• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    مسلمو الهند وأول واجباتهم
    أسيد بن محمد
  •  
    مواطن الرحمات (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    مفهوم المجمل
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    ذهاب الحسنة بالسيئة (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    الإلحاد المعاصر في القرآن الكريم
    د. محمد بن علي بن جميل المطري
  •  
    تحريم المن وأنه مدعاة للرياء ودليل على أن العمل ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    تعدد النيات وأسرار مضاعفة الأجور والحسنات
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    { واجعلنا للمتقين إماما } (خطبة)
    حسان أحمد العماري
  •  
    الشباب والرفق بهم (خطبة)
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    الإحسان إلى البنات سبب من أسباب النجاة من النار
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    رحمة الله بعباده
    الشيخ صلاح نجيب الدق
  •  
    كلمة وكلمات (18)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    ليست الهزيمة في سقطة الأمس
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى: {قل إن ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    احذروا من التسرع في الطلاق (خطبة)
    خالد سعد الشهري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن / عون الرحمن في تفسير القرآن
علامة باركود

تفسير قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم... }

تفسير قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغ
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 6/7/2026 ميلادي - 20/1/1448 هجري

الزيارات: 80

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تفسير قوله تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ﴾

 

قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 159 - 163].

 

قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾.

 

قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: الفاء للتفريع، أو استئنافية، والباء حرف جر تفيد السببية، و«ما»: زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى؛ كما في قوله تعالى: ﴿ ﭑﭒﭓ﴾ [النساء:155]، ﴿ رَحْمَةٍ ﴾: مجرورة بالباء، والجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿ لِنْتَ ﴾، ونكرت «رحمة» للتعظيم؛ أي: فبسبب رحمة من الله لك ولأصحابك لنت لهم، أو أي شيء جعلك لينًا لهم لولا رحمة الله بك وبهم، وفي هذا امتنان من الله - عز وجل - عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته.

 

﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: كنت لينًا لأصحابك وأمتك، رفيقًا بهم: ألنت لهم جانبك، وخفَضت لهم جَناحك، فأحبوك، واجتمعوا عليك.

 

فقد كان صلى الله عليه وسلم لينًا حسن الخلق والتعامل مع أصحابه، كما كان صلى الله عليه وسلم رؤوفًا رحيمًا بأمته؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

 

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا»[1]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا»[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين»[3].

 

وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[4].

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: الواو: عاطفة، والجملة معطوفة على ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾، وفيها بيان وإيضاح لمعنى ﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: لنت لهم، ولم تكن فظًّا غليظ القلب؛ أي: ولم تكن شديدًا، وبضدها تتميز الأشياء.

 

و«لو»: شرطية، وهي حرف امتناع لامتناع، ﴿ كُنْتَ﴾: فعل الشرط، ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: جواب الشرط، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.

 

﴿ فظًّا ﴾: خبر كان، و«الفظ»: السيئ الخلق، الجافي الطبع، غليظ القول والفعل؛ قال الشاعر:

أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ
وكنت أخشى عليها من أذى الكلم[5]

وقال الآخر:

يُبكى علينا ولا نبكي على أحد
لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل[6]

﴿ غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾ غلظ القلب: قساوته، وغليظ القلب: قاسي القلب الذي لا يلين، وليس في قلبه رأفة ولا رحمة، وهذا هو سبب الفظاظة.

 

وفي حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي»[7].

 

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «مَن لا يَرحم لا يُرحم»[8].

 

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقَبِّلون الصبيان فما نُقَبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوَأَمْلِكُ لك أن نَزع الله من قلبك الرحمة»[9].

 

﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: اللام واقعة في جواب «لو»، أي: لتفرق أصحابك من حولك وانصرفوا وتركوك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ [الجمعة: 11].

 

وفي قوله: ﴿ مِنْ حَوْلِكَ﴾: دلالة على شدة ابتعادهم عنه، أي: لتفرَّق من حولك، وابتعدوا عنك كل البعد.

 

عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن مما جاء في صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح»[10].

 

﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾: الفاء عاطفة للتفريع على قوله: ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾؛ أي: فتجاوز عن أصحابك، وسامحهم، ولا تؤاخذهم فيما يقع منهم من تقصير في حقك، من ترك واجبٍ لك، أو ارتكاب منهي في حقك.

 

وما أكثر ما حصل له صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخاصة من بعض المنافقين؛ عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: «والله إنها لقسمة ما أُريد بها وجه الله»، قلت: أمَّا أنا لأَقولنَّ للنبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته وهو في أصحابه، فساررته، فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وتغيَّر وجهه، وغضب حتى وَدِدت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر»[11].

 

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يُقْسِمُ، جاء عبدالله بن ذي الخُوَيْصِرَة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل»، قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: «دعه فإن له أصحابًا يُـحَقِّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»[12].

 

ولما خاصَم الأنصاري الزبير- رضي الله عنه - في شِرَاج الحَـرَّةِ التي يسقون بها النخل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم»[13].

 

وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُـرْد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فَجَبَذَهُ جَبْذَةً شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء»[14].

 

﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: واطلُب لهم المغفرة من الله فيما يقع منهم من تقصير في حق الله تعالى، سواء كان بسبب تقصيرهم في حقك، أو في غير ذلك من حقوق الله تعالى؛ لأن ما يجب للرسول صلى الله عليه وسلم، بل وما يجب لغيره من الخلق، كل ذلك من حق الله تعالى؛ لأن الله هو الذي أوجب ذلك كله.

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: المشورة: استطلاع رأي المستشار، أي: شاوِر أصحابك واستطلع آراءهم، واطلب منهم المشورة.

 

﴿ فِي الْأَمْرِ ﴾؛ أي: في الشأن، و﴿ الأمر ﴾ واحد الأمور، أي: شاورهم في الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر وتجربة، ونحو ذلك.

 

ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في كثير من الأمور؛ تشجيعًا لهم وتطييبًا لخواطرهم، واستئناسًا برأيهم، فعن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان..»[15].

 

واستشارهم في أسرى بدر، فأشار عليه أبو بكر - رضي الله عنه - باستبقائهم وفدائهم، وأشار عليه عمر - رضي الله عنه - بقتلهم، وكان صلى الله عليه وسلم يميل إلى رأي أبي بكر - رضي الله عنه - فاستبقاهم، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67 - 69][16].

 

كما استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى أُحد، فأشار أكثرهم بالخروج فخرج[17]، كما استشارهم يوم الأحزاب، فأشار عليه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بحفر الخندق حول المدينة[18].

 

كما استشارهم في قصة الإفك، فقال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا عليَّ أيها الناس في رجل بلغني أذاه في أهلي»[19].

 

قال البخاري - رحمه الله[20]: «وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة، لم يتعدوه إلى غيره»، وقال: «وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولًا؛ كانوا أو شبانًا، وكان وقافًا عند كتاب الله عز وجل».

 

وقد تشاور الصحابة - رضي الله عنهم - في أمر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشار أبو بكر - رضي الله عنه - الصحابة في قتال أهل الردة، وجعل عمر - رضي الله عنه - الأمر شورى بعده في ستة عيَّنهم رضـي الله عـنه وعنهم.

 

والاستشارة كما تكون في أمور الأمة الهامة والعامة، تكون في الأمور الخاصة بين الناس بين أفراد المجتمع، بين الأقارب والأزواج والإخوان والأصدقاء، وسائر أفراد المجتمع؛ كما قال تعالى في الزوجين: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ [البقرة: 233].

 

وقد امتدح الله - عز وجل - هذه الأمة بقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38]، وقد قيل: «ما خاب مَن استخار، ولا ندم مَن استشار»[21].

 

وقال الشاعر:

شاور سواك إذا نابتك نائبة
يومًا وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى
ولا ترى نفسها إلا بمرآة[22]

 

وقال الآخر:

إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن
برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة
فإن الخوافي قوة للقوادم[23]

 

وقال الآخر:

خليلي ليس الرأي في صدر واحد
أشيرا عليَّ بالذي تريان[24]

والشورى في الأصل مما جُبل عليه الإنسان في فطرته السليمة في طلب الصلاح والنجاح في المساعي، إذا سلم من آفة الأنانية والاستبداد أو الاستكبار، ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر، فقد قال تعالى عن بلقيس: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ [النمل: 32]، والاستشارة ليست لكل أحد، وإنما يُستشار أهل الدين والعقل والعلم والحكمة، والرأي والتجربة، والحزم والعزم والقوة والنصح والأمانة، ونحو ذلك، وأهل التخصص كل في مجال تخصصه، ولا يستشار من لا يُطْمَأَن إلى نصحه للأمة؛ كأهل الكفر والفسق والنفاق، وأهل البدع والأهواء، وأرباب الشهوات، ونحوهم.

 

وليس من شرط الشورى في الإسلام أن يؤخذ فيها رأي أكثر الناس، كما يزعم أدعياء الديمقراطية الموهومة، فإن أكثر الناس ودهماءهم أتباع كل ناعق، والحكم في الإسلام لشرع الله تعالى وَفق الكتاب والسنة، والشورى إنما تكون فيما ليس فيه حكم شرعي مما يستجد من القضايا والنوازل، فسيتطلع رأي أهل الشورى فيها بما يتفق مع ما جاء في الكتاب والسنة ولا يتعارض معهما.

 

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ ﴾ الفاء للتفريع، و«إذا» ظرفية مضمنة معنى الشرط؛ أي: فإذا صممت على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه إن كان يحتاج إلى استشارة، سواء كان مما استظهرته من أهل الشورى، أو مما تبين لك سداده من بين آراء أهل الشورى، كما يقال في المثل: «ما بين الرأيين رأي».

 

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط؛ أي: فاعتمد على الله تعالى، وعلى حوله وقوته وحده، لا على مشورتك وحدك.

 

وفي هذا أمر له صلى الله عليه وسلم بفعل السبب باستشارة أصحابهم واستطلاع رأيهم، وبالاعتماد على الله - عز وجل - وحده، والمضي قدمًا فيما عزم عليه من أمر بعد التوكل على الله، وعدم التردد.

 

و«التوكل على الله»: صدق الاعتماد على الله تعالى في جلب النفع ودفع الضر، مع تمام الثقة به - سبحانه وتعالى - وحسن الظن به، وفعل الأسباب.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ الجملة: تعليل لما قبلها، وترغيب بالتوكل على الله، أي: فتوكل على الله؛ لأن الله يحب المتوكلين عليه، أي: يحب المعتمدين عليه وحده المفوضين أمورهم إليه، ومن أحبه الله تعالى أكرمه؛ نسأل الله تعالى من فضله.

 

قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾.

 

قوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ﴿ إِنْ ﴾: شرطية، ﴿ يَنْصُرْكُمُ ﴾: فعل الشرط، وقوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾: جواب الشرط، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية، أي: إن يقدر الله نصركم؛ كما حصل في بدر.

 

﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، «لا»: نافية للجنس نص في العموم، ﴿ غَالِبَ ﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم؛ أي: إن ينصركم الله فلا أحد يغلبكم أيًّا كان، ومهما كان عليه من القوة عدة وعددًا.

 

وهذا مما يوجب التعلق بالله تعالى وحده، وطاعته والحذر من معصيته وسبب خِذلانه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126].

 

﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ «الخذلان»: عدم النصر، بدليل مقابلته لقوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ ﴾، وقوله بعده: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾؛ أي: وإن يقدِّر الله خذلانكم، ويتخلَّ عن نصركم ويَكلكم إلى أنفسكم بسبب معصيتكم له، ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما حصل في أُحد، ومن وكل إلى نفسه هلك، ولهذا جاء في الدعاء: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت»[25].

 

﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾: جملة جواب الشرط في قوله: ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وربط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية.

 

و«من» في قوله: ﴿ فَمَنْ ذَا ﴾ اسم استفهام بمعنى النفي مشرب بالتحدي، أي: فلا أحد ينصركم من بعده، كأنه يقول: وإن يقدر الله خذلانكم، فنتحداكم أن ينصركم أحد من بعده، ولو اجتمع لكم من بأقطارها، و﴿ ذا ﴾: اسم إشارة، أي: فمن هذا الذي ينصركم من بعده؟!

 

وفي الآية مقابلة بين قوله: ﴿ يَنْصُرُكُمْ ﴾ و﴿ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وبين قوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، وقوله: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾.

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الواو: عاطفة، وقدم الجار والمجرور «على الله».

 

على متعلقه «يتوكل»؛ لإفادة الحصر، أي: وعلى الله وحده لا على غيره فليعتمد المؤمنون.

 

والفاء في قوله: ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ ﴾ رابطة لشرط مقدر، واللام للأمر؛ أي: وعلى الله وحده، لا على غيره، فليعتمد المؤمنون حقًّا، وخص المؤمنين لأن إيمانهم يوجب عليهم التوكل على الله وحده، ولا إيمان لأحد بدون التوكل على الله تعالى وحده.

 

قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾.

 

رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «فقدوا قطيفة يوم بدر، فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾؛ أي: يخون»[26].

 

قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿ يغلَّ ﴾ بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل، وقرأ الباقون: «يُغَل» بضم الياء وفتح الغين بالبناء للمفعول، و«نبي»: نكرة في سياق النفي فتعم، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يغل، والغُلول: أخذ شيء من الغنيمة خُفيةً قبل قسمتها، ويطلق على الخيانة في كل ما يتولاه الإنسان من الأموال لغيره.

 

والمعنى على قراءة (يَغُل) بالبناء للفاعل، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يقع منه الغلول لا شرعًا وقدرًا؛ لا غلول المال بأخذه من الغنيمة خفية، أو من غيرها، ولا غلول العلم بكتمان بعض ما أنزل إليه، فلا يبلغه أمته، بل هم كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]، وقد أخذ الله عليهم الميثاق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظً ﴾ [الأحزاب: 7]، والمعنى على قراءة (يُغَل) بالبناء للمفعول، أي: ما كان لنبي أن يَغُلَّه غيره شرعًا بأن يكسب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه غنيمة، ثم يقوم أحد بإخفاء شيء منها وأخذه، هذا أمر محرم لا يجوز شرعًا؛ لأن الغنيمة لجميع المسلمين، لكن هذا قد يقع قدرًا، وقد وقع هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «رأى رجلًا يتقلب في النار في بُردة غلَّها»[27].

 

وقيل: النفي بمعنى النهي، أي: لا يُغله أحد، وقيل: معنى (يُغَل) يتهم بالغلول.

 

﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ ﴾ الواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَغْلُلْ ﴾: فعل الشرط، أي: ومن يغلل بإخفاء المال وأخذه من نبي أو غيره، على سبيل افتراض وقوع الغلول من أي نبي؛ لأن الله نفى أن يقع ذلك من الأنبياء شرعًا وقدرًا.

 

﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ يَأْتِ ﴾: فعل الشرط مجزوم بحذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها.

 

و«ما» في قوله: ﴿ بِمَا ﴾: موصولة، تفيد العموم، أي: يأت بجميع الذي غلَّ وأخفى وأخذ من المال يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، حاملًا له على ظهره، حيوانًا كان أو متاعًا أو غير ذلك؛ فضيحة له وعذابًا معنويًّا له يوم القيامة.

 

﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ثم ﴾: عاطفة، أي: ثم بعد أن تأتي كل نفس بما غلَّت يوم القيامة فضيحة لها، ﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ما ﴾: موصولة أو مصدرية، أي: تُعطى كلُّ نفس من أهل الغلول أو غيرهم الذي كسبت، أو كسبها وافيًا، أي: تعطى جزاءَ عملها وافيًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وجعل الكسب مكان الجزاء؛ لبيان أن الجزاء من جنس العمل والكسب، وبحسبه.

 

﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: حال، أي: حال كونهم لا يظلمون، أي: لا ينقصون من أجورهم وحسناتهم شيئًا، ولا يزادون في سيئاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40].

 

وذلك لكمال عدل الله عز وجل؛ لأن الصفات المنفية تدل على كمال ضدها، فنفي الظلم عنه - عز وجل - يدل على كمال عدله، كما أن نفي الموت عنه في قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ [الفرقان: 58]، يدل على كمال حياته، وهكذا.

 

قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾.

 

قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾: الهمزة للاستفهام, ومعناه: الإنكار والنفي.

 

والفاء: عاطفة، وقُدمت همزة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة، والفاء العاطفة محلها في الأصل قبل الهمزة، والتقدير: «فأمن اتبع»، وقيل: الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام.

 

و«من»: اسم موصول، أي: أفيستوي ويكون الذي اتبع وطلب رضوان الله بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، من ترك الغلول وغيره في جزائه في الحياة وبعد الممات، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه.

﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الكاف: للتشبيه، بمعنى «مثل»، و﴿ بَاءَ ﴾ بمعنى: رجع، ﴿ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الباء: للملابسة والمصاحبة، وسخط الله: غضبه وعدم رضاه، أي: كالذي رجع متلبسًا بغضب من الله بتركه ما أمر الله به، وارتكابه ما نهى الله عنه من الغلول وغيره، واستحق عقاب الله, وعظيم عذابه.

 

وبين قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ مقابلة.

 

﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ الواو: عاطفة، أي: ومرجعه الذي يأوي إليه ويستقر فيه، ﴿ جهنم ﴾: اسم من أسماء النار، سميت به؛ لشدة ظلمتها وجهمتها وحرِّها، وبُعد قعرها.

 

﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾: «بئس»: فعل جامد لإنشاء الذم، و﴿ الْمَصِيرُ ﴾ فاعله، وهو المرجع، والمآل والمآب.

 

والمخصوص بالذم محذوف، أي: وبئس المصير ﴿ جَهَنَّمُ ﴾، أو وبئس المصير «مصيره».

 

فنفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، أي: لا يستوي هذا وهذا، أي: لا يستويان في حكم الله وجزائه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وشتان بينهما، فالأول: مؤمن، والثاني: كافر، وشتان بين عمل كل منهما، فالمؤمن: اتبع في عمله رضوان الله، والكافر: اتبع في عمله ما يُسخط الله، وشتان بين جزاء كل منهما، فالمؤمن مأواه جنات النعيم، والكافر مأواه جهنم وبئس المصير.

 

قوله تعالى: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾.

 

نفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، ثم أتبع ذلك ببيان أنهم درجات عند الله.

 

والضمير في قوله: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ ﴾ يعود إلى الفريقين مَن اتبع رضوان الله ومَن باء بسخط من الله، وجاء بضمير الجمع ﴿ هُمْ ﴾ مراعاة لمعنى «من» في قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ ﴾؛ لأن معناها الجمع.

 

﴿ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾؛ أي: منازل مختلفة متفاوتة عند الله تعالى بحسب تفاوتهم في أعمالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ [الأنعام: 132].

 

فالذين اتبعوا رضوان الله في أعالي الدرجات، وكل مَن كان منهم لرضوان الله أتبع كانت درجته أرفع.

 

والذين باؤوا بسخط في أسافل الدركات، وكل مَن كانت مباءته بسخط الله أعظم، كانت دركته أسفل.

 

فهم درجات عند الله، فالذين آمنوا فوق الذين كفروا، وأهل الإيمان درجات في إيمانهم، ودرجات في نعيمهم وثوابهم، وأهل الكفر درجات في كفرهم، ودرجات في عذابهم وعقابهم.

 

﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾؛ أي: مطَّلع على الذين يعملون، وعلى عملهم، مشاهد له عالم به، لا يخفى عليه منه شيء، ظاهرًا كان أو باطنًا، حقًّا كان أو باطلًا.

 

وفي هذا وعد لمن عمل صالحًا، ووعيد لمن عمل خلاف ذلك.



[1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (3038)، ومسلم في الأشربة (1733)، من حديث أبي بردة عن أبيه عن جده رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، من حديث أنس رضي الله عنه.

[3] أخرجه البخاري في الوضوء (220)، وأبو داود في الطهارة (380)، والنسائي في الطهارة (56)، والترمذي في الطهارة (147)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[4] أخرجه البخاري في الحدود (6786)، ومسلم في الفضائل (2327)، وأبو داود في الأدب (4785).

[5] البيت لإسحاق بن خلف، انظر: «شرح حماسة أبي تمام» (2/ 183).

[6] البيت لمهلهل بن ربيعة، وقيل: للمخبل؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة للمرزوقي» (ص420).

[7] أخرجه الترمذي في الزهد (2411)، وقال: «حديث حسن غريب».

[8] أخرجه البخاري في الأدب (5997)، ومسلم في الفضائل (2318)، وأبو داود في الأدب (5218)، والترمذي في البر والصلة (1911).

[9] أخرجه البخاري في الأدب (5998)، ومسلم في الفضائل (2317)، وابن ماجه في الأدب (3665).

[10] أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الفتح (4838)، وأحمد (2/ 174).

[11] أخرجه البخاري في الأدب (6100)، ومسلم في الزكاة (1062).

[12] أخرجه البخاري في استتابة المرتدين (6933)، ومسلم في الزكاة (1064).

[13] أخرجه البخاري في المساقاة (2360)، ومسلم في الفضائل (2357)، وأبو داود في الأقضية (3637)، والنسائي في آداب القضاة (5407)، والترمذي في الأحكام (1363)، من حديث عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما.

[14] أخرجه البخاري في فرض الخمس (3149)، ومسلم في الزكاة (1057).

[15] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1779).

[16] أخرجه مسلم في الجهاد والسير- الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (1763)- وسيأتي ذكره وتخريجه بتمامه في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى.

[17] سبق تخريجه في ذكر سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121].

[18] انظر: «تفسير ابن كثير» (6/ 384).

[19] أخرجه البخاري في المغازي (4141)، ومسلم في التوبة (2770)، وأبو داود في النكاح (2138)، والترمذي في التفسير (3180)، وابن ماجه في النكاح (1970)، وأحمد (6/ 194)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[20] انظر: «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الاعتصام- باب قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] (13/ 339).

[21] انظر: «أدب الدنيا والدين» للماوردي (ص300).

[22] البيتان للأرجاني؛ انظر: «ديوانه» (1/ 246).

[23] البيت لبشار بن برد؛ انظر: «ديوانه» (4/ 173).

[24] البيت لابن الدمينة؛ انظر: «حماسة الخالدين» (ص70).

[25] أخرجه أبو داود في الأدب (5090)، من حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه.

[26] أخرجه أبو داود في الحروف (3971)، والترمذي في التفسير (3009)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 194، 195)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 803)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (5601، 5602) - وقال الترمذي: «حسن غريب». والحديث من رواية خصيف بن عبدالرحمن. وقد قال عنه الإمام أحمد: «شديد الاضطراب». «تهذيب التهذيب» (3/ 124)، وقال ابن حجر في «التقريب»: «سيئ الحفظ خلط بآخرة»، وقد اضطرب فيه خصيف فجعله تارة من حديث عكرمة عن ابن عباس، وتارة من حديث مقسم عن ابن عباس، وتارة من حديث عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ولهذا أورده ابن عدي في «الكامل في الضعفاء والمتروكين» (3/ 72) في ترجمة خصيف بن عبدالرحمن.

[27] سيأتي ذكره وتخريجه بتمامه، قريبًا.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...}
  • تفسير قوله تعالى: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون...}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين}
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ...}
  • تفسير قوله تعالى: {اذ تصعدون ولا تلون على احد والرسول يدعوكم في اخراتكم فاثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم…}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم …}
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى ...}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ...}

مختارات من الشبكة

  • تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس...)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ....}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ... }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم... }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين...﴾(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • سراييفو تختتم برنامجًا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 20/1/1448هـ - الساعة: 15:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب