• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع مجتمع وإصلاح / أسرة / أزواج وزوجات


علامة باركود

الآن ماتت الدار أيضا يا أبا خالد

الآن ماتت الدار أيضا يا أبا خالد
مصطفى السيوطي


تاريخ الإضافة: 5/4/2017 ميلادي - 8/7/1438 هجري

الزيارات: 15142

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الآن ماتت الدار أيضًا يا أبا خالد

 

"لما ماتت امرأةُ أبي ربيعة الفقيهِ دفَنها، ونفض يديه، ثمَّ رجع إلى داره فحَوقَل واسترجَع، وبكت عيناه، ثمَّ قال يخاطبُ نفسه:

• الآن ماتت الدار أيضًا يا أبا خالد!

 

قالها وقلبه متصدِّعٌ، ينزف وجعًا، وتهاوت روحُه إلى ما يرهقها، قال:

• ماتت الدار.

وظلَّ وحيدًا بها يكابِد من الغربة والوحشة والفقدِ ما أقضَّ مضجعَه، وأوهن عيشه؛ لأنَّه عليمٌ بأنَّ سعادة البيوت وجمالها وطيبَ عيشها - لا يكون بجدرانها، ولا فاخر أثاثها، وعلوِّ طباقها؛ إنَّما يكون بتلك الروح التي تسكن أنت بها؛ ألم ترَ سبحانه يقول:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ﴾ [الروم: 21]؟ ألا تَستشعر معنى السَّكَن؟ أن يرزقك الله برفيقةِ دربك، تكون لك الأهل والصحب والسند، فتسكن معها، وتعيش بها، وتأنس إليها، وتطمَئن لقربها، فإنْ أهمَّك من أمر الدنيا ما أعجزك، فلن تجد في دنيا النَّاس مَن تسكن إليه ويزيل عنك، ويطيِّب خاطرك ويسامرك بما تهدأ له - سوى رفيقة دربك.

 

ثمَّ إنَّك إن تدبَّرت هذا المعنى في قوله سبحانه: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ﴾ [البقرة: 187]، لاستشعرتَ أنَّك عندما تأوي إلى بيتك إنَّما تأوي إلى الدفء والسُّكون وراحة البال، وصَفاء الذِّهن وطيب العيش، وحُسن العشرة مع تلك الرَّفيقة التي اختارها الله لك، ثم هنَّ لباسٌ لكم، ليعلم كلُّ واحدٍ منَّا هذا المعنى الرائق، وهو معنى الاحتواء؛ فهي تحتوي ألَمك وعجزك وما يقابلك من ضجرٍ في دنيا الناس، وتحتوي شعورَ قلبك وتفهم عنك ما تقوله وما لم تقله، وفيها من معاني البهجة ما تأنس إليه الصدور وتطرب له الرُّوح، ومن ذلك معنى الملاصقة؛ فقد شبَّهها الله سبحانه في قُربها منك بما ترتديه من ثيابٍ، فأنت تحتويها وتُحس معك بالأمن، لكن يا صاحبي في حقيقة الأمر هي الأميرة عليك من حيث تدري أو لا تدري.

 

كما قال نابِغةُ بني جعدة:

إذا ما الضَّجيعُ ثَنَى عِطفَها ♦♦♦ تداعَت فكانت عليه لِباسَا

 

هذا المعنى الذي ذكرتُ لك هو ما جعل أبا ربيعة الفقيه يبكي مَن رحَلَتْ؛ لأنَّها رحلت ورحلت معها تلك الصِّفةُ الجميلة التي عاش بها في وجودها، لقد رحلت تاركةً له الذكرى، ثم إنه كان قويًّا مفعمًا يقاسمها حياته، رحلت فخارت قواه، وكان قربُها هو أجلَّ المعاني، فذهبت وتلاشى المعنى، فصار ضعيفًا يلتمس الصَّبرَ، وأصبح الهم الذي كان يساوره فيما يلاقيه في دنيا النَّاس وتزحزحه هي بجميل مواساتها - أصبح الشعور به يتضاعف حتى أثقل كاهلَه، وكانت الأيام تمرُّ معها في أجمل منظرٍ بهيجٍ بحلوِها ومرِّها، كأجمل عطرٍ يتطيَّب به الجسد، ثم الآن ستمر ثقيلةً مرهقة؛ كالحنظل ليس لها ريحٌ وطعمُها مر.

 

ثم إنها رحلَتْ عنه وتركته لزمانٍ ما به سند أو متكأ؛ ألا ترى في مثل هذا الشبه الشيخ الذي عُمِّر طويلًا، حتى أصبح في زمانٍ غير زمانه، قد فقد كلَّ حبيبٍ وقريبٍ ورفيقٍ، ووجد نفسه بين أناسٍ لا يفقهون له قولًا، أو يسمعون له حديثًا، أو يستشعرون له معنى، قد ذهبت به الأيام والليالي مدارجَ لا يبصر فيها أحدًا يجعله عكازًا يتَّكئ عليه فيما بقي من أيامٍ له، فتجده يعيش في دنيا غير دنياه ما بها خلق، يعيش على ما يختلج في صدره من سابِق عهده، على ذكرى مبنيَّة على مكانٍ أو صورة ما زالت محفورة بقلبه وروحِه وعقله، أو يعيش على معنى أيًّا كان وصفه، لعلَّه يبقيه على قيد الحياة حتى يرحل.

فسلامٌ من الله عليكِ أيتها الروح الطيبة المواسية، رحمك الله وطيَّب ثراكِ، وأبدلك الله خير الدار.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • أسرة
  • تربية
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قضايا المجتمع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة