• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اجعلنا صفحتك الرئيسة
  • اتصل بنا
English Alukah
شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور خالد الجريسي والدكتور سعد الحميد
صفحة الكاتب  
شبكة الألوكة / موقع مجتمع وإصلاح / تربية / تهذيب النفس


علامة باركود

بين الوهم واليقظة: تأملات في معنى الوجود الإنساني

بين الوهم واليقظة: تأملات في معنى الوجود الإنساني
ريحان محمدوي


تاريخ الإضافة: 8/6/2026 ميلادي - 22/12/1447 هجري

الزيارات: 711

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

بين الوهم واليقظة: تأمُّلات في معنى الوجود الإنساني

 

ليس أشدّ قسوةً على الإنسان من أن يمرَّ به العمر وهو يظنُّ أنَّه يعيش، بينما هو في الحقيقة يؤجِّل الحياة يومًا بعد يوم. يمضي الزمن، وتتناقص الفرص، ويبهت الحلم، والإنسان ما زال واقفًا عند عتبة الانتظار، يحدِّق في غدٍ يتوهَّم أنَّه سيكون أكثر رحمةً، وأكثر سخاءً، وأكثر استعدادًا لاستقباله. وهكذا تتحوَّل الحياة إلى فكرة، وتغدو الأيام مُسَوَّدات لمشروع لم يُكتب بعد.

 

إنَّ أخطر أنواع الوهم هو ذاك الذي نُلبِسه ثوب الحكمة. حين نقنع أنفسنا أنَّ التأجيل تعقُّل، وأنَّ التردُّد احتياط، وأنَّ الخوف حُسْن تقدير. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: نحن نخشى المواجهة، نخشى أن نجرِّب فنفشل، ونفضِّل وهم الأمان على صدق المغامرة. فنؤثر السلامة الظاهرة، ولو كانت على حساب أعمارنا.

 

الحياة ليست وَعْدًا مؤجَّلًا، ولا عقدًا مفتوحًا مع الزمن. ليست شيئًا نُنجزه لاحقًا حين تكتمل الظروف، فالشروط المثالية لا تأتي، والوقت لا ينتظر. الحياة فعلٌ مباشرٌ، حضورٌ كاملٌ، وجرأة على اتخاذ القرار في لحظة غير مكتملة. ومن ينتظر الاكتمال، ينتظر إلى الأبد.

 

كثيرون يظنُّون أنَّ كثرة التفكير علامة وعي، وأنَّ الغرق في التحليل دليل نضج. غير أنَّ التفكير حين ينفصل عن الفعل، يتحوَّل إلى عبءٍ ثقيلٍ، وإلى نوعٍ خفيٍّ من الهروب. فالتأمُّل الذي لا يقود إلى خطوة، يشبه مصباحًا يُنير الطريق، لكن صاحبه يرفض أن يمشي. وهنا لا يكون العقل أداة نجاة، بل سببًا آخر للتيه.

 

وفي خِضَمِّ هذا التيه، يتعلَّق الإنسان بما يمنحه شعورًا زائفًا بالثبات: أشخاص، أفكار، ذكريات، أو حتى آلام. يظنُّ أنَّ التعلُّق يحميه من الفقد، فإذا به يضاعف ألمه حين يأتي الفقد حتميًّا. فكلُّ ما في هذا العالم مؤقَّت، وكلُّ ما لا نقبل بزواله، يتحوَّل إلى مصدر قلق دائم. ليست المشكلة في الحبِّ، بل في أن نجعل من الحبِّ بديلًا عن ذواتنا، ومن الآخرين ضمانًا لوجودنا.

 

إنَّ الوعي الحقيقي لا يدعونا إلى القسوة، ولا إلى الانسحاب، بل إلى الاتزان، أن نحبَّ دون أن نذوب، وأن نقترب دون أن نفقد المسافة التي تحمينا من الانكسار، أن نؤمن بأنَّ العلاقات رسائل، لا عقود ملكيَّة، وبأنَّ اللقاءات مراحل، لا نهايات مطلقة.

 

والإنسان في رحلته هذه، كائن هشٌّ، مهما تظاهر بالقوَّة، غير أنَّ الهشاشة ليست عيبًا، بل هي مدخل الصدق، فالذي يعترف بخوفه أقدر على تجاوزه، والذي يقبل ضعفه أصدق في سعيه، أمَّا من يتقن التجمُّل بالقوَّة، فغالبًا ما ينهار حين يُختبر في الخفاء.

 

إنَّ المعنى لا يُمنَح جاهزًا، ولا يُورَّث، ولا يُستعار من الآخرين، المعنى يُصنَع قطعةً قطعةً في التجربة، وفي الألم، وفي الصبر على الأسئلة التي لا إجابة لها. يُصنع حين نختار أن نكون مسؤولين عن حياتنا، لا ضحايا لظروفنا. وحين ندرك أنَّ النجاة ليست في الهروب من الألم، بل في فهمه، وتجاوزه، وتحويله إلى وعي.

 

وفي النهاية، ليست الحياة أن نمرَّ بها بسلام، بل أن نترك فيها أثرًا، أن نغادر هذا العالم ونحن أقلُّ تصالحًا مع الوهم، وأكثر قربًا من الحقيقة، فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات التي عشناها، بل بعدد اللحظات التي كنَّا فيها يقظين، صادقين، وأحياء بحقٍّ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر


 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • السيرة الذاتية
  • أسرة
  • تربية
  • روافد
  • من ثمرات المواقع
  • قضايا المجتمع
  • قائمة المواقع الشخصية
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة