• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة


علامة باركود

خطبة عن الأناة

خطبة عن الأناة
د. عطية بن عبدالله الباحوث


تاريخ الإضافة: 26/6/2026 ميلادي - 10/1/1448 هجري

الزيارات: 1122

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة عن الأناة


الخطبة الأولى

الحمد لله، أعظَم للمتقين العاملين أجورهم، وشرح بالهدى والخيرات صدورهم، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفَّق عباده للطاعات وأعان، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدالله ورسوله خير من علم أحكام الدين وأبان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الهدى والإيمان، وعلى التابعين لهم بإيمان وإحسان ما تعاقب الزمان، وسلم تسليمًا مزيدًا؛ أما بعد:

 

فإن الحياة مع تزاحم مشاغلها وكثرة مواردها وضيق عطن كثير من الناس، تحتاج إلى نوعٍ من التأني حتى لا تزل بالمؤمن القدم، فيقع فيما لا يحمد عقباه ولا يرتجى جناه، فالتثبت وترك العجلة طريق السالكين من أهل العقل والشرف في الدين؛ ولذا قيل في الأناة عند إقبال الأمور: عدم العجَلة في طلب شيء من الأشياء، والتمهل في تحصيله، والترفق فيه[1].

 

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6].

 

(قرأ الجمهور: فتبينوا من التبين، وقرأ حمزة والكسائي: فتثبتوا من التثبت، والمراد من التبين: التعرف والتفحص، ومن التثبت: الأناة وعدم العجلة، والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر)[2].

 

وقد بلغ لابن تيمية كلام عن الجنيد لم يكن من المعهود عليه من سيرته فقال: (فهذا ما أعرفه من كلام الجنيد، وفيه نظر: هل قاله؟ ولعل الأشبه أنه ليس من كلامه المعهود؛... فإن الجنيد أجَل من أن يريد هذا، وهذا الكلام مردود على من قاله)[3].

 

وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: 94].

 

قال الطبري: (فتبينوا يقول: فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره، فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره، ولا تتقدموا على قتل أحد إلا على قتل من علمتموه يقينًا حربًا لكم ولله ولرسوله)[4].

 

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل هذه الصفة العظيمة حتى مع أعداء الملة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((استأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، قلت: يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام قال: أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس - أو ودعه الناس - اتقاء فحشه)[5].

 

قال الخطابي: (يقول صلى الله عليه وسلم: إن استقبال المرء صاحبه بعيوبه إفحاش، والله لا يحب الفحش، ولكن الواجب أن يتأنى له ويرفق به، ويكني في القول، ويوري ولا يصرح)[6].

 

لكن الأناة قد تكون مذمومة إذا العمل يحتاج إلى مسارعة؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة))[7].

 

قال القاري: (التؤدة: بضم التاء وفتح الهمزة، أي: التأني، "في كل شيء" أي: من الأعمال، "خير" أي: مستحسن "إلا في عمل الآخرة" أي: لأن في تأخير الخيرات آفات، ورُوي أن أكثر صياح أهل النار من تسويف العمل، قال الطيبي: وذلك لأن الأمور الدنيوية لا يعلم عواقبها في ابتدائها أنها محمودة العواقب حتى يتعجل فيها، أو مذمومة فيتأخر عنها، بخلاف الأمور الأخروية؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ [البقرة: 148]، ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [آل عمران: 133])[8].

 

وعن الأحنف قال: (ثلاثة لا أناة فيهن عندي، قيل: وما هن يا أبا بحر؟ قال: المبادرة بالعمل الصالح، وإخراج ميتك، وأن تنكح الكفء أيمك)[9].

 

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج؛ أشج عبدالقيس: إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم، والأناة))[10]، والمراد بالأناة تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل[11].

 

كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رضي الله عنهما يعاتبه في التأني، فكتب إليه معاوية: (أما بعد؛ فإن التفهم في الخبر زيادة رشد، وإن الراشد من رشد عن العجلة، وإن الخائب من خاب عن الأناة، وإن المتثبت مصيب، أو كاد أن يكون مصيبًا، وإن العجِل مخطئ أو كاد أن يكون مخطئًا)[12].

 

واستغفروا الله إن الله غفور رحيم...

 

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا كما أمر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغامًا لمن جحد وكفر، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى أصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ أما بعد:

 

فالأناة له دلالة في تصرفات الرجال، ولها أثرها في مقامهم وسيادتهم وشرفهم ومكانتهم عند الناس؛ وذلك لأمور:

1- دلالة على رجاحة العقل، ووفور الرزانة، وطمأنينة القلب.

ومن ذلك تأنى نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام في الخروج من السجن؛ حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه، وامتنع عن المبادرة إلى الخروج ولم يستعجل في ذلك؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: 50]، قال ابن عطية: (كان هذا الفعل من يوسف عليه السلام أناةً وصبرًا وطلبًا لبراءة الساحة)[13].

 

2- الأناة تعصم الإنسان من الضلال والخطأ وما لا تحمد عقباه، ومن ذلك تأني أبي حنيفة: فقد رأى أبو حنيفة ابنه حمادًا يناظر في الكلام فنهاه، فقال: رأيتك تناظر في الكلام وتنهاني، فقال: (كنا نناظر وكأن على رؤوسنا الطير مخافة أن يزلَّ صاحبنا، وأنتم تناظرون وتريدون زلة صاحبكم)[14].

 

3- الأناة تولد القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والصواب والخطأ، ومن ذلك تأني محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال وتثبته في القضاء بين الناس: قال الذهبي ذاكرًا بعض ما كان منه في القضاء: (وقيل: إنه كان لا يغلق بابه عن أحد، وكان إذا توجه على الخصم يمين لا يحلفه ما أمكنه، بل يغرم عنه ما لم يبلغ مائة دينار، فإذا بلغ المائة أو جاوزها كان يتثبت ويدافع ويمهل إلى المجلس الثاني، ويحذر المدعى عليه وبال اليمين، ويخوفه يوم الدين، ويذكره الوقوف بين يدي رب العالمين، ثم يحلفه على كره)[15].

 

4- الأناة صيانة الإنسان من كيد الشيطان وتسلطه؛ قال الإمام مالك: (كان يقال: التأني من الله، والعجلة من الشيطان، وما عجل امرؤ فأصاب، واتأد آخر فأخطأ، إلا كان الذي اتأد أصوب رأيًا، ولا عجل امرؤ فأخطأ، واتأد آخر فأخطأ، إلا كان الذي اتأد أيسر خطأ)[16].

 

الدعاء:

اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، اللهم أصلح لنا شأننا كله ولا تكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك.

 

اللهم نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

 

اللهم إنا نسألك صحة في إيمان، وإيمانًا في حسن خلق، ونجاحًا يتبعه فلاح ورحمة منك، وعافية ومغفرة منك ورضوان.

 

اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة؛ إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

 

اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ اللهم ولاة أمورنا، ووفق بالحق إمامنا وولي أمرنا.

 

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



[1] نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (3/  865).

[2] فتح القدير للشوكاني (5/ 71).

[3] مجموع الفتاوى (11/ 392).

[4] جامع البيان في تأويل القرآن (9/ 70).

[5] أخرجه البخاري (6054) واللفظ له، ومسلم (2591).

[6] معالم السنن (4/ 109).

[7] رواه أبو داود (4810) واللفظ له، والحاكم (213)، والبيهقي (21324)، صحَّحه الحاكم، وقال: (على شَرطِ الشَّيخين)، والألباني في صحيح سنن أبي داود (4810)، ووثق رواته شعيب الأرنؤوط في تخريج سنن أبي داود (4810).

[8] مرقاة المفاتيح (8/ 3164)، ويُنظَر: الكاشف عن حقائق السنن للطيبي (10/  3224).

[9] البيان والتبين للجاحظ (2/  138).

[10] أخرجه مسلم (17).

[11] يُنظَر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (1/  233، 234)، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (1/ 189).

[12] رواه مطوَّلًا عبدالرزاق (20214)، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (2789) واللفظ له، وابن عساكر في تاريخ دمشق (59/ 188).

[13] المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (3/ 252).

[14] يُنظَر: تبيين الحقائق للزيلعي (1/ 1345).

[15] سير أعلام النبلاء (16/ 9).

[16] رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (817).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة