• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات   بحوث ودراسات   كتب   صوتيات   مواد مترجمة  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    وصف جنات النعيم وأهلها
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    من مشاهد القيامة
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    من أهوال القيامة
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    ما يلقاه الإنسان بعد موته
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    التحذير من الافتتان والاغترار بالدنيا الفانية ...
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    موعظة وذكرى
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    أسباب النجاة
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    أسباب العذاب
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    أولياء الرحمن وأولياء الشيطان
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    وجوب إعفاء اللحية وتحريم حلقها ووجوب قص الشارب
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    الزواج وفوائده وآثاره النافعة
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    التقوى
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    مختصر رسالة إلى القضاة
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    أقسام المشهود عليه
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    علامات صحة القلب
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
  •  
    كليات الأحكام
    الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الأسرة والمجتمع / قضايا المجتمع / في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
علامة باركود

خطبة: الحرب الناعمة

خطبة: الحرب الناعمة
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 20/7/2026 ميلادي - 4/2/1448 هجري

الزيارات: 637

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: الحرب الناعمة

 

أيها المؤمنون عباد الله:

منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وفضله على غيره؛ حسده الشيطان، وقامت بينه وبينه العداوة والبغضاء، وأعلنت الحرب بين الطرفين؛ لأن آدم يمثل الحق وأهله، وإبليس يمثل الباطل وحزبه، وستستمر هذه الحرب بين الفريقين إلى يوم القيامة، ولكل فريق أنصاره وجنوده، فأنصار الحق هم الملائكة والرسل والأنبياء والمؤمنون الأتقياء والصالحون في كل زمان ومكان، وأنصار الباطل هم الشياطين والكفار والمشركون والمنافقون وغيرهم من الفاسدين والمنحرفين في كل زمان ومكان.

 

وقد تمثلت هذه الحرب المعلنة بين هذين الفريقين في صورتين رئيسيتين: الصورة الأولى: هي الحرب الخشنة الصلبة التي تقوم على القهر والإكراه والقتل والتشريد.

 

والصورة الثانية: الحرب الناعمة اللينة التي تقوم على التضليل والإغواء والتزيين والترغيب، وكلا النوعين من الحرب مستمر إلى اليوم وسيستمر إلى أن تقوم الساعة، وقد عرف الناس واتضح لهم النوع الأول لأنه مشاهد محسوس واستوعبته النفوس؛ لأن القهر يؤثر في النفس، ولأن القتل يوغر الصدر، فعرف الناس الحروب العسكرية الخشنة، ذات المعارك، والغزوات التي قامت بين الحق والباطل منذ بداية البشرية وحتى اليوم فأدركوا خطورتها وعلموا ثمارها السيئة ونتائجها الخبيثة عليهم.

 

لكن النوع الثاني من الحرب وهو الحرب الناعمة اللينة غفل عنها كثير من الناس؛ لأنها تأتي وفقًا للأهواء والشهوات، وتقوم على التضليل والإغواء والتزيين والأماني، وتستخدم فيها الأدوات اللينة الهادئة، فيؤدي ذلك إلى تغيير القناعات والمبادئ، ويتحول الإنسان بسببها من مبدأ إلى مبدأ، ومن عقيدة إلى أخرى، ومن عادات وقيم إلى عادات وقيم أخرى، فالحرب الناعمة في حقيقتها تستهدف العقول والأفكار والتصورات لتغيير القناعات وتنفيذ خطط الأعداء عن طريق الشخص نفسه، فيتحول الإنسان إلى خادم وعميل ينفذ خطط أعدائه في نفسه ومجتمعه برغبة وقناعته وهو في غفلة، فيصبح أداة من أدوات الفساد في مجتمعه وأهله ودينه ووطنه، فخطورتها أعظم، وأدواتها أخطر، وثمارها ونتائجها القبيحة أسوأ.

 

ولذلك استخدمها الشيطان إبليس عليه اللعنة، فلم يستخدم مع بني آدم الحرب الخشنة وإنما استخدم الحرب الناعمة، فحين حكم الله عليه بالإبعاد والطرد من الرحمة وتوعده بالنار والسعير؛ أعلن خططه وأساليبه لمحاربة آدم وذريته، وقد فصل الله ذلك في القرآن الكريم، قال الله سبحانه وتعالى عن إبليس: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 117 - 119].

 

فانظروا إلى هذه الخطط التي استخدمها إبليس مع آدم وذريته، ليس فيها خطة عسكرية وإنما خطط تتعلق بالنفس، وتتعلق بالأساليب الناعمة، فأول أسلوب أشار إليه إبليس في هذه الآية هو التضليل، وما أدراكم ما التضليل؟ إنها وسيلة تندرج تحتها عدة وسائل وتتنوع بحسب الإنسان من حيث علمه ومن حيث ثباته واستجابته للشبهات والشهوات، ومن حيث قوة إيمانه ويقينه، ومن حيث بصيرته وفهمه لعدوه، وقد استخدمها إبليس بكل أنواعها ولم ييأس.

 

فيحاول أولًا أن يُضل الإنسان عن دينه وعقيدته فيوقعه في الشرك والكفر، فإن لم يستطع نقله إلى الإضلال بالبدع والخرافات، فيجعله يتعبد لله بشيء لم يشرعه الله حتى يظل عمره يعمل أعمالًا يظن أنه يحسن فيه صنعًا وهي باطلة: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 103، 104]، فإن لم يستطع الشيطان أن يضله في هذا الباب نقله إلى باب الإضلال في ارتكاب المنكرات من الكبائر والمعاصي، فإن لم يستطع نقله إلى المرحلة الرابعة وهي فعل الصغائر والغفلة من التوبة منها، ويقول له: هذه صغيرة لن تضر، أهم شيء أنك تبتعد عن الكبائر، وما يزال بالإنسان يمارس الصغائر والذنوب الصغيرة حتى إذا اجتمعت عليه أهلكته، فإن لم يستطع له نقله إلى المرحلة الخامسة وهي إشغاله بالمفضولات عن الفاضلات، فيشغله بعبادات أجرها قليل عن عبادات عظيمة الأجر.

 

فهذا هو المشروع الأول لإبليس وهو الإضلال، وكم قد أضل من البشرية به؟ ﴿ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ﴾ [يس: 62]، فكم أوقع من بني آدم في عبادة غير الله؟ انظروا إلى من يعبد الأبقار كم عددهم، ومن يعبد بوذا، ومن يعبد الشياطين، ومن يعبد الأصنام، ومن يعبد الصليب، ومن يعبد الكواكب والنار، ستجدون أعدادًا كبيرة من بني آدم يعبدون غير الله.

 

ثم انظروا إلى المرحلة الثانية، كم عدد أولئك الذين يتعبدون لله بالخرافات والخزعبلات وتضيع أوقاتهم فيها وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا؟

 

ثم انظروا إلى عدد أولئك الناس الذين يمارسون المنكرات ويقعون في الكبائر والموبقات ولا يتوبون منها، كم عددهم؟

 

ثم انظروا أيضًا إلى عدد من يقع في صغائر الذنوب من هذه الأمة، ولا ينتبه لها ولا يتوب منها؟

 

ثم انظروا أيضًا في الصالحين ورواد المساجد والعبَّاد الذين يشغلهم إبليس ببعض الطاعات المفضولة عن الفاضلة، كمن يقوم الليل ثم ينام عن صلاة الفجر، وقد رأينا مثل هذا في رمضان؛ فرأينا أناسًا يقومون التهجد ويحضرونه ثم لا يصبرون أنفسهم ساعة أو ساعتين حتى يؤذن الفجر فيحضرون صلاة الفجر، بل ينامون فتضيع عليهم صلاة الفجر، فهؤلاء يشغلهم إبليس بالمفضول عن الفاضل، والأمثلة كثيرة جدًّا، وهكذا يستخدم إبليس معنا أسلوب الإضلال ليظفر منا ولو بشيء يسير من الانحراف؛ لأنه لا تهدأ نفسه إلا أن ينحرف البشر عن دين الله وطاعة ربهم سبحانه.

 

الأسلوب الثاني: إغواء الناس بالأماني: ﴿ ولأمنينهم ﴾، فإنه يفتح لك آفاق الأماني الباطلة المزيفة ويوعدك بها، ثم في الأخير لا يصدق معك ويقول كما قال الله عنه: ﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [إبراهيم: 22].

 

ومن أساليب إبليس، الوسوسة، فإذا وجد لديك قوة ونشاطًا في العبادة والطاعة وسوس إليك وحرفك عن الحق إلى الباطل، كما فعل مع آدم وزوجته في الجنة فإنه أغراهما بالأماني وأوقعهما في الوسوسة وشغلهما بالنسيان حتى ذاقا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنها، قال الله تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ﴾ [الأعراف: 20 - 22]، فقد جاء إبليس إلى آدم، قبل أن ينفخ فيه الروح فوجد فيه طمعًا في الخلد وحبًّا للملك، فدخل عليه من هذا الباب ولذلك كانت هذه حجة إبليس في إغواء آدم: تريد أن تكون خالدًا لا تموت؟ كُل من الشجرة، وتريد أن تكون ملَكًا في مرتبة الملائكة؟ فكل من الشجرة.

 

ومن أساليب إبليس التزيين هو على قسمين: تزيين العمل القبيح في صورة حسنة، وتزيين العمل الحسن في صورة قبيحة، فيأتي إلى الأعمال القبيحة من معاصٍ ومنكرات وشرك وجرائم فيزينها ويحسنها في نفس الإنسان حتى يعملها، ويأتي إلى الأعمال الصالحة فيقبحها في نفس صاحبها ويكرهها إليه فيتركها، مثال ذلك: تزيين الشيطان لبعض الناس سماع الأغاني والموسيقى فتنتعش نفوسهم وتطرب أرواحهم، وتقبيح سماع القرآن الكريم لبعض الناس، فما يكاد يسمع آية أو آيتين أو ثلاثًا إلا أصيب بالتثاؤب والكسل فلا يستمر.

 

وجهود إبليس كبيرة في تزيين الشهوات وتحسين صورتها في النفوس؛ ولذلك فنفوسنا تتوق إلى الشهوات لأن الشيطان يزينها، وتهرب من الطاعات لأن الشيطان يكرهها ويقبحها في نفوسنا، حتى تصبح شاقة علينا وثقيلة، كما قال في الصلاة: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]، وهكذا كل عمل صالح يتباطأ ويكسل عنه الإنسان فهو بسبب تزيين الشيطان، ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ [الأنفال: 48]، ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ﴾ [النمل: 24]، ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ [فاطر: 8]، ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ﴾ [آل عمران: 14].

 

ويزين الأفكار القبيحة الباطلة والأهواء، فقد زين للنصارى عبادة الصليب، وزين للهندوس عبادة البقر، وزين للمجوس عبادة النار، وزين للمشركين عبادة الأصنام، ويزين للمبتدعين الخرافات والبدع والخزعبلات حتى تقبلها نفوسهم، ولو استعمل الجميع عقولهم وفكروا بحقيقة ذلك لعلموا بطلانها؛ ولذلك فبعض هؤلاء الناس تأتيهم لحظة إفاقة لقلوبهم وعقولهم فيفكرون بصدق فيما يعبدون، فيفيقون ويؤمنون ويعلنون إسلامهم ويتركون عبادة غير الله، أما من ظل على تزيين الشيطان له فإنه يستمر على ضلاله وانحرافه، والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

 

ومن وسائل الشيطان الاستحواذ والسيطرة على جوارح الإنسان، قال الله تعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ [المجادلة: 19]، والاستحواذ أسلوب من أساليب إغواء الشيطان للإنسان، فيستحوذ ويسيطر على اللسان والأذن والعين والقلب والنفس، وسائر الجوارح فيجعلها تسير في طريقه وتنفذ خططه، فكلما دعاهم إلى شيء استجابوا له، ﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ﴾ [إبراهيم: 22]، فإذا استحوذ على جارحة من جوارحه استخدم معها أسلوبين: أسلوبَ منعها من الخير، وأسلوب إقناعها بفعل الشر.

 

فإذا استحوذ الشيطان على لسانه جعل منطقه الباطل والكذب والسب والشتم واللعن وشهادة الزور ونحوها، ويثقل لسانه عن ذكر الله أو يمنعه من الذكر وقراءة القرآن والتسبيح والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا يفعل مع العين، فإذا استحوذ الشيطان عليها جعلها تنظر إلى الحرام، وتتتبع الحرام، ولا ترتاح إلا بالمناظر السيئة من المحرمات، وانتهاك الحرمات، ومشاهدة الأفلام الإباحية، والصور الخليعة، وتتبع عورات الناس، والتجسس على أسرارهم، ويمنعها من الخير؛ فيمنعها النظر والتفكر في مخلوقات الله في هذا الكون المفتوح حتى لا تفتح لها آفاقًا له من المعرفة، والعلم، والإيمان، والثقة بالله سبحانه وتعالى.

 

وقل مثل ذلك في الأذن، فإذا استحوذ الشيطان على الأذن أغلق عليها منافذ الحق، والخير، والعلم، والمعرفة، والفائدة، وشغلها بسماع الأباطيل، وشتان بين إنسان يضع على أذنه سماعة يترنم بسماع القرآن وهو ذاهب إلى السوق، أو العمل، ويستمع له وهو في مزرعته، أو مكتبه، وبين شخص آخر واضع نفس السماعة ولكن ليسمع فيها الموسيقى وغناء الشيطان وما يلهيه عن ذكر الله.

 

أما القلب فهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، فإذا استحوذ الشيطان على القلب فقد أنهى حياة الإنسان الطيبة، وصار إنسانًا تعيسًا في حياته، يعيش عيشة ضنكًا، الوسواس يملأ قلبه، وخواطره كلها سيئة، ويعشش في قلبه الحسد والغل، وسوء الظن، والشرك، والنفاق، والشكوك، فيصبح قلبه ميتًا.

 

أما من نجا من استحواذ الشيطان على قلبه فسيجد السعادة، والاطمئنان، وانشراح الصدر، والقلب السليم، الذي قد امتلأ بالحب، والتوكل، واليقين، وحسن الظن، وحب الخير للناس، فيعيش حياة سعيدة كما قال الله تعالى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزمر: 22].

 

ومن آثار استحواذ الشيطان على الإنسان الغفلة، فيحرص الشيطان كل الحرص ألَّا تستيقظ من غفلتك، وأن تبقى غافلًا طيلة حياتك؛ ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ﴾ [المجادلة: 19]، بمعنى أخرجهم من اليقظة إلى الغفلة، فصاروا يعيشون حياة الغفلة؛ غفلة عن الطاعة، غفلة عن الذكر، غفلة عن الأعمال الصالحة، غفلة عن وقت الصلاة، عن الصدقة وعمل الخير.

 

وبالمقابل ينشطه الشيطان ويذكره في باب المعصية والذنب، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ﴾ [مريم: 83]؛ فلا يكسل عن المعصية ولا يمكن أن ينسى موعدها، بل يذكره الشيطان بها قبل الموعد.

 

وهذا الأسلوب الذي سيطر به إبليس على قلوب وعقول كثير من البشر، ولذلك أمرنا الله تعالى بذكر الله لطرد الشيطان: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 41]، حتى لا يعشش في عقولنا وقلوبنا.

 

ومن آثار استحواذ الشيطان على الإنسان: أن يفتح له شهية الشهوات وتزيينها وتقريبها له، حتى أنه يتلذذ بها حرامًا ولا يتلذذ لها حلالًا، ومثال ذلك أن رجلًا أعمى غواه الشيطان فانحرف، وكان متزوجًا، فذهب إلى امرأة وطلب منها أن تبحث له عن امرأة من أجل أن يزني بها وأعطاها مبلغًا من المال، فقالت له: أبشر، وأخذت منه المبلغ، ثم ذهبت إلى زوجته وقالت لها: إن زوجك يبحث عن امرأة ليزني بها وقد أعطاني مبلغًا، فتنكري له حتى لا يعرفك، وهذا المبلغ لك، فتنكرت زوجته وأتت بها تلك المرأة إلى المكان المتفق عليه، فجامعها وتلذذ بذلك الفعل معها، فلما انتهى من الجماع تكلمت زوجته فعرفها، فقال لها: ما أقبحك حلالًا وما ألذك حرامًا! وهكذا يفعل إبليس بنماذج متعددة من البشر؛ فيكره لهم الحلال ويزين لهم الحرام حتى يسيروا في طريقه.

 

وقد حدثنا الله أن إبليس يأتي يوم القيامة فيعترف بين يدي الله ويقول: ما كان لي عليكم من سلطان، ولم أستخدم معكم القوة والبطش والإرهاب والقهر، ولكنه استخدم معنا القوة الناعمة، الحرب الناعمة، الإغواء، التزيين، التضليل، الوسوسة، الأماني، الخداع، المكر، حتى جعلنا نسير في طريقه دون أن نشعر، ويعلل ذلك بقوله: إنما دعوتكم فاستجبتم لي، فأنتم من انحرف وسار في هذا الطريق بمجرد أني دللتكم عليه ودعوتكم إليه ولم أستخدم معكم العنف ولا القهر، وهذا يدلنا على أن هذا النوع من الحرب أخطر من الحرب الخشنة أو الحرب العسكرية التي تقام اليوم في أكثر من بلد، فعلى المسلم أن يحذر من هذه الأساليب. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلت وسمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد عباد الله:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي خير الزاد، كما قال الله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

عرفنا فيما سبق أن الحرب التي تستخدم لإغواء البشرية اليوم على نوعين: الحرب الخشنة وهي الحرب العسكرية، حرب القهر والإذلال والقتل والتشريد، والحرب الثانية الحرب الناعمة التي هي حرب الإغواء والترغيب والخداع والمكر، وقد استخدم أعداء الإسلام النوعين معًا، فالحروب الصليبية القديمة كانت تمثل الحرب الخشنة، وحروب الاحتلال العسكرية اليوم تمثل الحرب الخشنة، لكنها في الغالب فشلت لوجود المقاومة في النفس؛ فإن الإنسان حينما يُقهر ويُظلم ويُضرب ويُقتل تحصل منه ردات فعل على ذلك، ويبدأ بالمقاومة والشعور بالتحدي ورفض تلك الأساليب، ولذلك فشلت كثير من الحروب الصليبية من أعداء الإسلام مع الإسلام وأهله، فانتقلوا إلى ما يسمونها اليوم بالحرب الناعمة، والتي انطلقت بعد الحروب الصليبية الأولى حين فشلت وسميت بالغزو الفكري.

 

فلما فشلت الحملات العسكرية الصليبية على العالم الإسلامي تحولت إلى الحرب الناعمة والغزو الفكري، وهكذا تفعل أمريكا في هذا العصر لما فشلت في كثير من حروبها العسكرية في بعض البلدان فعادت إلى ما يسمى بالحرب الناعمة، وهي مركزة وموجهة إلى العقول والأفكار والقناعات، بحيث يقتنع الإنسان بفكر العدو فيغير قناعاته ويهدم بيته بيده.

 

ومن صور الحرب الناعمة على بلاد الإسلام أن أعداء الإسلام ينطلقون من أساليب الشيطان، التي سبق ذكرها في الخطبة الأولى وقد استفادوا من خبرات الشيطان؛ ﴿ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ [الأنعام: 112]، فهم على تواصل تام معه، فيستخدمون كل وسائله من الإغراء والترغيب والخداع والمكر، ونحوها لتنفيذ برامج الحرب الناعمة على بلاد الإسلام.

 

ومن ذلك الغزو الفكري، والعولمة، والعلمانية، ونحوها، وقد أنشؤوا المنظمات المدنية التي تعمل في صفوف ومجتمعات البلدان الإسلامية، التي ظاهرها الخير والإغاثة والإحسان إلى الناس، وباطنها الإفساد للقيم والأخلاق والعادات الحسنة، فهدموا بها الأسرة، وأشاعوا الفاحشة، وأخرجوا المرأة من عفتها وحجابها، ووزعوا المخدرات والمسكرات، وأفسدوا العلاقات، وبثوا الرذيلة عن طريق ما يسمى بالعلاقات الشخصية، وسهلوا وصول الخمور والمخدرات والمنبهات إلى الشباب، لإغواء المجتمع عن أهدافه، وصار بعض أبناء المسلمين يعملون في صف أعداء الإسلام وهم لا يشعرون، فيخربون بيوتهم بأيديهم.

 

ولعلكم استمعتم إلى خطاب الرئيس الأمريكي السابق أوباما الذي ألقاه في جامعة القاهرة بعد أن فاز بالانتخابات، وأعلن فيه أن أساليب بوش الأب والابن فاشلة في العالم الإسلامي، ويجب أن تغير إلى الطريقة الجديدة، وهي الحرب الناعمة بدلًا عن الحرب العسكرية الخشنة، ومنذ ذلك التاريخ ونحن نتجرع ثمار هذه الحرب في بلداننا وفي مجتمعاتنا وتنفذ من خلال الطابور الخامس (المنافقين) الذين تأثروا بهذه الأفكار وصاروا في طريقها، وصدقناهم لأنهم أناس يتكلمون بألسنتنا ويدعون أنهم من جلدتنا، ولكنهم ينفذون ما يطلبه منهم العدو، وهذا أخطر علينا من الحرب العسكرية الخشنة.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرد كيد الكائدين في نحورهم وأن يكفينا شرهم.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: جريمة الطغيان
  • خطبة: أمواج الفساد وعلاجها
  • خطبة: مقاصد الحج
  • خطبة: العناية بمحكمات الشريعة

مختارات من الشبكة

  • خطبة عيد الفطر 1447 هـ: هويتنا في الحرب المستعرة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: العشر الأواخر والحرب الدائرة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • غزوة الأحزاب وتحزب الأعداء على الإسلام في حربهم على غزة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أربح البضاعة في المحافظة على الجمعة والجماعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • منزلة الاحترام في الإسلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أثر الطاعة في حياة الفرد من خلال كلام ابن عباس رضي الله عنهما (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نفحات الذاكرين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: من أحكام الجمعة(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • الجمعة بين التعظيم والغفلة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الإفادة في اغتنام الإجازة (خطبة)(مقالة - ملفات خاصة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • 130 شابا يشاركون في منتدى الشباب المسلم الإقليمي بتتارستان
  • بينزا تستضيف برنامجا صيفيا لتعليم الأطفال القرآن والعلوم الإسلامية
  • اختتام النسخة الـ18 من مسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في البوسنة والهرسك
  • انطلاق دورات «القرآن في قلوبهن» للفتيات بالمسجد التاريخي في إندركا
  • انطلاق الحملة السنوية لتوفير المستلزمات المدرسية لأبناء المسلمين في تتارستان
  • انطلاق برنامج قرآني صيفي لتنمية مهارات التلاوة في عاصمة بولندا
  • تخريج دفعة جديدة من دارسي العلوم الإسلامية في ألبانيا
  • مسجد أكسينوفو يختتم دوراته الصيفية بنجاح بموردوفيا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 4/2/1448هـ - الساعة: 11:7
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب