• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع مجتمع وإصلاح / أسرة / أزواج وزوجات


علامة باركود

أثاث أكل عليه الدهر وشرب

د. مبروك عطية


تاريخ الإضافة: 3/4/2011 ميلادي - 28/4/1432 هجري

الزيارات: 9278

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

على طريق السكن (9)

أثاث أكل عليه الدهر وشرب

 

أعلم أن كوخًا صغيرًا على شاطئ "بركة ضيِّقة الملاقي"، قد تسكن إليه النفسُ، أكثرَ من سكونها إلى قصر منيف على شاطئ نهر واسع، ولا أنكر أن السبب وراء ذلك قد يكون فيمن يسكن الكوخ، ومن يسكن القصر، وما زلت أذكر في ضوء ذلك قول الشاعرة:

وَبَيْتٌ تَخْفِقُ الأَرْوَاحُ فِيهِ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ

 

فما غاب عني هذا المعنى؛ لأنها فسرت ذلك بقولها:

وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقِرَّ عَيْنِي
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

 

قال شاهد في قولها: "تقرَّ عيني" ومعناه: تسعد، فقُرَّة العين تعني السعادةَ، ولا بد أن يكون سؤال، وهو: وما الذي يسعدها؟

والجواب: أن لها في بيتها أشياء تعودتْها، وأحبَّتْها أو أحبت الحياة بواسطتها، تعلقت بها، فهي ابنة بيئة صحراوية، كل شيء فيها طلق، فلما تزوجها صاحب القصر، وأتى إليها بالوصيفات، ضيَّق عليها قصرُه فضاءها العريض، فأحست بأنها في سجن، وخنقها حريرُه، وهي التي تعودت لبس العباءة الواسعة، وتأتي بها من أصوات الكلاب التي كانت تراها تنبح الأعداءَ عنها، وأتى بها إلى صوت البلابل والعصافير المحبوسة في القفص، كصدرها المحبوس في الدنيا الواسعة، وقد يكون لها بلا شك حبيب درج عليها، ودرجت عليه، يتحدث بلغة ما مشتركة بينهما، حتى في الصمت، فهو الآن يناديها بأصوات الذكريات، ويذكِّرها بمعاني اللغات، ويقول لها: هيهات لفراقك هيهات، ومن ثم طلَّقها الأمير، وعادت من حيث أتت، فردت إليها روحها، وعادت إليها الحياة، ولعلي أريد أن أبيِّن شيئًا بين أسباب السعادة والإحساس بها، فقد تتوفر أسباب السعادة في القصر، والنفسُ في شقاء، فإن قال قائل: كيف تتوفر أسباب السعادة في شقاء؟ أليس في ذلك تناقض؟!

 

الجواب: أن أحدنا قد يُطلق على ما يراه من بيت فسيح، وأثاث جميل، وعيش رغد - أسبابَ السعادة، بينما يرى غيره أن ذاك ليس بشيء، فاختلاف وجهات النظر يشبه نصف قصر، وما حدث للمرأة القديمة التي آثرت لبس العباءة على لبس الشفوف، والعيش في بيت تصفق الريح فيه، على العيش في قصر منيف - حدث كذلك للفتاة القروية التي تزوجت في العاصمة، وقالت لها البنات: إن حظك من السماء، أنت السعيدة فينا، فهنيئًا لك العيش في القاهرة؛ الماء العذب، والطعام الجيد، والكهرباء، والنظافة، والحضارة، لقد رحمك الله من عذاب مثيلاتك؛ شقاء بالنهار أنت تعرفينه، وهمّ بالليل كنتِ مثلنا تعانينه.

 

صحيح أنها ضحكت واستبشرت، وأحبَّت أن تسمع المزيد، ولم يكن أحد يدري ما الذي بخَلَدها يدور، حتى هي ما كانت تدري إلا عن طريق شعور بعيد، كالشعاع الخافت من الضوء، الذي ما يظهر حتى يختفي، إنها كانت تشعر بحاجتها إلى المزيد من هذا الكلام من باب "الغراء" والتقوية، نعم، كانت تريد من داخلها أن تضع نفسها بهذا الذي يقلق، هل هو صحيح أو أنه وهم؟ وقد كانت تزوجت، ثم عادت مصِرَّة على الطلاق، وقالت: "جهنم بلدي، ولا جنة القاهرة"، إنها العادة، ومن العادة الطيبة أن يكون البيت مؤثثًا أثاثًا تستريح إليه النفس، وبعض الناس لا يهتم بهذه الناحية، فترى عنده من الأثاث ما أكل الدهر عليه وشرِب، وهو قادر على تغييره، أو تبديله، أو تجديده، كيف يتسنى لرجل أن يستمتع بزوجته، وقد صرح لها بأنه لن يجدد هذه المرتبة التي دخل عليها يوم أن كان عريسًا، ومرَّ على ذلك سنوات؟ والسفرة أصبحت ناقصةً رِجلاً، فهي عرجاء، والمقاعد كذلك بالية، حتى الأواني في المطبخ، فاضطرت إلى أن تدخل "جمعية" مع صواحبها وجاراتها؛ من أجل هذا الغرض.

 

وقد فعلت ذلك زوجة، وما أن تسلَّمت الجمعية حتى قبضها هو، وأنفقها في شيء آخر، بكت، صرخت، قالت، وتوسلت، ولكن دون جدوى، فسكبت الزفرات، وملأت كل ركن من أركان البيت أسى.

 

وهناك العكس، هناك رجل حرص على أن يجدد كل شيء، وهو قادر على ذلك، لكن زوجته تقول: هذا جميل، فيرى أن البيت بيتها، وأنها "مش وش نعمة"، وهذه عبارة قاسية، ولكن هكذا يقول الناس، هذا يتصرف تصرف مَن يستحق أن تقال فيه هذه العبارة، وينتهي الأمر عند "ويبقى الحال على ما هو عليه"، فلا جديد، ولا جميل، ولكن أجساد تلقى على أي شيء، وتمضي الحياة على كآبة، فهل خلقنا لنعيشها على كآبة، أو أنه بأيدينا أن نجدد، وأن نضع شيئًا في مكان شيء آخر، كلما بدت لنا رتابة؛ لأن التغيير مهم مطلوب؟ ومن الأشياء ما يجب تثبيته في مكانه، وأهم ما ينبغي أن يثبت في مكانه الوفاق؛ حتى نعيش بلا شقاق.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • أسرة
  • تربية
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قضايا المجتمع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة