• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة


علامة باركود

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (8) نفي القداسة وتسويغ الانتهاك

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (8) نفي القداسة وتسويغ الانتهاك
د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر


تاريخ الإضافة: 7/11/2026 ميلادي - 28/5/1448 هجري

الزيارات: 192

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات: المقال الثامن

نفي القداسة وتسويغ الانتهاك

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

قد يبدأ النقاش بسؤال عن مصدر القداسة، ثم ينتقل إلى حكم على التصرف تجاه ما يعظِّمه الآخرون، فيقال: إن هذه القداسة لا أصل لها عندي، فما المانع من إهانة رمزها أو امتهانه؟ وهنا تظهر مسألة تختلف عن البحث في صحة الاعتقاد: هل يكفي ألا يؤمن المرء بقداسة شيء حتى يُصبح كل تصرف تُجاهه مقبولًا؟

 

هذا المقال يناقش هذا الانتقال حين يقع، ولا يَنسبه إلى كل من يتبنَّى تفسيرًا اجتماعيًّا للدين، ولا ينقل عبارة بعينها عن قائل محدد، فقد يخالف إنسانٌ المسلمين في عقيدتهم، ثم يرفض الإساءة إلى مصاحفهم ومساجدهم، مراعاةً لحقوقهم، وحرصًا على العدل وحسن المعاملة، والإنصاف يقتضي الاعتراف بهذا الفرق قبل نقد الدعوى.

 

أولًا: ما الذي يلزم من الاختلاف في الاعتقاد:

من قال: إنه لا يؤمن بقداسة مكان أو كتاب، فقد أخبر عن موقفه من دعوى دينية، أما القول بأنه يحق له امتهان ذلك المكان أو الكتاب، فهو حكمٌ آخر يحتاج إلى تعليل مستقل، ولا توجد ملازمة بين الجملتين؛ لأن تقويم الفعل يتصل أيضًا بما فيه من قصد وإيذاء، وما يتعلق به من حقوق للآخرين.

 

بل حتى من يرى بعض القيم والرموز ناشئةً في المجتمع، لا يَلزَمه أن يعدَّها بلا قيمة أو حماية، فكثير من الأعراف التي يُنشئها الناس لتنظيم علاقاتهم تترتَّب عليها التزامات يُقرون بها، فلا يصح أن ننسب إلى صاحب التفسير الاجتماعي أنه يُبيح كل انتهاك، لمجرد تفسيره منشأَ التعظيم على هذا النحو.

 

وفي المقابل إذا استُخدِمَ هذا التفسير لتسويغ الإهانة، وجَب مناقشة المقدمة التي أُضيفت إليه: لماذا يكون غياب الإيمان بقداسة الشيء إذنًا في كل تصرُّف نحوه؟ فقد لا يشارك المرء غيره تقديره لذكرى عائلية، ومع ذلك يفهم قُبح إتلافها بقصد إذلال صاحبها، وهذا المثال يوضح إمكان رفض الإهانة مع اختلاف التقدير، ولا يسوِّي بين منزلة الذكرى ومنزلة الوحي.

 

ثانيًا: الامتناع عن السب لا يعني تصحيح المعتقد:

في القرآن أصل واضح يمنع الخلط بين ردِّ الاعتقاد وإطلاق الإهانة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 108].

 

فالقرآن الذي أبطَل عبادة غير الله، نهى في هذا الموضع عن سبِّ ما يَعبُده المشركون، وبيَّن ما يترتب على ذلك من مقابلة السبِّ بسبِّ الله عُدوانًا وجهلًا، وشرح ابن كثير هذا النهي باعتبار ما يفضي إليه الفعل من مفسدة أعظم[1]، فلم يكن ترك السب إقرارًا بصحة العبادة، ولا كان الحكم ببُطلانها كافيًا لإباحة كل وسيلة في مواجهتها.

 

وهذه دلالة مهمة في باب الحوار: يستطيع المسلم أن يبيِّن خطأ عقيدة، ويُقيم حجته عليها، مع التزام ما أمره الله به في خطابه وتصرُّفه، وكذلك لا نطلب ممن يخالفنا أن يؤمن بالقرآن شرطًا؛ لكي يمتنع عن امتهان المصحف، فمناقشته في الإيمان لها أدلتها، ومناقشته في فعل الإهانة لها أسئلتها.

 

ولا تعني مراعاة العواقب أن صاحب الإساءة يَملِك فرض السكوت عن كل نقد بالتهديد برد سيِّئ، إنما نميِّز هنا بين عرض الحجة وبين السب، ونزن الأسلوب ومآله، مع بقاء مسؤولية كل إنسان عن فعله، فبيان سبب متوقَّع للتصعيد ليس تبرئةً لمن يرتكب العدوان.

 

ثالثًا: وصف المادة لا يصف الفعل كاملًا:

قد يُقال عن المصحف: إنه ورق وحبر، ويُراد بهذا الوصف أن امتهانه لا يتجاوز التصرف في مادة عادية، لكن وصف المادة لا يُحيط بدلالة الفعل، فالورقة قد تحمل كلامًا أو عهدًا أو رسالة، ويختلف معنى التعامل معها بحسب ما تَحمله، وبحسب السياق الذي يقع فيه التصرف.

 

والمسلم يعظِّم المصحف لما يتضمنه من كلام الله، ولا يعتقد أن الورق والحبر يَملِكان قدرة مستقلة على النفع والضر، ومع ذلك فكون المصحف جسمًا ماديًّا لا ينفي حُرمته الشرعية، ولا يكفي أن نصف حامل الكلام حتى نكون قد ناقَشنا مصدر الكلام أو مكانته.

 

وفي تقدير فعلٍ بعينه نحتاج إلى قرائنَ ظاهرة، مثل تصريح صاحبه، وطريقة عرضه، وما يصاحبه من عبارات واستهداف، أما مجرد حصول تلفٍ لنسخة، فلا يُثبت وحدَه قصد الإهانة، فقد يقع التلف خطأً، ولا يصح أن نَزعُم معرفة باطن كل فاعل، أو أن نُسقط السياق، ونحكم على جميع الصور حكمًا واحدًا.

 

كذلك فإن تعمُّد إهانة رمز ديني، لا يُثبت أن المعتدي يؤمن بقداسته، فقد يقصد إيذاء المؤمنين به، وهو منكر لها، وإنما يدل القصد إذا ثبت على أنه يتعامل مع دلالة يُعرَف أثرُها في الآخرين، فلا يكون وصف الفعل بأنه مجرد تعامل مع مادة وصفًا كافيًا.

 

رابعًا: بين السؤال والنقد والتحريض:

من حق السائل أن يَفهَم ما يَستشكل عليه، وقد يعرض الناقد اعتراضًا يراه قويًّا على نص أو تفسير، ولا تُعرف حقيقة خطابه بمجرد أن بعض السامعين تألَّموا منه، فقد يؤلم الاعتراض الجاد مَن لَم يألفه؛ لذلك ننظر في المضمون، ودقة النقل، وطريقة الاستدلال، وما إذا كان الكلام يناقش دعوى، أو يستهدف أصحابها بالإذلال.

 

وفي الوقت نفسه لا تُصبح الإهانة بحثًا علميًّا لمجرد تسميتها نقدًا، فإذا استُبدلت مناقشة النصوص بحركات أو عبارات يُقصَد بها الامتهانُ، فلنا أن نسمِّي ذلك بحسب حقيقته وقرائنه، أما التحريض على الإضرار بالأشخاص أو بممتلكاتهم، فله مضمون زائد لا يجوز إخفاؤه تحت عنوان الخلاف الفكري.

 

وهذا التمييز يحفظ للنقد الجاد مجاله، وللناس حقوقهم، وللمقدَّسات حُرمتها عند المؤمنين بها، كما يمنع أن نجعل كل خطأ في التعبير عدوانًا مقصودًا، أو أن نُسقط كل مسؤولية أخلاقية عن التصرف بمجرد إلحاقه بباب الرأي.

 

خامسًا: العدل في الرد من تعظيم الدين:

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8].

 

وقد بيَّن السعدي أن بُغض المخالف لا يسوِّغ ترك العدل معه، وأن ما يأتي به من حق يُقبل لكونه حقًّا[2]، ومن مقتضى ذلك ألا نعمِّم فعلَ مسيء على كل مَن يشاركه بلدًا أو دينًا، وألا نَنسب إلى أحد قولًا لم يَقُله، وألا نجعل الغضب عذرًا للكذب أو الظلم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانَه، ولا يُنزع من شيء إلا شانَه»[3]، والرفق لا يمنع وضوح الإنكار وقوة الحجة، وإنما يَضبطهما حتى يكون الرد بيانًا للحق، لا ميدانًا لإساءة جديدة، وتعظيم كلام الله يظهر أيضًا في امتثال أوامره حين نغضَب له.

 

وتبقى صلة الأفكار بالأفعال جديرة بالنظر، لكن بقدر الدليل، فقد تُستخدم فكرة لتبرير فعل مؤذٍ، فننقد هذا الاستخدام حين يظهر، أما الزعم بأن كل من قال بالفكرة سيؤيِّد ذلك الفعل، أو أنه قصد التمهيد له، فيحتاج إلى شواهد لا يوفِّرها مجردُ الاختلاف معه، وكذلك لا تَبطُل الفكرةُ لمجرَّد أن أحدًا أساء استعمالها، بل يُبحث دليلها، ثم يُبحث وجه الاستدلال بها على العمل.

 

خلاصة للشباب:

لا تجعل النقاش في القداسة يختصر إلى خيارين: أن يؤمن المخالف بما تؤمن به، أو أن تُباح له الإهانة، فقد يختلف الناس في الاعتقاد، ويلتزمون العدل وحسن المعاملة، وإذا قيل: إن الشيء مجرد ورق أو حجر، فاسأل عن دلالة التصرف وسياقه، دون ادِّعاء معرفة النيَّات، وميِّز بين السؤال والنقد والامتهان، ثم التزِم أنت هذا الميزان في الرد، فالدفاع عن المقدَّسات يحتاج إلى حجة صحيحة وخُلُق منضبط، ولا يَقوَى بإلزام المخالف بما لا يَلزَم مِن قوله.

 

والحمد لله ربِّ العالمين.



[1] ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير سورة الأنعام، الآية 108؛ في تعليل النهي عن سب آلهة المشركين بالمفسدة المترتبة عليه؛ الاستشهاد بكلام المفسر، دون تصحيح جميع روايات أسباب النزول الواردة في الموضع.

[2] عبد الرحمن السعدي، «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان»، تفسير سورة المائدة، الآية 8؛ في وجوب العدل مع الموافق والمخالف.

[3] صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل الرفق، حديث 2594، عن عائشة رضي الله عنها.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • مقالات شرعية
  • دراسات شرعية
  • نوازل وشبهات
  • منبر الجمعة
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة