرآنُ الكريمُ صورًا من الترددِ في الاستجابةِ للتكاليفِ، وصورًا من التذبذبِ في المواقفِ، وبيَّنَ ما وراءَها من أحوالِ القلوبِ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [البقرة: 67[ فبدلَ المبادرةِ إلى الامتثالِ، تتابعتْ أسئلتُهم عن البقرةِ وصفاتِها، وبعدَ بيانِ أوصافِها قالوا: ﴿ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [البقرة: 71]، فتأملوا قولَهُ تعالى: ﴿ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾؛ فقد جاءَ التنفيذُ بعدَ تباطؤٍ ومراجعاتٍ متكررةٍ.

 

وقالَ اللهُ تعالى في شأنِ المنافقينَ الذينَ يستأذنونَ في التخلفِ عن الجهادِ: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: 45]، فربطَ ترددَهم بارتيابِ قلوبِهم؛ إذْ لم يستقرَّ فيها اليقينُ الذي يحملُهم على الاستجابةِ والثباتِ.

 

ومن صورِ اضطرابِ مواقفِهم أنهمْ يترقبونَ النتائجَ، ويدَّعونَ الانتماءَ إلى الطرفِ الذي تتحققُ لهُ الغلبةُ؛ قالَ تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النساء: 141]، ووصفَهم بقولِهِ: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ﴾ [النساء: 143[وهذا الترددُ الناشئُ عن الشكِّ والنفاقِ يختلفُ عن حيرةٍ عارضةٍ تصيبُ المؤمنَ؛ وإنما نعتبرُ بهذهِ الآياتِ في أهميةِ اليقينِ والثباتِ على الحقِّ.

 

وفي مقابلِ ذلكَ، يصفُ اللهُ استجابةَ المؤمنينَ، وعدمَ ترددِهم في قبولِ حكمِ اللهِ ورسولِهِ، بقولِهِ: ﴿ نَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 51]، وقد جعلَ اللهُ الفلاحَ ثمرةَ صدقِ استجابتِهم وحسنِ امتثالِهم.

 

وفي السنةِ النبويةِ دعوةٌ إلى المبادرةِ بالأعمالِ الصالحةِ قبلَ حلولِ الفتنِ، تحثُّ المؤمنَ على العملِ، وتحذرُهُ من التأجيلِ والترددِ اللذَيْنِ يفوتُ بهما الخيرُ؛ فعنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ: « بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا»؛ رواهُ مسلمٌ.

 

المواقفُ الصحيحةُ وأثرُها في الأمةِ:

أيها المسلمونَ، إنَّ الموقفَ الصحيحَ الذي لا تردد فيه في ساعةِ الشدةِ قد يثبتُ قلوبًا اضطربتْ، ويجمعُ صفوفًا تفرقتْ، ويحفظُ للأمةِ وجهتَها حينَ تشتبهُ عليها السبلُ.

 

وفي تاريخِنا مواقفُ بقيَ أثرُها؛ لأنَّ أصحابَها عرفوا واجبَهم، وقاموا بهِ حينَ احتاجتِ الأمةُ إليهِ دون تردد، ففي يومِ بدرٍ، أعلنَ المقدادُ رضيَ اللهُ عنهُ صدقَ نصرتِهِ للنبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، فقالَ: «ولكنْ امضِ ونحنُ معكَ». يقولُ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: « فكأنهُ سُرِّيَ عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ»؛ رواهُ مسلمٌ. فقد وجدَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ أمامَهُ نصرةً صادقةً لا تردد فيها، واستعدادًا لتحملِ المسؤوليةِ، فكانَ لهذا الموقفِ أثرُهُ في نفسِهِ.

 

وحينَ توفيَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، واشتدتِ المصيبةُ على المسلمينَ، قامَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ يردُّ القلوبَ إلى أصلِ إيمانِها، ويذكرُ الناسَ بأنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ، وتلا قولَ اللهِ تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]. فتلقى الناسُ منهُ الآيةَ، وأخذوا يتلونَها. رواهُ البخاريُّ. فلم تمنعْ أبا بكرٍ مصيبتُهُ من أداءِ واجبِهِ دون تردد او تأخر، بل قامَ يثبتُ غيرَهُ، ويردُّ الناسَ إلى الوحيِ، ويعينُهم على مواجهةِ الواقعِ ومواصلةِ الطريقِ، وهكذا يمتدُّ أثرُ الموقفِ الصحيحِ من صاحبِهِ إلى أمتِهِ؛ فيحفظُ لها بصيرتَها، ويقوي عزيمتَها.

 

إنَّ الأمةَ اليوم مطالبةٌ بأن تقفَ مواقفَ واضحةً ثابتةً حينَ يتبينُ الحقُّ، وأن يتحملَ أبناؤُها مسؤولياتِهم دونَ ترددٍ، كلٌّ بحسبِ قدرتِهِ وموقعِهِ.

 

ومن أعظمِ المواقفِ التي يجبُ أن تقفَ فيها الأمةُ دونَ ترددٍ: حينَ تُختطفُ الدولُ، وتتسلطُ عصاباتُ الإجرامِ على الناسِ، فتُستباحُ الدماءُ، وتُسلبُ الحقوقُ، ويُروَّعُ الآمنونَ، فحينئذٍ يجبُ أن يكونَ موقفُها واضحًا في رفضِ الظلمِ، ونصرةِ المظلومِ، وحمايةِ الأرواحِ، وأن يتعاونَ أبناؤُها على دفعِ العدوانِ بالوسائلِ المشروعةِ؛ فإنَّ تأخرَ القادرينَ عن أداءِ واجبِهم يُطيلُ معاناةَ الناسِ، ويُفسحُ للمعتدينَ مجالًا لتوسيعِ جرائمِهم.

 

وإنَّ قوةَ الأمةِ تظهرُ حينَ تتحولُ مبادئُها إلى مواقفَ، ومواقفُها إلى أعمالٍ تؤديها في وقتِها؛ فبها تُحفظُ كرامتُها، ويقوى رجاءُ المظلومينَ في نصرتِها، ويجدُ أبناؤُها في ثباتِها ما يبعثُ الثقةَ ويقوي الأملَ.

 

وكم من موقفٍ صادقٍ اتخذَهُ أهلُهُ في وقتِهِ، فدفعَ بلاءً، وحفظَ دماءً، وفتحَ للأمةِ بابَ خيرٍ!

 

الترددُ في المواقفِ يضاعفُ المسؤوليةَ:

أيها المسلمون: إنَّ الترددَ في المواقفِ قد يحمِّلُ الإنسانَ مسؤولياتٍ مضاعفةً؛ فقد يؤخرُ قرارًا يحتاجُ إلى حسمٍ، أو يعطلُ عملًا يحتاجُ إلى إنجازٍ، أو يفوِّتُ فرصةً لا تنتظرُ، حتى تتعقدَ الأمورُ، وتزدادَ المشقةُ.

 

وإذا ترتبَ على ترددِهِ تضييعُ واجبٍ أو تفريطٌ في حقٍّ، اجتمعتْ عليهِ مسؤوليةُ التقصيرِ وتبعاتُ التأخيرِ.

 

وهذا كعبُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ، حينما ترددَ في اللحاقِ برسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في غزوةِ تبوكَ، وأخذَ يؤخرُ استعدادَهُ، معَ قدرتِهِ على الخروجِ، وكانَ يقولُ في نفسِهِ: أنا قادرٌ عليهِ، حتى فاتَهُ اللحاقُ بهِ، وقالَ نادمًا:»وليتني فعلتُ»؛ رواهُ البخاريُّ، لقد كانتِ القدرةُ موجودةً، ولكنَّ التأجيلَ والترددَ أضاعَا فرصةَ العملِ، وأعقبَهما الندمُ؛ ثمَّ ترتبتْ على تخلفِهِ تبعاتٌ شديدةٌ، فنهى النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ المسلمينَ عن كلامِهِ وكلامِ صاحبَيْهِ، واستمرَّ ذلكَ خمسينَ ليلةً، وبعدَ أربعينَ ليلةً أُمرَ باعتزالِ زوجتِهِ، حتى تابَ اللهُ عليهِ وعلى صاحبَيْهِ.

 

أيها الأحبة:

ولا تقفُ آثارُ الترددِ عندَ صاحبِهِ؛ فقد تمتدُّ إلى أسرتِهِ، ومجتمعِهِ، وأمتِهِ.

 

فإذا ترددَ الناسُ في معالجةِ مشكلاتِهم، وإصلاحِ خلافاتِهم، وحمايةِ حقوقِهم، اتسعَ الخللُ، وتراكمتِ الأضرارُ، وأصبحَ الإصلاحُ أشقَّ وأعظمَ كلفةً.

 

وتأملوا ترددَ بني إسرائيلَ حينَ أُمروا بذبحِ بقرةٍ؛ فلم يبادروا إلى الامتثالِ، بل أكثروا السؤالَ عن صفاتِها، فتتابعتِ القيودُ، وضاقَ عليهمُ الاختيارُ، حتى قالَ اللهُ تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [البقرة: 71]. فكانَ في إمكانِهم أن يمتثلوا الأمرَ من أولِهِ، ولكنَّ ترددَهم وتعنتَهم وكثرةَ أسئلتِهم زادتِ التكليفَ عليهمْ مشقةً. قال الضحاك، عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها.

 

ومن أخطرِ صورِ الترددِ على المجتمعِ والأمةِ، الترددُ في الوقوفِ في وجهِ المجرمينَ والمخربينَ والفاسدينَ؛ فإنَّ تأخرَ القادرينَ عن ردعِ الإجرامِ، ومنعِ التخريبِ، ومواجهةِ الفسادِ، قد يفسحُ لمرتكبيها مجالًا للتمادي، فتُسفكُ الدماءُ، وتُنهبُ الأموالُ، وتُسلبُ الحقوقُ، ويُروَّعُ الآمنونَ. وحينئذٍ تتعاظمُ مسؤولياتُ من كانَ يستطيعُ دفعَ الضررِ أو تخفيفَهُ، ثمَّ ترددَ وتأخرَ.

 

فلا تترددوا في اتخاذِ المواقفِ التي تحفظُ للناسِ أمنَهم وحقوقَهم؛ ارفضوا الظلمَ، وساندوا المظلومَ، وتعاونوا على مواجهةِ الإجرامِ والتخريبِ والفسادِ بالوسائلِ المشروعةِ، كلٌّ بحسبِ قدرتِهِ ومسؤوليتِهِ.

 

فإذا تبينَ لكمُ الموقفُ الصحيحُ، وعرفتمْ ما يجبُ عليكمْ، وملكتمْ القدرةَ على أدائِهِ، فاعزموا ولا تترددوا، وبادروا ولا تؤجلوا؛ قبلَ أن تزدادَ المشقةُ، وتتعاظمَ المسؤولياتُ، وتتحولَ فرصةُ العملِ إلى حسرةِ الندمِ. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38]

 

كيفَ نعالجُ خطرَ الترددِ في المواقفِ؟

أيها المسلمونَ، إنَّ علاجَ الترددِ يبدأُ ببصيرةٍ تعرفُ الطريقَ، وعزيمةٍ تحملُ على العملِ، وتوكلٍ على اللهِ يثبتُ القلبَ؛ فلا يكفي أن نعرفَ أضرارَهُ، بل علينا أن نأخذَ بأسبابِ التخلصِ منهُ.

 

أولًا: أن نتبينَ الأمرَ، ونعرفَ ما ينبغي علينا فعلُهُ: فنسألُ عما نجهلُ، ونتحققُ مما بلغَنا، ونميزُ بينَ الحقائقِ والمخاوفِ المتوهمةِ؛ فإنَّ وضوحَ الأمرِ يعينُ على اتخاذِ الموقفِ، ويمنعُ النفسَ من الدورانِ في احتمالاتٍ لا تنتهي.

 

ثانيًا: أن نستشيرَ أهلَ العلمِ والخبرةِ، ثمَّ نعزمَ ونتوكلَ على اللهِ: قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]. فالمشاورةُ تبصرُنا، والعزمُ ينقلُنا إلى العملِ؛ فإذا استقرَّ الرأيُ، فلا نفتحْ بابَ الحيرةِ من جديدٍ دونَ سببٍ يستدعي المراجعةَ.

 

ثالثًا: أن نستخيرَ اللهَ فيما نحتاجُ فيهِ إلى اختيارٍ: فعنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: « كانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يعلمُنا الاستخارةَ في الأمورِ كلِّها، كما يعلمُنا السورةَ منَ القرآنِ»؛ واهُ البخاريُّ.

 

رابعًا: أن ننظرَ في عواقبِ التأخرِ كما ننظرُ في عواقبِ الإقدامِ: فقد يخافُ الإنسانُ مما قد يحدثُ إنْ تحركَ، وينسى ما قد يحدثُ إنْ بقيَ مترددًا؛ فليسألْ نفسَهُ: ماذا يترتبُ على تأخري؟ وأيُّ حقٍّ قد يضيعُ؟ وأيُّ ضررٍ قد يتسعُ؟ فإنَّ هذا النظرَ يعينُهُ على تقديرِ موقفِهِ بوعيٍ ومسؤوليةٍ.

 

خامسًا: أن نحددَ وقتًا للقرارِ، ونبدأَ بخطوةٍ عمليةٍ: فمن أرادَ إصلاحًا فليبدأْ بأسبابِهِ، ومن وجبَ عليهِ حقٌّ فليبادرْ إلى أدائِهِ، ومن احتاجَ إلى اتخاذِ موقفٍ فليجمعْ ما يلزمُهُ من معرفةٍ ومشورةٍ، ثمَّ يمضِ في عملِهِ. وكلما تعودَ الإنسانُ إنجازَ ما عزمَ عليهِ، قويتْ إرادتُهُ، وازدادتْ ثقتُهُ بنفسِهِ.

 

سادسًا: أن نتقبلَ مشقةَ المسؤوليةِ، وألَّا ننتظرَ زوالَ كلِّ خوفٍ:فبعضُ المواقفِ يحتاجُ إلى شجاعةٍ وصبرٍ، وقد يبقى في النفسِ قلقٌ معَ وضوحِ الطريقِ، وليسَ المطلوبُ أن نضمنَ كلَّ نتيجةٍ، وإنما أن نحسنَ النظرَ، ونأخذَ بالأسبابِ، ونؤديَ ما نستطيعُ، مستعينينَ باللهِ.

 

عبادَ اللهِ، إنَّ المواقفَ تصنعُ آثارَها في حياةِ الأفرادِ ومصائرِ الأممِ؛ فلا تتركوا الترددَ يُضيِّعُ واجباتِكم، ويُضعفُ إرادتَكم، ويُضاعفُ مسؤولياتِكم. فإذا اتضحَ السبيلُ، فاثبتوا؛ وإذا حانَ وقتُ العملِ، فبادروا؛ وإذا عزمتمْ، فتوكلوا على اللهِ، فإنَّ تأخيرَ الموقفِ قد يُفوِّتُ خيرًا، ويُوسِّعُ ضررًا، ويتركُ ندمًا؛ وما أحوجَ الأمةَ إلى بصيرةٍ تهدي، وعزيمةٍ تمضي، ومواقفَ تُتخذُ في وقتِها!





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة