• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع مجتمع وإصلاح / أسرة / أبناء / مراهقون


علامة باركود

الأماني الجريحة

بدر الحسين


تاريخ الإضافة: 1/1/2009 ميلادي - 4/1/1430 هجري

الزيارات: 9579

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر
الأمُّ كوثرُ الحياةِ، واخضرارُ النَّبات، هِي دفءُ الشتاءِ، وعذوبة الماء ولونُ السماء.. الأمُّ عطرُ الزهر، ورَوعةُ القمر، وظلُّ الشِّجَر.. هي انحناءَةُ القَصب وتواضع السَّنابِل الملأى وشُموخ الدَّوح المبارَك، في قلبها تَتدفَّقُ مُحيطاتُ العالم التي تُغذِّي الأنهارَ والجداولَ والغُدرانَ بماءِ الحنانِ وسلسبيل الأمان، في صَدْرِها سَعَةُ الأُفُق وصَبْر الأنبياء، وفي راحتَيْها سِحرُ العَبَق ورقَّة النُّبلاء.

في صباح هذا اليوم هاتَفَني حارسُ المدرسة يقول: أمُّ عُمَر تُرِيدُ أن تُشاهِدَ ولدها، وستقولُ لك شيئًا.. اصطحبتُ عُمَر، ونزلْنا معًا إلى باب المدرسة، وعندما أصبحنا ما بين دَفَّتَي الباب المفتوح أفلتَ عمر يدَه منِّي، وانطلقَ كالسَّهم أو كالعُصفور الهارب من المطر إلى عُشِّه، انطلقَ لتستقبِلَه ذراعَا أمِّهِ، وقد احتضَنتهُ، وضمَّتْه، وقبَّلَته، وربَّما تَخضَّبَت وَجنَتَاه بِدُموعِ الشَّوق وَدِفءِ الحنان.. إنَّ لقاءَ عمر مع أمِّه - التي انفَصَلَت عن أبيه منذُ سَنَواتٍ عِدَّة -كان أشبَه بِعَودةِ الرُّوح إلى الجسَد واستِقرَار الماء في الوهدِ،كان موقِفًا لو رأتهُ الأحجار لتشقَّقَت، ولو سَمِعتهُ الأطيارُ لناحَت..!

تواريتُ عن الأنظار؛ لأنَّ الموقفَ أدْمَى قَلبِي، وطَفِقْتُ أنتظرُ ريثما ينتهي عمر من احتساءِ جرعةِ الحنان التي كانتْ في هذه المرَّة أمامَ بوابة المدرسة، وبعد نِهاية الموقف كانت الأمُّ قد أحضرَتْ هدايا بعددِ زملاءِ ولدها، رفْعًا لمعنوياته وتوثيقًا لِعلاقته معهم..

دخلْتُ إلى الصَّفِّ ومعي عمر، ومن خَلْفِنا الحارس الذي ضاقَتْ كلتا يديْهِ ذرْعًا بأكْياس الهدايا الأخَّاذَة، أخبرتُ التلاميذ أنَّ زميلَهم عُمَر يُحبُّهم كثيرًا، وها هو الآن قد أحضرَ لكم الهدايا الجميلة فاشكرُوه وصفِّقُوا له، استجابَ الطلابُ وراحوا يُصَفِّقُون ويَشكرُون زميلهم، ودَوَّت عباراتُ شُكْرِهم في أرجاءِ الطَّابق الأوَّل.

شعرَ عمر بالنَّشوة وكان شعورُه تِجاهَ زُملائِه أَشْبَه ما يكون بشعورِ الرَّجل الثريِّ الذي يُنِفقُ على المُعْوِزين، وقبل أن أنسحِبَ من الفصل أخبرتُ المعلم أن يكتبَ له عبارات تشجيعيَّة على هذه اللَّفتَة الإنسانية النبيلة.

وفي الفسحة الثانية نزلَ عمر مع أقرانه وهم يبادلونَهُ نظرات الإعجاب، وكأنَّ عمرَ أصبحَ اليوم في عيونِهم أجْملَ وأروعَ مِمَّا كان في السابق، كان يُحاولُ أن يقتربَ منّي وعيناهُ توحِيان بأنَّ عنده كلامًا يُريد أن يقولَه لي، ومع رنين جرس الحصَّة السادسة اقتربَ مني أكثر فاستبقتُه قائلاً: هل تريد شيئًا، يا بُنَي؟ فأجاب: هل تعرف رقم جوال أمي، يا أستاذ؟ قلت: نَعَم، وماذا تريد من أمِّك؟ ألم تُحضِر لكَ الهدايا قبل قليل، وبقيتَ معَها نحوَ نصفِ ساعة؟! قال: أريدُ أن أقولَ لها شيئًا، .. وما هو؟ قال: أتمنى أن تأخذني اليوم معها؛ لأن أبي وزوجته سيذهبان لزيارة أختِها المريضة، ولا أرغبُ بالذهاب معهما، قلت: أحاول، إن شاء الله.

لم أتَّصل بالأم لأنني أعرف أنَّ الأبَ يمنعُ ولده من الذَّهاب إلى بيت أمِّه إلا أنه يسمح له بذلك في المناسبات كالأعياد، وعندما تملُّ منه زوجةُ أبيه بعض الأحيان، وفي اليوم الثاني اتَّصلتُ بالأب أسْتأذِنُه بِخُروج ولدهِ مع أمِّهِ في أثناء ساعاتِ الدَّوام الرسميَّة عندَ الضرورة، وقد تَحدَّثتُ معه بطريقةٍ إنسانيَّة لطيفة سَدَّت بوجْهِه كلَّ مبرِّرات الرَّفض؛ فقال: لا مانع لديَّ، فرُحتُ على الفَوْرِ واتَّصلتُ بالأم أزُفُّ خبرَ موافقة الأب، وبدأت أمُّ عمر تأتي لمشاهدة ولدها بين الحين والحين، وفي بعض الأحايين أجدُني أتَجاوزُ أنظمة المدارس وأسمحُ لأم عمر بأخذِه إلى السوق؛ لتشتري له بعضَ اللَّوازم المدرسيَّة في أثناء الحصَّة الفنِّيَّة أو البدنيَّة، وتعيده إلى المدرسة ثانيةً؛ لأشعر بأنَّني فَعَلْت شيئًا أو قدَّمت همسة إنسانية للبريء عمر.

عشتُ مع عمر غيرَ سنةٍ وهو على هذه الحال؛ فهل فكَّر أبواه بِدَوَّامة الحزن والألم والعذاب النفسي الذي سيكابدُه هذا الطِّفل من جرَّاء حِرمانه من حضْنِ أمِّهِ ودفء أبيه؟!




حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 


تعليقات الزوار
1- متميزة ورائعة
تلميذة الحياة - السعودية 03/01/2009 07:41 PM
أنا كقارئة عادية شاهدت القصة من عدة زوايا
- دور المدرسة متمثله هنا بالأستاذ بمتابعة التلميذ ومدى تأثير العوامل الخارجية على مستواه وذلك بالبحث عنها ومعالجتها
- أسلوب الهدايا حل رائع لإنعاش التلميذ المنزوي بعيدا عن أقرانه بإعادته إليهم وإعادتهم إليه
- اعتقد أن المحور الرئيسي هو أبناءنا واحتياجاتهم بعد الطلاق
لا يخفى على الكثير أن اغلب المنفصلين يحمل على الآخر الكره ويكون الضحية في إشهار أسلحتهم هو الأبناء
قد يكون الطلاق حل لابد منه والرائع أن يكونا الوالدين على حد من الوعي و الثقافة والتفهم بأن يكون الانفصال سلمي ويناقش فيه جانب الأبناء وذلك بتهيئة الجو الأسري الذي يلبي لهم احتياجاتهم متمثلا في خلق الأمان الأسري لتغطية الفجوة التي أحدثها الطلاق

اعتقد أن الكاتب أجاد بكفاءة عالية بطرح قضية قرأها بعيون أبرياء لا يستطيعون الدفاع عن قضيتهم

دمتم
1 

أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • أسرة
  • تربية
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قضايا المجتمع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة