• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب


علامة باركود

وجبت محبتي للمتزاورين في (خطبة)

وجبت محبتي للمتزاورين في (خطبة)
الشيخ عبدالله بن محمد البصري


تاريخ الإضافة: 4/5/2026 ميلادي - 17/11/1447 هجري

الزيارات: 3671

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

وجبت محبتي للمتزاورين فيَّ

 

أَمَّا بعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، عِبَادُ الرَّحمَنِ الَّذِينَ هَمُّهُم تَحصِيلُ الأَجرِ وَالفَوزُ بِمَا عِندَ اللهِ، يَجعَلُونَ مِن عَادَاتِهِم عِبَادَاتٍ يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلى اللهِ، وَعَبِيدُ الدُّنيَا الَّذِينَ يُرِيدُونَ حُطَامَهَا الفَانيَ وَمَتَاعَهَا القَلِيلَ، يَتَنَصَّلُونَ مِنَ العِبَادَاتِ أَو يَتَكَاسَلُونَ عَنهَا؛ مُنَشَغِلِينَ بِدُنيَاهُم مُتَعَلِّقِينَ بِهَا، مُعتَذِرِينَ بِأَعذَارٍ وَاهِيَةٍ مُتَعَلِّقِينَ بِحُجَجٍ بَاطِلَةٍ، وَمُجتَمَعُ المُسلِمِينَ كَانَ وَمَا زَالَ مُجتَمَعًا مُتَرَابِطًا مُتَمَاسِكًا، بَينَ أَفرَادِهِ مِنَ المَحَبَّةِ وَالمَوَدَّةِ وَالتَّآلُفِ مَا يَحمَدُهُم عَلَيهِ العُقَلاءُ، وَيَحسُدُهُم عَلَيهِ كَارِهُو الخَيرِ من شَيَاطِينِ الجِنِّ وَالإِنسِ، فَيُحَاوِلُونَ أَن يَزرَعُوا بَينَهُمُ الشَّكَّ وَيَغرِسُوا في قُلُوبِهِمُ الرِّيبَةَ، وَيُكسِبُونَهُم مَحَبَّةَ الذَّوَاتِ وَالانكِبَابَ عَلَى هَوَى النُّفُوسِ، لِيَقطَعُوا مَا بَينَهُم مِنَ العَلائِقِ أَو يُضعِفُوهَا.

 

وَإِنَّ مِمَّا تَجتَمِعُ بِهِ القُلُوبُ وَتَتَقَارَبُ بِسَبَبِهِ النُّفُوسُ، وَيَزرَعُ في الصُّدُورِ المَحَبَّةَ وَيُقَوِّي المَوَدَّةَ، التَّزَاوُرَ بَينَ النَّاسِ، وَالاجتِمَاعَ للهِ وَفي اللهِ، وَهِيَ العَادَةُ الحَسَنَةُ بَلِ العِبَادَةُ الجَلِيلَةُ، الَّتي غَابَت أَو كَادَت تَغِيبُ عَن مُجتَمَعِنَا اليَومَ، بِسَبَبِ الانشِغَالِ بِالدُّنيَا وَالإِغرَاقِ في طَلَبِهَا، وَطُغيَانِ النَّظرَةِ المَادِّيَّةِ، وَتَغلِيبِ اجتِمَاعَاتِ العَمَلِ وَعِلاقَاتِ المَصَالِحِ العَاجِلَةِ، الَّتي زَاحَمَتِ الزِّيَارَاتِ الخَالِصَةَ لِوَجهِ اللهِ، بَل وَجَعَلَتهَا مُستَنكَرَةً عِندَ بَعضِ النَّاسِ، حَتَّى صَارَ مَن يُرِيدُهَا يَتَثَاقَلُهَا، وَلا يَأخُذُ بِحَظِّهِ مِنهَا إِلاَّ إِذَا دُعِيَ أَو عُزِمَ عَلَيهِ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ تَآلُفَ القُلُوبِ مَطلَبٌ جَلِيلٌ وَمَقصِدٌ شَرعِيٌّ عَظِيمٌ، وَبِهِ امتَنَّ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤمِنِينَ، قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 62، 63].

 

وَالتَّزَاوُرُ وَالتَّلاقِي وَاجتِمَاعُ الأَبدَانِ، وَتَقَابُلُ الوُجُوهِ وَتَصَافُحُ الأَكُفِّ وَعِنَاقُ الأَجسَادِ، وَتَبَادُلُ الأَحَادِيثِ وَالابتِسَامَاتِ وَالمُجَالَسَةُ، سَبِيلٌ لِلمَوَدَّةِ وَالمَحَبَّةِ وَالمُؤَانَسَةِ، وَإذا تَقَارَبَتِ الأَجسَادُ تَقَارَبَتِ القُلُوبُ، وَإِذَا تَقَارَبَتِ القُلُوبُ تَفَقَّدَ النَّاسُ بَعضَهُم وَتَعَاوَنُوا وَتَرَاحَمُوا، وَبِذَلِكَ تَشمَلُهُم رَحمَةُ رَبِّهِم، وَيُبَارَكُ في أَوقَاتِهِم وَأَعمَارِهِم وَأَعمَالِهِم، وَفي بُيُوتِهِم وَأَهلِيهِم وَذُرِّيَّاتِهِم وَأَموَالِهِم. أَجَل أَيُّهَا الإِخوَةُ، إِنَّ لِلزِّيَارَةِ أَثَرًا في نَفسِ الزَّائِرِ وَالمَزُورِ، فَبِهَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، وَيَتَنَاقَلُونَ خِبرَاتِهِم في الحَيَاةِ، وَيَتَنَاصَحُونَ وَيَتَذَاكَرُونَ نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِم، وَيَشُدُّ بَعضُهُم أَزرَ بَعضٍ وَيُثَبِّتُ كُلٌّ مِنهُمُ الآخَرَ، وَيُنَاقِشُونَ مَا يُهِمُّهُم مِن أُمُورِ دُنيَاهُم وَأُخرَاهُم وَقَضَايَا أُسَرِهِم وَمُجتَمَعِهِم، وَيَجِدُ بَعضُهُم عِندَ أَخِيهِ مَا يَفتَحُ لَهُ بَابًا إِلى خَيرٍ أَو يُعِينُهُ في طَلَبِ رِزقٍ، أَو يَحِلُّ لَهُ مُشكِلَةً أَو يُسَاعِدُهُ عَلَى تَجَاوُزِ مُعضِلَةٍ.

 

وَإِنَّمَا يَأكُلُ الذِّئبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَةَ، وَإِذَا جَلَسَ المَرءُ وَحدَهُ وَانفَصَلَ عَمَّن حَولَهُ، أَكَلَتِ الهُمُومُ قَلبَهُ، وَضَيَّقَتِ الأَفكَارُ الرَّدِيئَةُ صَدرَهُ، وَحَمَلَ عَلَى إِخوَانِهِ وَاستَوحَشَ مِن جِيرَانِهِ، وَوَجَدَ الشَّيطَانُ لَهُ وَلَهُم مَدَاخِلَ كَثِيرَةً لِتَفرِيقِهِم وَإِيقَاعِ البَغضَاءِ بَينَهُم.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إِنَّ في التَّزَاوُرِ مِنَ الفَضلِ وَعَظِيمِ الأَجرِ، مَا لَو تَذَكَّرَهُ كُلُّ مُسلِمٍ وَاحتَسَبَهُ، لَأَخَذَ بِحَظِّهِ مِن هَذِهِ العِبَادَةِ، وَلأَخلَصَ فِيهَا للهِ وَخَلَّصَهَا مِمَّا يَشُوبُهَا مِن طَلَبِ مَتَاعِ الدُّنيَا الزَّائِلِ وَحُظُوظِهَا الرَّخِيصَةِ، قَالَ رَبُّنا عَزَّ وَجَلَّ في الحَدِيثِ القُدسِيِّ: "وَجَبَت مَحَبَّتي لِلمُتَحَابِّينَ فيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فيَّ، وَالمُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَالمُتَبَاذِلِينَ فيَّ"؛ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

 

وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "مَن عَادَ مَريضًا أَو زَارَ أَخًا لَهُ في اللهِ، نَادَاهُ مُنَادٍ بِأَن طِبتَ وَطَابَ مَمشَاكَ، وَتَبَوَّأتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنزِلًا"؛ أَخرجَهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ. وَفي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ في قَريَةٍ أُخرَى، فَأَرصَدَ اللهُ لَهُ عَلَى مَدرَجَتِهِ مَلَكًا، قَالَ: أَينَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لي في هَذِهِ القَريةِ، قَالَ: هَل لَكَ عَلَيهِ مِن نِعمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لا، غَيرَ أَنِّي أَحبَبتُهُ في اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكَ بِأَنَّ اللهَ قَد أَحَبَّكَ كَمَا أَحبَبتَهُ فِيهِ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، لَقَد كَانَ نَبِيُّنَا عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ يَزورُ أَصحَابَهُ كَبِيرَهُم وَصَغيرَهُم، وَالقَرِيبَ مِنهُم وَالبَعِيدَ، وَإِذَا دَعَاهُ أَحَدُهُم أَجَابَ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: كَانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَزُورُ الأَنصَارَ، وَيُسَلِّمُ عَلَى صِبيَانِهِم، وَيَمسَحُ رُؤُوسَهُم؛ أَخرَجَهُ النَّسَائيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.

 

وَعَنهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكرٍ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا بَعدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: اِنطَلِق بِنَا إِلى أُمِّ أَيمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَزُورُهَا... الحَدِيثَ رَوَاهُ مُسلِمٌ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، لَقَد كَانَ النَّاسُ يَتَزَاوَرُونَ وَيَستَأنِسُ بَعضُهُم بِبَعضٍ، وَلا تَكَادُ تَمُرُّ بِأَحَدِهِم أَيَّامٌ لا يَرَى فِيهَا أَخَاهُ وَصَاحِبَهُ، إِلاَّ سَأَلَ عَنهُ وَاستَجلَى خَبرَهُ، حَتَّى استَحدَثُوا في زَمَانِنَا رُسُومًا أَثقَلَت كَوَاهِلَهُم، وَاتَّخَذُوا عَادَاتٍ سَبَّبَتِ انقِطَاعَ بَعضِهِم عَن بَعضٍ، بَل وَوَسَّعَتِ الفَجوَةَ بَينَ الأَقرَبِينَ وَذَوِي الأَرحَامِ وَالأَصحَابِ وَالجِيرَانِ، وَمِن ثَمَّ فَمَا أَجمَلَهُ أَن تَكُونَ الزِّيَارَةُ للهِ وَفي اللهِ، سَهلَةً مُيَسَّرَةً، في تَوَاضُعٍ وَبُعدٍ عَنِ التَّكَلُّفِ، فَلا يَلزَمُ لِيَزُورَ أَحَدُنَا أَو يُزَارَ، أَن يَتَكَلَّفَ مَا لَيسَ بِمَوجُودٍ، أَو أَن يُرَتِّبَ حَيَاتَهُ تَرتِيبًا مُغَايِرًا لِمَا هُوَ عَلَيهِ في سَائِرِ أَيَّامِهِ، وَلا أَن يَلتَزِمَ بِمَوعِدٍ قَبلَ وَقتٍ طَوِيلٍ مِنَ الزِّيَارَةِ، لِيُتَجَهَّزَ لِلُّقيَا بِأَنوَاعٍ مِنَ الطَّعَامِ وَأَلوَانٍ مِنَ الشَّرَابِ، أَو لِيُعَادَ تَرتِيبُ الأَثَاثِ أَو تُنثَرَ في الطَّرِيقِ وُرُودٌ أَو تُجعَلَ لافِتَاتٌ لِلتَّرحِيبِ أَو يُستَعَدَّ بِتَصوِيرٍ، بَل يَكفِي المَرءَ أَن يَتَّصِلَ بِأَخِيهِ، فَإِن كَانَ مَوجُودًا زَارَهُ وَسَلَّمَ عَلَيهِ وَتَنَاوَلَ عِندَهُ مَا تَيَسَّرَ، وَإِلاَّ أَتَاهُ في فُرصَةٍ أُخرَى، عَن عَبدِاللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَيهِ، ثُمَّ أَدبَرَ الأَنصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَخَا الأَنصَارِ، كَيفَ أَخِي سَعدُ بنُ عُبَادَةَ؟" فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَن يَعُودُهُ مِنكُم؟!"، فَقَامَ وَقُمنَا مَعَهُ وَنَحنُ بِضعَةَ عَشَرَ، مَا عَلَينَا نِعَالٌ وَلا خِفَافٌ، وَلا قَلانِسُ وَلا قُمُصٌ، نَمشِي في تِلكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئنَاهُ، فَاستَأخَرَ قَومُهُ مِن حَولِهِ، حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ؛ أَخرَجَهُ مُسلِمٌ.

 

أَلا فَلْنَحرِصْ عَلَى التَّيسِيرِ، فَإِنَّهُ الزِّيَارَةَ إِذَا كَانَت مُيَسَّرَةً، وَكَانَ الدَّافِعُ إِلَيهَا المَحَبَّةَ وَرِعَايَةَ حَقِّ الأُخُوَّةِ، وَخَلَت مِنَ التَّكَلُّفِ وَالتَّعقِيدِ وَالتَّعَسُّفِ، فَإِنَّهَا تَدُومُ وَتَحلُو، وَلَن يَجِدَ المَرءُ حِينَئِذٍ حَرَجًا وَلَو زَارَهُ أَخُوهُ كُلَّ يَومٍ، فَفِي البُخارِيِّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: لم أَعقِلْ أَبَوَيَّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلم يَمُرَّ عَلَينَا يَومٌ إِلاَّ يَأتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكرَةً وَعَشِيَّةً.

 

أَلا فَلْنَحتَسِبْ في زِيَارَةِ إِخوَانِنَا، وَلْنَحرِصْ عَلَى أَن تَكُونَ الزِّيَارَاتُ خَالِصَةً للهِ القَائِلِ سُبحَانَهُ: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

 

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، لَيسَ مَعنى تَيسِيرِ الزِّيَارَاتِ أَن يُقَصَّرَ في حَقِّ الزَّائِرِ أَو لا يُكرَمَ الضَّيفُ، بَل إِنَّهُ إِكرَامَهُ حَقٌّ مِن حُقُوقِهِ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "مَن كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكرِمْ ضَيفَهُ"؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

 

وَالإِكرَامُ يَكُونُ بِحَسَبِ القُدرَةِ وَالسَّعَةِ، فَقَد أَكرَمَ إِبرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلامُ ضُيُوفَهُ بِعِجلٍ سَمِينٍ حَنِيذٍ، وَتَعَجَّلَ في ذَلِكَ وَاهتَمَّ لَمَّا رَآهُم لم يَأكُلُوا، وَعَن أَبي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَومٍ - أَو لَيلَةٍ - فَإِذَا هُوَ بِأَبي بَكرٍ وَعُمَرَ، فَقَالَ: "مَا أَخرَجَكُمَا مِن بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟!"، قَالا: الجُوعُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: وَأَنَا، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لأَخرَجَني الَّذِي أَخرَجَكُمَا، قُومُوا، فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيسَ في بَيتِهِ، فَلَمَّا رَأَتهُ المَرأَةُ، قَالَت: مَرحَبًا وَأَهلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَينَ فُلَانٌ؟ قَالَت: ذَهَبَ يَستَعذِبُ لَنَا مِنَ المَاءِ، إِذْ جَاءَ الأَنصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبَيهِ، ثُمَّ قَالَ: الحَمدُ للهِ، مَا أَحَدٌ اليَومَ أَكرَمَ أَضيَافًا مِنِّي، قَالَ: فَانطَلَقَ، فَجَاءَهُم بِعِذقٍ فِيهِ بُسرٌ وَتَمرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِن هَذِهِ، وَأَخَذَ المُديَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكَ وَالحَلُوبَ"، فَذَبَحَ لَهُم، فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِن ذَلِكَ العِذقِ وَشَرِبُوا..."؛ الحَدِيثَ رَوَاهُ مُسلِمٌ.

 

وَإِنَّهُ لَيَكفِي المَرءَ أَن يُقَرِّبَ لِضَيفِهِ مَا عِندَهُ وَلا يَتَكَلَّفَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ قَد يَمنَعُهُ كَمَالَ السُّرُورِ بِضَيفِهِ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ عَلَيهِ شَيءٌ مِنَ التَّأَذِّي بِمَا يَشُقُّ عَلَيهِ، فَيَتَأَذَّى ضَيفُهُ لِذَلِكَ شَفَقَةً عَلَيهِ؛ رَوَى الحَاكِمُ وَغَيرُهُ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ، عَن أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: دَخَلتُ أَنَا وَصَاحِبٌ لي عَلَى سَلمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَرَّبَ إِلَينَا خُبزًا وَمِلحًا، فَقَالَ: لَولا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنِ التَّكَلُّفِ لَتَكَلَّفتُ لَكُم.

 

أَلا فَمَا أَجمَلَ التَّوسُّطَ وَتَركَ التَّصَنُّعِ، وَسُلُوكَ سَبِيلِ الصِّدقِ وَعَدَمَ التَّكَلُّفِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدعَى لِطُولِ العِشرَةِ وَاستِمرَارِ الصُّحبَةِ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة