• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع مجتمع وإصلاح / أسرة / أبناء / مراهقون


علامة باركود

أسباب خفية

رجاء محمد الجاهوش


تاريخ الإضافة: 16/12/2010 ميلادي - 9/1/1432 هجري

الزيارات: 7137

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ويَجمعنا الصَّيف في ذات الباحة، يلمُّ شَتات غُرْبتنا تحت ظلال دالية العِنب في بيت جَدِّي الحبيب، نحثُّ الْخُطى لحظةَ أنْ تطأَ أقدامُنا عَتبته، متسابقين أيُّنا سيصلُ أوَّلاً؛ ليَحْظى بقرب الجَدَّة والجَدِّ، كما كنَّا نفعل ذلك ونحن صغارٌ، وكم وكم تَدافَعنا ساعةَ يمدُّ جَدِّي يديه بالعَطايا: حلوى، مكسرات، وفاكهة مُجفَّفة!

 

صورٌ شتَّى تَتَداعى أمامي وأنا أنظر إلى أطفالنا كيف يمرحون كما كنا نَمْرح، ويتعاركون كما كنا نَتعارَك.

 

عراكٌ لا يترك ندبًا، ولا يُقسِّي قَلبًا، وتَجافينا من بعده لا يدوم طويلاً، وأغرب ما فيه أنَّه كان يزيدنا تواصُلاً.

 

فما أن يغضب الصَّديق من صديقه ويولِّي وَجْهَه مُدبرًا، حتى يُدرك أنه لا يستطيع أن يلعب بِمَرحٍ وحْدَه، وإذا عاندَ واستكبرَ، فلن يجدَ مَن يشاركه خططه بالإعداد والتَّنفيذ، فيكون قد حَكَم على نفسه بوحدةٍ بَغيضةٍ لا يَقوى عليها قلبه الغَضُّ، فيعود محمَّلاً بجميلِ صَفْحٍ، ليجد صديقه قد سارَع هو الآخر حامِلاً اعتذاره الودود وطاقة حبٍّ.

 

وحدها "مها" - ابنة عمِّي - مَن كانتْ تَقدر على مُرِّ الخصام لأيام وأيَّام، وكم كانتْ تتسبَّب في عقاب الأولاد من ذَوِيهم دون ذنبٍ اقْترفوه، سوى أنهم لا يحبُّون اختيارها ضمن فريقهم؛ بسبب دَلالها - كما كانوا يُبرِّرون.

 

ويوم كبرتُ قليلاً كان بيت جَدِّي ملاذًا آمنًا، آوي إليه ساعة تنهشني القَسوة مِن أقرب الناس إليّ، ويَغلبني الحزن لضَعف قُدْرتي على مواجهته، فأرتَمي في حُضن جَدَّتي ألْتمسُ دِفْئًا، حنانًا، وشيئًا مِن أمانٍ يُعيننا على مواصلة الْمَسير.

 

"أنسام"، هل أنت معنا؟

• صوت ابنة عمِّي "مها" ينبِّهني من شرودي، فأجيبها بابتسامة: نعم، ما زلتُ هنا.

 

بعد غدٍ سيُفتتح مَعرض العُطور، هل ترغبين في الذَّهاب معنا؟

• هَمَمْتُ بالإجابة، لكنَّ صوتَ جَلَبة الأطفال أخمدَ صوتي، وصوت بُكاء "بدر" أفزَعَ أُمَّه "مها"، فقامتْ مُهَرْوِلة نحو مصدر الصوت؛ لتَرى ماذا حدَثَ.

 

تبعتُها قَلقة، سائلة الله اللطفَ.

لماذا؟!

• لَم يكنْ قَصْدي.

 

لماذا؟!

• لَم يكنْ قَصْدي.

 

كنتُ كلَّما رأيتُهما على هذا الحال، ملأني الغَيْظُ، وتداعَتْ صُوَرُ طفولتي الرماديَّة قُبَالة ناظري.

 

كم كان يوجعني السؤال، ولا أجرؤ على التَّفوه به: لماذا أمي بكلِّ هذه القسوة؟!

 

وكم كنتُ أشعر بالغصة عندما تطلب منَّا مُدَرِّسة اللغة العربيَّة كتابة موضوع إنشاء عن قلبِ الأمِّ الشَّفيف، وعاطفتها الجيَّاشَة، وحنانها المغدق.

 

لم أكنْ حينها أعرف كيف أواري كيف أكذب؟

 

فكنتُ أسطِّر الكلمات بيَدٍ مُرتجِفَةٍ، فتصل مُفكَّكةً بلا مَعنًى.

 

ما زالَتْ "مها" تصرُخ في وجه طفلتها ذات الأعوام الخمس، مُطالبة إيَّاها بالاعتراف، ونبرة صوتها الحادَّة تَسْتَفِزُّ شَتَّى مشاعر العَداء المكبوتة بين أَضْلُعي.

 

عداء لقسوة، لأنانية، للؤْم طبْعٍ، لضِيق أُفق، لعدم فَهم، لتضييع أمانة.

 

عداء لأمٍّ - لكلِّ أمٍّ - لا تُدْرك من مَعاني الأُمومَة، ولا تَعْرف من أَبْجدياتها سِوى أن تقوم على ترتيب مَظهر أطفالها بصورة فائقة الاهتمام؛ لتتباهى بهم أمام الآخرين، ولا سيَّما أمام زوجات إخوانها، وقريناتها من الأقارب والصَّديقات.

 

حاولتُ مَسكَ زمام نفسي، والسَّيطرة على موجةِ الغضب الهادِر التي هاجَتْ في صدري، فرُحْتُ أذكِّر نفسي بوصيَّة رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - لأبي الدَّرداء: ((لا تغضبْ ولك الجنة، لا تغضبْ ولك الجنة،لا تغضبْ ولك الجنة))[1].

 

اقتربتُ منهما أكثر، وسألتُ بهدوءٍ مُصطَنع: ما الأمر؟

• أوقعتْ أخاها ولا تريد أن تعترف لِمَ فعلتْ ذلك، ولَم يَعُدْ لسانُها يُحسن النُّطقَ إلا بعبارة "لَم يكنْ قَصْدي"!


• فأجبْتُها بتهكُّمٍ لا يخلو من حنق:طفلة في الخامسة مِن عُمرها تلعب مع أخيها الذي يصغرُها بسنة ونصف، تُرى أيُّ سبب خَبيث يدفعها إلى أن توقِعَ أخاها؟! هل هي محاولة اغتيال؛ ليخلو لها وجْه أبيها وأمِّها، فتستأثِر بالدَّلال وحْدَها؟ أو رغبة في أن تَتَسَبَّبَ له بعاهة مُستديمة، فلا يتمكَّن بعد اليوم من العبث في ألعابها؟!


ازدادَتْ غضبًا على غضب، فأمسكتْ بكفِّ ابنتها، ودفعتها بقوَّة لتمشي أمامها، ثم رَمَقَتْني بنظرة يَقْدَحُ منها الشَّرر قائلة: احتفظي بفلسفتك لنفسك، فلستُ بحاجة إليها، ثمَّ أعْرَضتْ ونَأتْ.


فأطلقتُ كلماتي - كرَصاص أُحْكم تسديده - علَّها تخترق جُدُر الكِبر والقَسوة والأنانيَّة فتُضَعْضِعها: عندما تصبحُ في مثل سنِّك، سيصبحُ لديها ألفُ سببٍ خَفيٍّ!



[1] لا تغضبْ ولك الجنة؛ الراوي: أبو الدرداء، المحدِّث: الألباني، المصدر: صحيح الجامع، الصفحة أو الرقْم: 7374، خلاصة حكم المحدِّث: صحيح.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • أسرة
  • تربية
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قضايا المجتمع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة