• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع آفاق الشريعة / مقالات شرعية / النصائح والمواعظ


علامة باركود

يحز في نفسي

يحز في نفسي
جواد عامر


تاريخ الإضافة: 17/12/2023 ميلادي - 4/6/1445 هجري

الزيارات: 4293

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

يَحُزُّ في نفسي


يَحُزُّ في نفسي أن أرى العجائز يفترشون التراب، ويَلْتَحِفون السماء، يَمُدُّون أياديهم إلى الغير يسْتَجْدون النَّوال، ويؤلم نفسي منظرُ صبية يتسولون الدراهم في الطرقات، وبقايا طعام من المطاعم، في حين أن الأغنياء الذين يرفُلون في النَّعْماء، ويعيشون في رَغَدٍ وهَناء، لا يُعيرون أمثال هؤلاء بالًا فينظرون إليهم كقطع بشرية لا معنى لها في الوجود، تملأ عيونهم شرارات الازدراء والتحقير لأراذل القوم، ممن كُتِبَ عليهم الفقر في سجِلِّ القَدَرِ، وآهِ لو علِم هؤلاء أن في محنة هؤلاء من الخير العميم ما يجهلون، لَتمنَّوا أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ضيق ذات اليد، فيبتعدوا عن فتن ألْهَتْهُم وصرفتهم عن طِيبِ الحياة، ما داموا منغمسين في دوائرها يلهَثون جياعًا وراء المال، وهم يدوسون على نُبْلِ القيم، وجميل الأخلاق، فحياةُ فقرٍ يعيش فيها امرؤ على كِسراتِ خبزٍ، وأكواز ماء، ويضع بعدها الفقير رأسه على وسادة، وإن خشُن ملمسها، نام وهو يذكر الله ويسبح بحمده، حتى تأخذه من النوم سِنَةُ الوَسْنان، فيفتح عينيه ولَمَّا يصدحْ مؤذن بصلاة الفجر، فهذه خير من حياة ملأى بالصَّخَب، يظل فيها صاحبها مشغول البال ليلَ نهارَ، يأكل ما لذَّ وطاب بشراهةِ مَن لا وقت له، فلا يعرف لذكر الله طريقًا؛ لأن كل عقله قد مُلِئَ بالدنيا وسعيها، فيظل على حاله لا يهنأ له بال، ولربما اضطر إلى وَصَفات الطبيب لعلاج توتره وإرهاقه وأرَقِهِ الذي لا يزول إلا بتجرُّع مَرارِ الدواء، فأين هذا من ذاك الفقير المسجَّى في كوخه هانئَ البال، لا يفكر في رزقه غدًا؛ لأنه يعلم أنَّ مَن رَزَقَهُ اليوم سيأتيه غدًا برزق آخر، كالطير تغدو خِماصًا وتروح بطانًا؟

 

يحُزُّ في نفسي أن أبصر حيوانًا أليفًا يجوب الأزقَّة والشوارع، فيكون عُرضة للخطر المحدِق من كل جانب، فتصرف عنه الأنظار وتطرده الأيادي وتصرخ في وجهه الأصوات الجافية، أو دابة تجر عربة مُثْقلة بشتى ألوان البضائع بشِقِّ الأنفس، وصاحبها يحثُّها كل الحثِّ على الْمُضِيِّ، حتى تكاد أنفاسها تتوقف وهي تلبي رغبة فوق مستطاعها؛ خوفًا من ألَمِ السَّوط اللاسع، فيما غيره من الدواب تنعَم في إسطبلات واسعة، وتحظى بألوان الرعاية؛ لأنها المركب الْمُدَلَّلُ لأصحابها.

 

يحُزُّ في نفسي أن أسمع عن صبيٍّ حافي القدمين، يمرغهما في الثلج؛ لأنه لا يملك نعلًا، فيما أقرانه من أبناء الأثرياء يرفلون في ألوان الأحذية، وصنوف النِّعال؛ بين صيفية وخريفية، وشتوية وربيعية، أو أرى فتاة في مقتبل العمر رثَّ ملبسها، وتيبَّس من دَرَنٍ؛ لأن أبويها لا يجدان سبيلًا إلى شراء جديد لها، فيما الفتاة الْمُتْرَفة تُغيِّر في كل آنٍ وحينٍ ثيابَها؛ استجابةً لِما يُمليه عليه ذوقها المتجدد والمساير لألوان "الموضة" اللامتناهية.

 

يحز في نفسي أن أرى التاجر يمارس أصناف الاحتيال والغش والاحتكار؛ طمعًا في الربح، غير مكترث بحال الناس، لا يهُمُّه سوى نفسه وتوسيع تجارته، دون أن يعلم أنه بهذا الفعل يمحَق البركات، ويُسهم من حيث لا يدري في نزول البلاء الذي لا مَرَدَّ له، في حين أرى التاجر في بلد غير مسلم عادلًا لا يطمع فيما عند غيره، فلا غش ولا احتكار يعرفان الطريق إلى تجارته، فتجد أن الخيرات عليه نازلة، وأنهار البركات في وادِيه جاريةٌ.

 

يحز في نفسي أن أرى العدالة في أوطان بعيدة لم تتديَّن بدينٍ ساريةً، بها قِوامُ المجتمع عندها فلا صاحب النفوذ يُعطَى حق غيره، ولا ضعيف يُبخَس حقه، ولا قريب يُمنَح الحق فيظلم به غيره ممن هو صاحب الحق في المسألة، فيما موازين العدالة مختلَّة في أرضي، إلا قليلًا منها يغالب الظلم فيغلبه.

 

يحز في نفسي أن أرى الحضارات ركبت طبقًا على طبق، ونحن في ذيلها نرنو بطَرْفٍ منكسر، حضارات بَنَتْ مجدها بالعلم والمعرفة، وجدَّت ليلَ نهارَ حتى بلغت أعلى المدارج وكُبريات المنازل، ونحن قابعون نباهي الأمم بالأطباق الفاخرة، وعظميات المزهريات، نغلِّب منطق القشور على منطق اللُّبِّ، فيما هي تكد في دهاليز مختبراتها، وتجتهد في دقائق العلوم؛ لتفهم الكون والحياة، مع العلم أننا الأحرى بذلك لو أننا تدبرنا قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ﴾ [العنكبوت: 20].

 

وا أسفاه على أُمَّةٍ خالت أن صناعة اللهو والعبث في مهرجاناتها وملتقياتها سبيلٌ إلى ذرِّ الرماد على عيون أبنائها؛ لتصرفهم عن قضايا تعنيهم، بها يكون ملاك الأمر وقوام الحضارة، فهي وربي واهمة كل الوهم فيما تصنع، فلو أنها أنفقت من أجل صناعة الإنسان، لكان ذلك خيرًا لها، فتحذو حذو الأمم الرائدة التي فطِنت إلى دور المعرفة في بناء الحضارة، وتركت تُرَّهات الأمور وسفاسفها نائية الجانب، وانصرفت جادة إلى نشر القيم والمعرفة، فنجحت في منافسة كبريات الحضارات، وها هي على دربها سائرة بنفس النهج الذي لم نتخذه سبيلًا، ولا بد أنها بُعَيدَ سنوات سيكون لها الشأن العظيم في حضارة الإنسان.

 

يحز في نفسي أن أرى أمتي في ذيل الأمم وهي التي كانت قائدة للعالم، بينما حضارات العالم تبهر الكل بمخترعاتها وفنون علومها وآدابها وفلسفاتها، أمة دانت لها باقي الأمم، وهابتها الحضارات هي اليوم بعيدة كل البعد عن سُلَّمِ الحضارة، كل ما تصنعه هو انتظار ما تجود به عبقريات الآخر المنتصر، وشراؤه بأغلى الأثمان، وتوسيع الْهُوَّة بيننا وبينه؛ خدمة للرأسمالية التي تأتي على الأخضر واليابس.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة