• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    قائمة أكثر الناس ثراء في العالم
    حسين أحمد عبدالقادر
  •  
    فيزياء القرآن: سر الأمانة وهندسة الـروح
    الغالية المطاعي
  •  
    مراقبة الله سبب في وقاية العبد من الوقوع في ...
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    فضائل المساجد وواجبنا تجاهها (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    عندما يحميك الله مما تتمناه (خطبة)
    حسان أحمد العماري
  •  
    صيغة "أن" والفرق بين أن يروى بها عن الرجل وبين أن ...
    حسيب الإسلام بن حفيظ الإسلام
  •  
    خطبة: سيل الوقاية من كيد الشيطان
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    إرشاد للتائهين وموعظة للمتقين (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
  •  
    أنهل القيم وأجزل النعم = البركة (1) أهميتها - ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    باب فضل الإحسان إلى البنات والأخوات
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    أمتنا والمسرى والأسرى (خطبة)
    فائز بن فيصل باقطمي
  •  
    خطبة بعنوان شدة الحر
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    صفحات العمر وأنوار الهجرة (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    خطبة: الحذر من التسرع بالطلاق
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    فقه الإحسان (6) الإحسان في المعاملات
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    مسألة كفر تارك الصلاة بين ابن شقيق والزهري
    د. خالد النجار
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

عندما يحميك الله مما تتمناه (خطبة)

عندما يحميك الله مما تتمناه (خطبة)
حسان أحمد العماري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 2/7/2026 ميلادي - 16/1/1448 هجري

الزيارات: 109

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

عندما يحميك الله مما تتمنَّاه

 

الخُطْبَةُ الأُولَى

الحمدُ للهِ نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آلِه وصحبِه، ومَن سارَ على نهجِه واقتفى أثرَه إلى يومِ الدين، أمَّا بعدُ:

فأوصيكم- عبادَ اللهِ- ونفسيَ المقصِّرةَ بتقوى اللهِ عزَّ وجلَّ؛ فإنَّ تقوى اللهِ خيرُ زادٍ ليومِ المعاد، قال تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ [سورة البقرة: 197].

 

أيُّها المؤمنون، إنَّ مِن أشدِّ ما يمرُّ على الإنسانِ في حياتِه: أن يقفَ أمامَ بابٍ أُغْلِقَ في وجهِه، أو أمنيةٍ طال انتظارُها ثم لم تتحقَّق، أو رزقٍ سعى له طويلًا ثم انصرف عنه، أو وظيفةٍ كان يراها نجاتَه فلم تُكتبْ له، أو علاقةٍ تعلَّق بها قلبُه ثم انكسرت، أو زواجٍ تأخَّر، أو تجارةٍ تعثَّرت، أو سفرٍ مُنِع منه، أو مشروعٍ انهار بعد طولِ تعبٍ وأمَلٍ. عندها يصرخُ القلبُ في صمتٍ موجعٍ: لماذا أنا؟ لماذا تُغلَقُ الأبوابُ في وجهي بينما تُفتَحُ لغيري؟ لماذا أتأخَّرُ أنا ويَسبقُني غيري؟ لماذا أُحرَمُ من شيءٍ تمنَّيتُه بكلِّ قلبي بينما يُعطاه غيري بسهولة؟ وهذه الأسئلةُ- عبادَ اللهِ- ليست دليلَ ضعفِ إيمانٍ إذا وردتْ على القلبِ مع ألمِ الابتلاء، ولكنَّ الخطرَ كلَّ الخطرِ أن نسيءَ الظنَّ بالله، أو نظنَّ أنَّ كلَّ منعٍ في حياتِنا هو إهانة، وأنَّ كلَّ تأخيرٍ هو حرمان، وأنَّ كلَّ بابٍ مغلقٍ هو رفضٌ من اللهِ لعبدِه.

 

وهنا يأتي نورُ النبوَّةِ، ويأتي البلسمُ الذي يسكبُه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على القلوبِ الموجوعة، فيقولُ في الحديثِ الصحيح: «إِنَّ اللهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ، كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ تَخَافُونَ عَلَيْهِ»؛ رواه الإمام أحمد في المسند، وصحَّحه الألباني.

 

تأمَّلوا- رحمكم الله- هذا المعنى العظيم: إنَّ اللهَ يَحْمِي. لم يقلِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يمنعُه فقط، أو يحجُبُ عنه فقط، بل قال: يَحْمِي؛ أي: قد يكونُ ما ظننته حرمانًا في حقيقتِه حماية، وقد يكونُ ما رأيتَه إغلاقًا في حقيقتِه نجاة، وقد يكونُ ما أبكاكَ اليومَ هو عينُ الرحمةِ التي ستنقذك غدًا. نحنُ ننظرُ إلى اللَّحظة، واللهُ ينظرُ إلى العواقب. نحنُ نرى ظاهرَ البابِ المغلق، واللهُ يرى ما وراءَه. نحنُ نحبُّ الشيءَ؛ لأنَّه يوافقُ شهوةً أو رغبةً أو مصلحةً عاجلةً، واللهُ يعلمُ إن كان هذا الشيءُ سيصلحُ دينَنا أو يُفسِدُه، سيُريحُ قلوبَنا أو يكسرُها، سيقودُنا إلى الطاعةِ أو يفتحُ علينا بابَ الفتنةِ والانشغالِ والغفلةِ.

 

ولذلك قال اللهُ تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].

 

يا الله! كم من شيءٍ أحببناه فكان شرًّا لنا، وكم من شيءٍ كرهناه فكان خيرًا لنا، وكم من تأخيرٍ ظننَّاه قسوةً ثم ظهر بعد سنواتٍ أنَّه عينُ الرحمة، وكم من منعٍ ظننَّاه خذلانًا ثم تبيَّن أنَّه سترٌ من اللهِ وحماية. إنَّ المؤمنَ لا يعيشُ بعينِ اللحظةِ فقط، بل يعيشُ بعينِ الإيمانِ التي ترى وراءَ الحدثِ حِكمةَ الله، ووراءَ المنعِ لُطفَه، ووراءَ البلاءِ رحمتَه، ووراءَ الأقدارِ المؤلمةِ عنايةً لا تراها العيونُ أوَّلَ الأمر.

 

أيُّها الأحبَّة، انظروا إلى واقعِ الناسِ من حولِكم، بل إلى واقعِكم أنتم. كم من شابٍّ أصرَّ على علاقةٍ ظنَّ أنَّها سعادةُ عمرِه، فلمَّا انكسرتْ تألَّمَ وبكى وسَهِر الليالي، وربَّما قال في نفسِه: لماذا حُرِمتُ؟ ثمَّ مرَّتِ الأيَّامُ، وانكشفت له أخلاقٌ ما كان يراها، وظهرت له عيوبٌ ما كان يبصرُها، ثمَّ حمدَ اللهَ بعد سنواتٍ وقال: واللهِ لو تمَّ هذا الأمرُ لكان شقاءَ عمري كلِّه. وكم من إنسانٍ تحسَّر على وظيفةٍ رُفِضَ فيها، وربَّما شعر يومَها أنَّ الدنيا أُغلِقَت في وجهِه، ثمَّ فتح اللهُ له بعد ذلك بابًا خيرًا منها في رزقِه، وفي راحةِ قلبِه، وفي حفظِ دينِه، ثم قال: الآن فقط فهمتُ لماذا رُدِدتُ يومها. وكم من فتاةٍ تأخَّر زواجُها، فظنَّتْ أنَّها حُرِمت، وكانت تنظرُ إلى من حولَها بحسرة، ثمَّ إذا باللهِ يُخَبِّئُ لها من هو أصلحُ لها وأكرمُ معها وأحفظُ لدينِها وقلبِها، فتقول بعد حين: الحمدُ للهِ أنَّه لم يُعطِني ما أردتُ في الوقتِ الذي أردتُه. وكم من سفرٍ مُنِع منه صاحبُه، أو صفقةٍ تعطَّلت، أو تجارةٍ لم تتم، ثمَّ ظهر له بعد ذلك أنَّ في المنعِ نجاةً من خسارةٍ عظيمةٍ، أو فتنةٍ كبيرةٍ، أو طريقٍ لو سلكه لهلك.

 

ولأجلِ هذا المعنى كان السلفُ الصالحُ يتأدَّبون مع اللهِ في أقدارِه، فلا يختزلون القصةَ في ظاهرِها، ولا يحكمون على المنعِ من أوَّلِ لحظة. إنَّ بعضَنا- عبادَ اللهِ- يريدُ الشيءَ؛ لأنَّه يراه جميلًا في عينيه، لكنَّه لا يرى سُمَّه المختبئ. وبعضُنا يتألَّمُ من التأخيرِ؛ لأنَّه لا يرى أنَّ قلبَه لم يَنْضُجْ بعدُ لحملِ ما يطلب، أو أنَّ الوقتَ لم يأتِ بعدُ، أو أنَّ اللهَ يريدُ أن يُطهِّرَه أولًا، أو يُربِّيَه بالصبرِ أولًا، أو يُصلِحَ نيَّتَه أولًا، أو يُبعِدَ عنه شرًّا كان ملتصقًا بما يتمنَّاه.

 

أيُّها المؤمنون، ولنا في قصصِ الأنبياءِ أبلغُ العِبَر. تأمَّلوا نبيَّ اللهِ يوسفَ عليه السلام. أُلقيَ في الجُبِّ، وبِيعَ عبدًا، وسُجِن ظلمًا، وتتابعت عليه الأبوابُ المغلقةُ والآلامُ والابتلاءات. لو نظر إنسانٌ إلى الموقفِ بعينِ اللحظةِ لقال: أين الرحمة؟ أين الفرج؟ أين العطاء؟ ولكنَّ اللهَ كان يُدبِّرُ له من خلالِ هذه الأبوابِ المغلقةِ بابًا أعظمَ لا يتخيَّله، حتى صار على خزائنِ الأرض، واجتمع شملُه بأبيه وإخوته، وخرج من المحنةِ إلى المنحة؛ ولذلك قال تعالى على لسانِ يعقوبَ عليه السلام: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، وقال سبحانه في خاتمةِ القصةِ: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [سورة يوسف: 90]. فكم من سجنٍ في حياتِك يُعِدُّك اللهُ به لتمكينٍ، وكم من بئرٍ ظننتَه نهايةً فإذا هو بدايةُ الطريق!

 

وأمَّا القصَّةُ الثانيةُ، فتأمَّلوا أمَّ موسى عليها السلام. أيُّ قلبٍ يحتملُ أن يُؤمرَ بأن يُلقيَ رضيعَه في اليمِّ؟! ظاهرُ الأمرِ فراقٌ وخوفٌ ودموعٌ، لكنَّ باطنَه حفظٌ وتدبيرٌ وعنايةٌ، قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7]. ما ظنَّتْه القلوبُ فراقًا كان في حقيقته حفظًا، وما بدا خطرًا كان في باطنِه أمانًا، وما كان يبدو إلقاءً في اليمِّ كان في الحقيقةِ إلقاءً في عينِ اللهِ وحفظِه. فربَّما يُسقِطُ اللهُ من يدِك شيئًا؛ ليضعَه لك في مكانٍ خيرٍ منه، وربَّما يأخذُ منك شيئًا؛ ليُعيدَه إليك أطهرَ وأحسنَ وأبركَ ممَّا كان.

 

عبادَ الله، إنَّ المؤمنَ إذا فَقِه هذا المعنى، عاش مطمئنًّا وإن تأخَّرَتْ عليه بعضُ الأماني، وعاش راضيًا وإن أُغلِقَتْ في وجهِه بعضُ الأبواب. ليس معنى ذلك أن يتركَ الأسبابَ، أو أن يستسلمَ للكسل، أو أن يُعطِّلَ السعي، بل يسعى ويأخذُ بالأسبابِ ويجتهدُ ويستخيرُ ويستشيرُ ويُحسِنُ الظنَّ بالله، ثمَّ إذا جرتِ المقاديرُ بخلافِ ما يحبُّ، علم أنَّ وراءَ ذلك ربًّا حكيمًا رحيمًا، لا يقدِّرُ على عبدِه المؤمنِ إلا ما فيه خيرُه، عاجلًا أو آجلًا، عَلِمَه أو جَهِلَه.

 

وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157].

 

تأمَّلوا: لم يقلِ اللهُ: وبشِّرِ الذين لم يُبتلَوا، بل قال: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾. فالبشارةُ بعد البلاءِ، والنورُ بعد العتمة، والعِوضُ بعد الانكسار، والرحمةُ قد تختبئُ في ثوبِ الابتلاء.

 

ثمَّ إنَّ اللهَ إذا أغلقَ بابًا، فليس معنى ذلك أنَّه سدَّ الطرقَ كلَّها، بل قد يكونُ الذي أُغلِقَ بابًا صغيرًا، ليُفتَحَ لك بابٌ أكبرُ وأطهرُ وأبقى. قال سبحانه: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 2، 3]. ليس فقط يجعلُ له مخرجًا، بل يرزقُه من حيث لا يحتسب؛ أي: من طريقٍ لم يخطرْ له على بال، ومن بابٍ لم يكن يراه أصلًا، ومن عطاءٍ لم يكن ضمن حساباتِه. كم من الناسِ تعلَّق ببابٍ واحدٍ، فلمَّا أُغلِقَ ظنَّ أنَّ الدنيا انتهت، ولو علِم ما عند اللهِ من أبوابٍ أخرى لابتسمَ في وسطِ الدموع.

 

أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، أمَّا بعدُ:

فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلموا أنَّ من أعظمِ أبوابِ السكينةِ في هذه الحياة: أن تُحسِنوا الظنَّ باللهِ عند المنع، كما تُحسِنون الظنَّ به عند العطاء. كثيرٌ من الناسِ يحمدُ اللهَ إذا أُعطي، لكنَّه يضطربُ إذا مُنِع، ويهدأُ إذا فُتِح له بابٌ، لكنَّه يجزعُ إذا أُغلِق، والمؤمنُ الصادقُ يعلمُ أنَّ ربَّه كما يُحسِنُ إليه بالعطاء، يُحسِنُ إليه أحيانًا بالمنع، وكما يرحمُه بالفتح، قد يرحمُه أيضًا بالإغلاق.

 

ولذلك قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الحديثِ العظيم: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ»؛ رواه مسلم. فالمؤمنُ رابحٌ في الحالين: إن أُعطي شكر، وإن مُنع صبر، وإن فُتِح له حمد، وإن أُغلِق عليه بابٌ لم ينهَرْ؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ المدبِّرَ هو الله.

 

ومن رحمةِ اللهِ بعبادِه أنَّ هذه الآلامَ التي تُوجِعُ القلوبَ لا تذهبُ سُدًى، بل يجعلُها اللهُ كفَّارةً ورفعةً وتطهيرًا. قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ»؛ متفقٌ عليه؛ رواه البخاريُّ (5641، 5642)، ومسلمٌ بمعناه. فحتى الدموعُ التي بكيتَها عند بابٍ أُغلِق، وحتى الحسرةُ التي شعرتَ بها عند فواتِ فرصةٍ أو تعثُّرِ أمرٍ، إذا احتسبتَها عند الله، فإنَّها ليست ضياعًا، بل عبادةٌ خفيَّةٌ، وتطهيرٌ ربَّاني، ورفعةٌ في الميزان.

 

أيُّها المسلمون، إنَّ أعظمَ ما يُفسِدُ على العبدِ هذا المعنى: المقارنةُ بالناس. ترى فلانًا تزوَّج قبلك، وفلانًا وُظِّف قبلك، وفلانًا اغتنى قبلك، وفلانًا سافر قبلك، وفلانًا اشترى بيتًا قبلك، وفلانًا نجح مشروعُه سريعًا، فتنسى أنَّ لكلِّ إنسانٍ قدرَه، ولكلِّ عبدٍ طريقَه، ولكلِّ قلبٍ ابتلاءَه، وأنَّ اللهَ لا يُديرُ عبادَه بنسخةٍ واحدةٍ، بل يفتحُ لهذا بما يصلحُه، ويمنعُ ذاك عمَّا يضرُّه، ويؤخِّرُ عن هذا لِيُنضِجَه، ويُعجِّلُ لذاك لحكمةٍ يعلمُها. فليس الفتحُ السريعُ دائمًا علامةَ محبَّة، وليس التأخيرُ دائمًا علامةَ غضب، وليس كثرةُ المالِ دليلَ رضا، وليس ضيقُ الحالِ دليلَ سخط. المعيارُ الحقيقيُّ: هل قادك ما أُعطيتَ إلى الله، أو قادك ما مُنِعتَ إلى الله؟ هل قرَّبك العطاءُ من الطاعة، أم أشغلك؟ وهل أيقظك المنعُ من الغفلة، أم أسقطك في سوءِ الظن؟

 

ولهذا- عبادَ اللهِ- إذا أُغلِقَ في وجهِك بابٌ، فافعلوا أربعةَ أمور: أوَّلُها: راجعوا قلوبَكم مع اللهِ بالتوبةِ والاستغفارِ، فربَّما كان التأخيرُ تربيةً، وربَّما كان البلاءُ تنبيهًا، وربَّما كان الفتحُ ينتظرُ منك صدقَ لجوء. ثانيها: خذوا بالأسبابِ المشروعةِ كاملةً، ولا تتواكلوا، فإنَّ الإيمانَ لا يُناقضُ السعيَ، بل يأمرُ به. ثالثها: أكثروا من الاستخارةِ والدعاءِ، وألِحُّوا على اللهِ أن يختارَ لكم، لا أن يُعطيكم ما تريدون فقط. ورابعُها: إذا جاءَ القضاءُ بخلافِ مرادِكم، فارضَوا عن اللهِ، ولا تُخاصِموا القَدَر، ولا تُسيئوا الظنَّ بربِّكم، بل قولوا بقلوبٍ صادقة: لعلَّ الذي مُنِعنا منه شرٌّ لنا، ولعلَّ الذي أخَّره اللهُ عنَّا يدَّخرُه لنا في وقتٍ أحسن، أو يصرفُنا إلى ما هو خيرٌ منه.

 

وإنِّي أقولُ لكلِّ مكسورِ القلبِ اليوم: إذا تأخَّر زواجُك، فلا تظنَّ أنَّك منسيٌّ. وإذا رُدِدتَ من وظيفةٍ، فلا تظنَّ أنَّ رزقَك انتهى. وإذا فشلتْ صفقةٌ أو خَسِرتَ تجارةً، فلا تظنَّ أنَّ الخيرَ انقطع. وإذا خرج من حياتِك إنسانٌ كنتَ ترى فيه كلَّ شيء، فلا تظنَّ أنَّ اللهَ أراد لك الهلاك. قد يكونُ الذي أبكاكَ اليومَ هو الذي سيحفظُ دينَك غدًا، وقد يكونُ الذي انصرفَ عنك هو الذي لو بقيَ لأتعبَك وأهلكَك، وقد يكونُ الذي تأخَّر عنك الآن هو الذي لو جاءَ في هذا التوقيتِ لكان وبالًا عليك. إنَّ ربَّك أرحمُ بك من نفسِك، وأعلمُ بمصلحتِك من عقلِك، وألطفُ بك من جميعِ الخلق.

 

ألا فاملؤوا قلوبَكم بحسنِ الظنِّ بالله، وردِّدوا دائمًا في مواطنِ الألم: يا ربِّ، إن كان هذا المنعُ منكَ، فأنا أرضى؛ لأنِّي أعلمُ أنَّكَ لا تمنعُني إلا لِتَحميني، ولا تؤخِّرُني إلا لِتُصلِحَني، ولا تُغلقُ بابًا إلا لِتفتحَ لي بابًا خيرًا منه. وإذا ضاقت بكم الدنيا، فاذكروا أنَّ اللهَ إذا منعَ رحم، وإذا أخَّرَ حكم، وإذا أغلقَ بابًا فتحَ من حيث لا تحتسبون.

 

اللهمَّ يا أرحمَ الراحمين، يا ربَّ المستضعفين، يا جابرَ المنكسرين، يا وليَّ المؤمنين، نسألُك بأسمائِك الحُسنى وصفاتِك العُلى أن تجعلَ ما نُحِبُّه خيرًا لنا، وأن تصرفَ عنَّا ما نحبُّ إذا كان شرًّا لنا، اللهمَّ ارزقنا الرضا بعد القضاء، وبردَ اليقينِ بعد الفتنة، وحسنَ الظنِّ بك في السراءِ والضراءِ، اللهمَّ افتحْ لنا أبوابَ رحمتِك، وأغنِنا بحلالِك عن حرامِك، وبفضلِك عمَّن سواك، اللهمَّ اجبرْ قلوبَ المنكسرين، وفُكَّ كربَ المكروبين، ونفِّسْ همَّ المهمومين، واقضِ الدَّينَ عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وارحمْ موتانا وموتى المسلمين، اللهمَّ ارزقْ شبابَ المسلمين وبناتِهم الأزواجَ الصالحين، والذرِّيَّةَ الطيِّبة، والرزقَ المباركَ، والقلوبَ المطمئنَّة، والنفوسَ الراضية.

 

اللهمَّ انصرِ الإسلامَ وأعِزَّ المسلمين، وأصلِحْ ولاةَ أمورِهم، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ يا ربَّ العالمين، وصلِّ اللهمَّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمد، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

 

وأقِمِ الصلاة.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • اليوم أظلهم في ظلي (خطبة)
  • {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (خطبة)
  • حياة مؤجلة! (خطبة)
  • مواطن القرب من الله (خطبة)
  • رمضان دورة تدريبية لإعادة البناء (خطبة)
  • الرحمة وقسوة الحياة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • عندما تختبر الأخلاق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: عندما يكون الشاب نرجسيا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {قال أخرقتها لتغرق أهلها}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضائل المساجد وواجبنا تجاهها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: سيل الوقاية من كيد الشيطان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إرشاد للتائهين وموعظة للمتقين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنهل القيم وأجزل النعم = البركة (1) أهميتها - مجالاتها – آثارها - مظانها - أسباب فقدانها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أمتنا والمسرى والأسرى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة بعنوان شدة الحر(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • صفحات العمر وأنوار الهجرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك
  • وضع حجر الأساس لمسجد جديد في أوسينوفسكي
  • فتح باب المشاركة في الدورات الصيفية الإسلامية للشباب في بلغاريا
  • تركازي تتزين بمسجد جديد بعد سنوات

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 15/1/1448هـ - الساعة: 9:46
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب